70 عاما على النكبة: استشهاد قرية (3)

70 عاما على النكبة: استشهاد قرية (3)

قصة "استشهاد" قرية - معركة "الشجرة" 1948

كان والدي وجدي -رحمهما الله- يذكران موقعة السجرة عام 1948، بل وعزوا خلّو صفورية من المقاتلين الأشداء، أبناء البلدة ومجاهديها من جهة، وعدم وجود قوات عربية من جيش الإنقاذ أو المتطوعين المسلحين في البلدة المهمة والإستراتيجية، -عزوا ذلك - إلى معركة الشجرة، حيث أن غالبية المناضلين كانوا يحاربون دفاعاً عنها، منعا لسقوطها، أو بالأحرى إستعادتها، من أيدي قوات "الهاغناه" الصهيونية، والتي كانت قد شنت هجوما واسعاً عليها، ونجحت باحتلالها، ومن ثمّ حاول العرب استعادتها وتحريرها تحت قيادة فوزي القاوقجي الضابط في الجيش السوري، وقائد جيش الإنقاذ خلال حرب 1948، حتّى سقطت نهائيا في براثن الاحتلال، ومن ثم احتلّت كل القرى المحاذية لها، بل أغلب قرى الجليل الأسفل، فمنها ما هـُجِّر أهلها، ومنها من وقّع سكانها على الاستسلام لعصابات صهيون، وبهذا حقّق المحتل هدفه في فتح الطريق إلى طبرية، والتخلص من قرية لوبية المجاورة للشجرة، حيث كان الهدف الرئيسي من هذه المعركة هو احتلالها، ومنع مجاهديها من قطع الطريق على المستعمرين اليهود في المنطقة، كما فعلوا طوال سنين عديدة، رافضين الاستسلام لواقع الاستيطان البغيض.

"السجرة" من أجل إسقاط "الشجرة"

تقع قرية الشجرة الفلسطينية في الجنوب الغربي لمدينة طبرية، على بعد 30 كم تقريبا، وشمال مدينة الناصرة، وتحيطها القرى: لوبية المهجرة وطرعان وكفركنا وعرب الصبيح الذين هُجِّروا في عام 48، حيث اشتهروا ببأسهم وشدتهم في الحرب ضد العصابات الصهيونية.

بلغ عدد سكان الشجرة عشية عام النكبة حوالي 900 نسمة ونيف.

أهمية قرية الشجرة مستمدة من أنها تقع بالقرب من مفرق مسكنة - عيلبون، والذي أطلق عليه الصهاينة فيما بعد، اسم مفرق "چولاني"، على اسم الفرقة العسكرية التي كان لها الباع الأكبر في معركة الشجرة التي تتناولها هذه العجالة. تكمن أهمية هذا المفرق في أنه يُشرف على الطريق إلى طبرية من جهة، ومنطقة الشمال حتى الجليل الأعلى، والطريق الى الغرب باتجاه شفاعمرو حتى الساحل.

لقد عرف الصهاينه أهمية مفرق مسكنة منذ بدايات الهجرة الاستيطانية إلى بلادنا، ولذلك قام عدد من المهاجرين الأوائل بإنشاء مستعمرة بين دبورية ومفرق مسكنة وذلك عام ١٨٩٩ وأسموها "سجرة" (لاحقا تحول الاسم إلى "إيلانيا" وهو يعني شجرة باللغة العربية) كاسم القرية الفلسطينية. وسرعان ما تحولت هذه المستعمرة من عزبة زراعية عند تأسيسها، إلى مستوطنة تعاونية، وذلك عام 1901، وأصبحت "الكوليكتيڤ" الأول على صعيد البلاد بإسرها عام 1907، وفِي العام 1909 أسس سكانها جمعية "هشومير" وهي الجمعية المسلحة الأولى على المستوى القطري من أجل خدمة المشروع الصهيوني، ولاحقا، وبالتحديد عام 1920 انضمت هذه الجمعية الى جيش "الهاغناه". كما واعتبرت هذه المستعمرة التواجد الأستيطاني الأول في الجليل الأسفل، وأصبح لها أهمية إستيراتيجية بالنسبة لليهود المستعمرين، حيث شكلت رأس حربة في وجه أهالي المنطقة الأصليين، ولذلك تعرضت الى هجمات متفرقة من مجاهدي القرى المجاورة، خاصة من قبل مقاتلي قرية لوبية وعرب الصبيح.

لوبية هي المستهدفة

قرية لوبية كانت أكبر قرى قضاء طبرية، حيث بلغ عدد سكانها عشية النكبة أقل من ثلاثة آلاف بقليل، ومساحة أراضيها حوالي 40 ألف دونم (منها ألف دونم تعود ملكيتها لليهود!!). كانت القرية قريبة من مفرق مسكنة بحيث يمكن لها او لمجاهديها إغلاق الطريق من وإلى طبرية والسيطرة عليه، أي المفرق.

اشتهر سكان لوبية بمقاومتهم للاحتلال البريطاني، وكان منهم عدد لا بأس به، من رجالات الثورة الفلسطينية بين الأعوام 1936 و 1939. وكذلك كان سكان القرية ينفذون هجمات متفرقة على المجمعات الصهيونية مثل "كفار طابور" وغيرها، وخصوصا على مستعمرة إيلانيا" أو السجرة الصهيونية، مما أثار غضب المحتلين الصهاينة والذين يدعون أن أهالي لوبية كانوا يقضون مضاجع سكان المستوطنات اليهودية على مدى خمسين عاماً قبل النكبة.

في يوم 24 شباط/فبراير من العام 1948، شن مقاتلو لوبية هجوما على قافلة مستوطنين مسلحين قادمة من طبرية، وإستمرت المعركة عدة ساعات، وقتل نتيجة للهجوم مستوطن أو اثنان، وأدى ذلك الى إغلاق الطريق إلى طبرية نهائيا، وعزل "إيلانيا" عن باقي المستعمرات اليهودية في الغور ومرج ابن عامر.

احتلال الشجرة

بتاريخ السادس من أيار/مايو، قامت قوات "الهاغاناه" بشن هجوم على قرية الشجرة من أجل فك الحصار عن "إيلانيا"، وتم لهم ذلك فاحتلوا القرية -أي الشجرة- ولكن الهجوم فشل في تحقيق كافة أهدافه المبيتة، إذ أن الهجوم على عرب الصبيح باء بالفشل، واستطاع مقاتلو الصبيح الأشاوس صدّ الهجمة، ومنع احتلال قريتهم وربط "إيلانيا" بـ"كفار طابور". في هذا الهجوم اشترك حوالي 1500 جندي من "الهاغاناه"، مقابل عدد قليل من المقاتلين الذين استماتوا في الدفاع عن القرية، مستعملين بنادقهم التي لم يتجاوز عددها المئة بندقية، إلا أن نفاذ الذخيرة وكثرة المهاجمين أدى الى حسم المعركة سريعا، واحتلال قرية الشجرة.

فشل الهجوم على لوبية

في التاسع من شهر حزيران/يونيو، شنت قوات "الهاغاناه" بواسطة وحدات "چولاني" هجوما واسعا، كانت نقطة انطلاقه مستعمرة "إيلانيا"، وبدعم من قوات قادمة من طبرية، وذلك بهدف احتلال نقاط الدفاع التي استعملها أهالي لوبية في الدفاع عن قريتهم، والسيطرة على الطريق الذي يربط بين المدن والقرى المختلفة ومفرق مسكنة، وفتح الطريق بين طبرية والساحل الفلسطيني المحتل.

كانت خطة المعتدين ترمي إلى إخافة أهل القرية -أي لوبية- بواسطة قصف شديد بالمدفعية والرشاشات والسيارات المصفحة. نجح الهجوم في البداية بالسيطرة على نقاط الدفاع الأمامية، ولكنه فشل في إضعاف الروح المعنوية لأهالي لوبية الذين شنوا هجوما مضادا، واستعانوا بمقاتلين متطوعين من قرى أخرى في الجليل والناصرة، إذ أُعلن النفير (أو ما يُسمى بالفزعة).

كما أن جيش الإنقاذ تحت قيادة فوزي القاوقجي، كان قد تمركز في في وسط الجليل في بداية حزيران/يونيو بهدف شنّ هجوم باتجاه الشرق بالتلاؤم مع الجيش السوري، لفصل الجليل الأعلى عن باقي أجزاء فلسطين، ولكن الخطة تغيرت بسبب الهجوم على لوبية، وقرر القاوقجي استغلال "الفزعة"، وصد هجوم الجيوش الصهيونية، بل وتحرير قرية الشجرة، وهذا ما حصل فعلا، إذ أرسل قوات كبيرة مجهزة بالمدفعية والمصفحات للمعركة التي استمرت ما يقارب 24 ساعة، استرد فيها قرية الشجرة وكبد "الهاغاناه" خسائر فادحة تقدر بحوالي خمسة وعشرين جنديا، بقي ثلاثة عشر منهم في أرض المعركة حتى دخول الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة قيد التنفيذ. وفي المقابل، تكبد جيش الإنقاذ والمجاهدون الكثير من الشهداء، ورغم ذلك تمّ تحرير قرية الشجرة.

المعركة الفاصلة

كانت الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة، يجب أن تنتهي في التاسع من شهر تموز/يوليو، وخلال هذه الفترة أعد الطرفان قواتهما من أجل الانقضاض على الطرف الآخر. وبالفعل تم ذلك يوم الثامن من الشهر، إذ شنت قوات "چولاني" المتمركزة في "إيلانيا" هجوما قويا معززا بالآلات العسكرية والمدرعات، على القوات التي حشدها القاوقجي وكان عددها يقارب الألف من جيش الإنقاذ والمتطوعين المجاهدين من القرى المجاورة، مثل كفركنا وصفورية والناصرة وغيرها.

صمد الجيش العربي في البداية، فقامت "الهاغاناه" باستعمال الطائرات لأول مرة في المعركة، والتي قامت بقصف القرى المجاورة قصفا شديدا، وكذلك قصفت القوات المتواجدة في الشجرة. واستمر القتال لعدة أيام شن فيها القاوقجي الهجوم تلو الآخر من أجل طرد القوات المرابطة في "إيلانيا"، ولكنه لم ينجح في ذلك، حيث صمدت القوات الصهيونية، وكانت وحداتها الخاصة تتسلل ليلا إلى مواقع المجاهدين فتزرع القنابل التي تنفجر في اليوم التالي.

في الثالث عشر من تموز/يوليو، أحكم جيش الإنقاذ والمتطوعون قبضتهم على الشجرة، ولكنهم انسحبوا في نفس الليلة بسبب الخسائر الكبيرة في الأرواح والمعدات.

في اليوم التالي قام جيش الإنقاذ بتنفيذ ما لا يقل عن ثمانية هجمات على قوات "الهاغاناه"، ولكنه لم ينجح بالتقدم، وبسبب هذا الإصرار على تحرير الشجرة مرة أخرى، لم ينتبه إلى أن قوات وحدات "چولاني" كانت قد انطلقت من الغرب باتجاه الشجرة، بما يسمى بعملية "ديكل" حيث سقطت شفاعمرو ومن ثم صفورية والمجيدل ومعلول، كلهم في نفس الليلة المشؤومة، ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو 1948، وقامت هذه القوات باحتلال الناصرة والقرى المجاورة، وفِي نفس الوقت انطلقت قوة كبيرة من طبرية باتجاه لوبية.

في السابع عشر من الشهر، وقعت دبورية على وثيقة استسلام، وفِي نفس اليوم توقفت مدفعية جيش الإنقاذ عن قصف قوات "الهاغاناه"، وضعفت معنويات المدافعين عن الشجرة ولوبية، وخفت روحهم المعنوية، مما أدى إلى انسحابهم وهروب السكان، فدخلت قوات "جولاني" لوبية بدون مقاومة يوم الثامن عشر من تموز، معلنة عن "استشهاد" قرية باسلة، وإحكام سيطرتها على الجليل الأسفل برمته.

ملاحظة حول الاسم:

في الحقيقة لم أصل إلى معرفة الاسم الحقيقي لقرية الشجرة، (لا ارتأي البحث في ذلك، لأن العجالات التي أكتبها حول النكبة ليست أبحاثا ودراسات بحيث أتوصل إلى الحقيقة الكاملة حول هذا الموضوع وغيره) هل كان كذلك أو كان الاسم هو "السجرة"، وتلفظ في بعض الأحيان "الصجرة"، كما كان يقول والدي رحمه الله وعموم الكبار من أهل بلدنا، وهذا ما أرجحه.

لكني اخترت اسم "الشجرة" لتمييزها عن مستعمرة "السجرة" الصهيونية، كما أطلق عليها مؤسسوها الأوائل، ثم تحول الاسم إلى "إيلانيا" ويعني أيضا الشجرة.