كفر مندا: الأرض والتاريخ..

كفر مندا: الأرض والتاريخ..
مدخل كفر مندا (من الأرشيف)

الموقع:

تقع قرية كفر مندا في الجليل الأسفل، في الشمال الغربي لسهل البطوف على ارتفاع 170 مترًا عن سطح البحر. يحدها من الشمال جبل الديدبة الذي يبلغ ارتفاعه 548 مترًا عن سطح البحر، وقرية كوكب أبو الهيجا، ومن الغرب هضاب شفاعمرو، ومن الجنوب الشرقي سهل البطوف. تقع على مسافة 15 كم شمال الناصرة، وتبعد عن قرية صفورية المهجرة 9 كم باتجاه الشمال.

في عام 1945م بلغت مساحة أراضيها 14,935 دونمًا منها 2,232 دونمًا مشاع. اشتهرت القرية بزراعة الزيتون.

في عام 1964م أقيم في القرية مجلس محلي وهو مؤلف اليوم من 11 عضوًا.

في كفر مندا خمسة مساجد وهي: المسجد القديم، مسجد التقوى، مسجد النور، مسجد الهدى، مسجد الشهداء.

في القرية عيادات صندوق المرضى، وكالة بريد، شرطة جماهيرية، فرع للبنك العربي، مركز جماهيري(متناس)، بيت للمسنين، وعدد كبير من الجمعيات.

السكان:

كانت قرية كفر مندا في بداية العهد العثماني قرية كبيرة وعامرة حيث بلغ عدد سكانها 476 نسمة في عام 1596م. يبدو أنه لحقها الدمار إذ أن عدد سكانها عام 1912 لم يتعد 321 نسمة. في عام 1922م بلغ عددهم 428 نسمة، وفي عام 1931 بلغوا بما فيهم عرب الحجيرات 975 مسلمًا لهم 187 بيتًا. في عام 1945 ارتفع عدده إلى 1260 نسمة، وفي سنة 1961 ارتفع العدد إلى 2060 شخصًا، وفي سنة 1973 بلغ 3490 نسمة، وفي عام 1990م 8000 نسمة، وفي ديسمبر 2013 بلغوا 17714 نسمة.

التعليم:

في عام 1929م افتتح في كفر مندا كُتّاب لدى الشيخ حسن صالح الخطيب حيث كان يعلم الصبية القرآن الكريم والقراءة والكتابة وشيئًا من الحساب. في سنة 1935 فتحت المدرسة الرسمية بمبادرة حكومة الانتداب، وكانت مكوّنة من غرفة واحدة مستأجرة، وقد استمر ذلك الوضع حتى سنة 1938 عندما اشترت حكومة الانتداب قطعة أرض وبنت عليها غرفة للتدريس، ولما ازداد عدد التلاميذ استأجروا غرفتين أخريين. في سنة 1941 بنيت مدرسة جديدة ضمت أربع غرف حتى الصف الرابع الابتدائي.

أما اليوم ففي القرية 10 مدارس وهي: المدرسة الابتدائية أ، المدرسة الابتدائية ج، المدرسة الابتدائية هـ، مدرسة الرازي الابتدائية، مدرسة ابن سينا الابتدائية، مدرسة الزيتون الابتدائية، المدرسة الاعدادية أ، المدرسة الإعدادية ب، المدرسة الثانوية، مدرسة الأخوة (ابتدائية –ثانوية).

كفر منده: التاريخ والاسم

زار السائح الصوفي علي بن أبي بكر الهروي في سنة 569 هجرية/1173 ميلادية مدينة طبرية، وعَرّجَ على قرية كفر منده، وسَجّلَ في كتابه "الإشارات إلى معرفة الزيارات" ما يلي:" من طريق طبرية إلى مدينة عكة قرية يقال لها كفر منده، قيل: إنها مدين، والله أعلم، وقد زرنا مدين شرقي طور سينا، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وبكفر منده قبر صفوراء زوجة موسى، وبها الجُبُّ الذي قَلَعَ الصخرة من عليه وسقى لهما، والصخرة باقية هناك إلى الآن، وبها اثنان من أولاد يعقوب، وقيل هما أشهر ونفتالي والله أعلم". وينقل ياقوت الحموي المتوفى سنة 1229م في كتابه "معجم البلدان" ما كتبه الهروي أعلاه بحذافيره غير أنه يصحح اسم أشهر بأشير. وفي مكان آخر يُضيف: "وقيل مدين هي كفر منده من أعمال طبرية وعندها البئر والصخرة".

أما ابن فضل الله العمري، الذي وضع كتابه "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" سنة 1344م، فيقول معتمدًا على مصادر جديدة: "قبر صفوراء، بنت شعيب، زوجة موسى بن عمران، بقرية كفر منده. قيل: إنها مدين، على ما زعم. قال ابن الواسطي: على ما زُعِمَ. قال ابن الواسطي: والصحيح أن مدين شرقي طور سينا. وبهذه القرية الجب الذي قلع موسى الصخرة من عليه، وسقى منها أغنام شعيب، قال: والصخرة باقية هنالك، وبها اثنان من أولاد يعقوب، وهما أشير ونفتالي".

تعدد الآراء حول تفسير اسم القرية:

1.كفر مندا قرية مذكورة في المشناة والتلمود، وهي موطن كبار كهنوتهم مثل يسسخار مندي. أصحاب هذا الرأي لا يقدمون تفسيرًا للاسم، وإنما يأتون على ذكر كل من نسب إلى مندا.

2.كفر مندا تحريف ل (مناة) وهو اسم للإله القسمة والنصيب. وهذا الرأي لا يأخذ بالحسبان حرف الدال. وعليه مرفوض.

3.كفر مندا تحريف للكلمة الإغريقية Mandra بمعنى حظيرة الغنم أو مكان رهبنة وتعبد وتنسك. ولكن هذا الرأي ضعيف لسقوط الراء.

4. اسم القرية مشتق من مدين، بلد شعيب عليه السلام الذي عاش في القرية قبل آلاف السنين، وابنته صفوراء زوجة موسى عليه السلام المدفونة بجوار القرية؛ وهذه هي الرواية العربية، وما يدعم هذا الرأي وجود قرية صفورية قريبًا من كفر مندا.

5.اسم القرية مشتق من الندى الذي يلف سهل البطوف وكفر مندا بكثافة. وقد سُمّيَ البطوف بهذا الاسم لكثرة الندى في أيام الصيف.

كفر مندا في بداية العهد العثماني:

في بداية العهد العثماني كانت كفر مندا من كبريات القرى في ناحية طبريا وأغناها. وردت في دفتر ضريبة عثماني اسمه "دفتر مفصل لواء صفد لسنة 1005ھ/1596م" مقادير الضريبة المجبية من قرية كفر مندا التابعة لناحية طبريا بالعملة التركية المسماة بالآقجه(ثُلث باره) موزعة على النحو التالي:

-عدد الخانات(عدد دافعي الضرائب من المتزوجين): 93.

-عدد المجرد(عدد دافعي الضرائب من العزبان): 11.

-مقادير الضريبة المجبية:

حنطة: 2600 آقجه.

شعير: 700 آقجه.

زيتون إسلامي: 7300 آقجه.

قطن: 800 آقجه.

سورغوم: 70 آقجه.

باد هوا ورسوم عروس: 500 آقجه.

رسم ماعز ونحل: 758 آقجه.

مال مقطوع: 600 آقجه.

يكون(مجموع الضريبة): 13028 آقجه.

استنادًا إلى ما ورد أعلاه من معطيات يمكننا أن نستنتج أن قرية كفر مندا كانت من كبريات قرى ناحية طبريا حيث بلغ عدد سكانها 476 نسمة، وأن دخلها السنوي كان مرتفعًا. اعتمد السكان في معيشتهم على زراعة الحنطة (القمح) والشعير والقطن، وفي الأساس على فرع الزيتون (3650 شجرة)، وعلى تربية الماعز والنحل. قسم من الضريبة كان مقطوعًا أي محددًا وثابتًا. البادهوا ورسوم العروس هو حاصل الجرم والجنايات ورسوم الزواج. ظهرت ضريبة اسمها سورجوم وهي ضريبة على مستغل فردي.

علماء من كفر مندا:

-زين العابدين: أورد محمد بن فضل الله المحبي في كتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ترجمة للعالم زين العابدين الصفدي الفقيه الحنقي وقال عنه: " كان من فضلاء زمانه، قدم دمشق في عنفوان عمره، واشتغل بها على علماء ذلك العصر وحصّل فضلاً باهرًا، ثم رحل إلى بلدته صفد، وأقام بها وولي إفتاء الحنفية مدّة ودرس وأفاد واشتهر صيته، وكان ذا همة عالية ومكارم أخلاق، وأصله من قرية كفر مندا من ضواحي صفد، وكانت وفاته في سنة أربعين وألف تقريبًا"، أي أن العالم المذكور توفي حوالي سنة 1630م.

-الشيخ حسن بن علي المنداوي الصفوري الشافعي (نسبة إلى صفورية). قال الغزي في لطف السمر: "مؤدب الأطفال بالغزالية من الجامع الأموي، تخلف للشيخ مسلم الصمادي، ولفّ عمامة سوداء، كانوا يسمونه الخليفة الأسود، وكان إمامًا بالشامية البرانية. مات في شهر ربيع الأول 1029ﻫ/شباط 1620م.

كفر مندا في عهد الثورة:

تدعي رفقة شفك- ليسك أن قرية كفر مندا لم تشارك في ثورة 1936-1939م لأن زعيم عرب الحجيرات كانت له علاقة سرية مع ضابط يهودي يعمل في الشرطة البريطانية. وهذا الادعاء غير صحيح لأن الحجيرات عاشوا بجوار القرية، ولم يشكلوا غالبية السكان في كفر مندا. ناهيك عن توفر معلومات عن تنكيل الإنجليز بسكان القرية وعن حيازة بعضهم لأسلحة وذخيرة.

ذكر أكرم زعيتر في يومياته أنه بتاريخ 15/1/1938 استلم تقريرًا مستعجلا حمله رسول خاص جاء فيه: "أن دورية من شفاعمرو وعلى رأسها الشاويش سالم أبو حاطوم خرجت، ولكن لم يعد منها إلا فرد واحد إذ قتل الشاويش المذكور والبوليس عطا الله. فقررت السلطة الانتقام من أقرب قرية لمكان وقوع الحادث وهي كفر مندا (الناصرة)، فذهبت إليها قوة كبيرة بقيادة مدير بوليس اللواء وجمعت جميع أهالي القرية في مكان، وراحت تفتش البيوت بالأسلوب الوحشي الذي أثر عن الجيش البريطاني: إتلاف ونهب وتدمير وضرب. وشُلّحَ قسم كبير من الرجال من ملابسهم وأُدير الزيت على أجسامهم ثم دُفنوا في التبن ثم وضعوا على آلات الحراثة بدلاً من البقر والدواب، وأخذ الجنود يضربونهم لقلب الأرض كما يفعل المزارع مع حيوانه. وحتى الآن لا يزال نحو عشرين شخصًا تحت المعالجة من الضرب والجروح...".

ثمة معلومات عن حيازة ثوار من كفر مندا أسلحة وذخيرة، إذ ذكر أكرم زعيتر في يومياته في 7/7/1938 أن المحكمة العسكرية في حيفا اصدرت حكمها بإعدام المجاهد محمد محمود الأحمد من قرية كفر مندا بتهمة حيازة بندقية. كما ذكر في مكان آخر أنه أصدر في 27/7/1938 نعيًا عممه على جميع الصحف عن إعدام خمسة مجاهدين في آن واحد جاء فيه: " ننعى إلى الأمة العربية المجاهد الباسل محمد محمود أحمد الحسين من قرية كفر مندا والبالغ من العمر 27 عامًا. فقد نُفّذَ فيه حكم الإعدام أمس شنقًا في سجن عكا، وكانت التهمة الموجهة إليه حيازة بندقية وذخيرة. وقد هتف قبل إعدامه لوطنه ونادى بسقوط الظالمين..".

وفي مكان ثالث يورد أكرم زعيتر النص الكامل لوصية الشهيد كالتالي: "لحضرة والدنا العزيز محمود أحمد حسين المحترم. بعد تقبيل أياديكم والسؤال عن شريف خاطركم مع كثرة الأشواق إليكم. أعرفكم يا والدنا إن سألتم عنا فإننا سننتقل إلى رحمة الله يوم الاثنين الواقع يوم 25/7/1938 الساحة الثامنة صباحًا لأن القائد العام وافق على إعدامي بالتاريخ المذكور، ولأن مدير السجن عكا بلغنا ذلك. فالرجاء يا والدنا أن تحضروا أنتم وجميع المحبين من أهل بلدنا لأجل رؤياكم لأننا مشتاقين لكم. عند وصول تحريرنا هذا قبل تنفيذ الحكم. ويا والدنا أرجوكم أن تقول إلى الشيخ حسن الإمام أن يقول إلى أهل البلد رجالاً ونساء وأولادًا أن يسامحونا بما عملنا في دار الدنيا. سلامي لأرواحكم الطاهرة، وإلى والدنا الحنون وإلى خواتنا عموم وإلى أخينا علي ألف سلام، وإلى دار عمنا سليم وأهل بيته وأولاده عموم ألف سلام، وسلامي على جميع جميع أقاربنا جميع كل حي باسمه وسلامي على أهل بلدنا عموم ألف سلام. ويا والدنا أرجوكم أنه عندما تستلموا جثتي أن لا تبكوا أبدًا بل يجب تهللوا وتكبروا وتصبروا إن الله مع الصابرين لقوله تعالى ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل هم أحياء عند ربهم يرزقون- الداعي لكم بطول العمر ولدكم محمد محمود أحمد حسين". وكان قد بعث الوصية ببرقية مستعجلة من سجن عكا المركزي إلى الخواجه نخلة بشارة من الناصرة ليوصلها إلى والده.

وذكر أكرم زعيتر أنه بتاريخ 5/10/1938 استلم تقريرًا عن أن قوة من الجند ذهبت إلى كفر مندا وأخذت تطلق النار على أهلها الآمنين دون مبرر، فأُصيب أربعة منهم بينهم امرأة كانت ترضع طفلها وهي ابنة حسن عرابي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018