د. مصاروة: فكرة الشهيد الميت-الحي جعلت الفلسطينيين يهزمون الموت

د. مصاروة: فكرة الشهيد الميت-الحي جعلت الفلسطينيين يهزمون الموت

* هناك قناعة كاملة لدى عائلات الشهداء بأن ابناءهن يتجولون بينهم

* "عرس الدم" بين الشهيد والأرض يمتد تاريخا حيا من لوركا إلى درويش


يعيد الفلسطيني في مسيرة كفاحه الطويلة في سبيل التحرر كتابة جدلية الحياة والموت في إطار وحدة وصراع الأضداد الأكثر تناحرا وقطبية، حيث يقف الموت على حدود الحياة وينتهي عند نقطة بدايتها.

وفي قراءة لمي جلال عواد لعملي إسماعيل الناشف ومي الجيوسي حول الموضوع، تشير إلى أن الأول يرى في كتابه "صور الموت الفلسطيني" أن الفلسطيني يموت ليحيا، ولن يحيا إلا بموته، وهو يشير إلى عمق تجذر بنية الموت كقاعدة تشكيل للحياة الفلسطينية، كما تقرأه مي جلال عواد، التي تقول "أن تموت شهيدا يعني أنك تنتزع من النظام سيطرته على إدارة شؤون الموت الجماعي الفلسطيني، وإن كان هذا الانتزاع رمزيا أو جزئيا.

فالشهيد يؤسس مسارات العودة الفعلية من خلال العمل الفدائي، وهو يرى في الجسد قيمة حاملة لإرادة فاعلة تسعى إلى تأسيس مسلك العودة، وهو يحول جسده البيولوجي إلى أداة قتال، وباختصار فإنّ "الشهيد"، كما تقول، هو شكل موت يحدد شكل حياة الفلسطيني.

بينما ترى الثانية، أنه عندما يتحول الجسد إلى مرمى النظام القمعي الكامل الذي تمارسه السلطة الإسرائيلية الهادفة إلى التجريد الجذري من أي شكل من أشكال الفاعلية السياسية، يصبح الجسد بدوره هو موقع المقاومة والفاعلية، كما تقول مي الجيوسي، وتتحقق هذه الفاعلية لحظة تدمير الجسد لذاته محوّلاً نفسه إلى إنسان يمكن التضحية به من أجل الجماعة. وتمتزج التجربة الجماعية بالتجربة الفردية حيث يقدم الاستشهاديون أجسادهم دليلا على حقيقة وجود الجماعة واعترافا بها.

وبرأي د. مرام مصاروة التي تناولت بالبحث حالات الاستشهاد خلال الانتفاضة الثانية، وأصدرت كتاب "تسييس وتديين الفقدان في المجتمع الفلسطيني"، فإن مفهوم "الميت الحي" للشهيد السائد في المجتمع الفلسطيني للشهيد هو بمثابة هزيمة للموت الذي عادة ما يقف الإنسان عاجزا أمامه، وهي حالة متجذرة في المستويين الفردي والجماعي. ويعبر عنها محمود درويش في "القربان" بقوله:

كن ميتا حيا!
وحيا ميتا
وكن طيفا خفيا
ولتبق وحدك عاليا
فاصعد ما أستطعت
فأنت أجملنا شهيدا

والشهيد هو بهذا المعنى حبل الوصل بين الإنسان العادي وبين القضية، كما تقول مستشهدة بأبيات درويش التي يخاطب فيها الشهيد قائلا:

هيا.. تقدم أنت وحدك،
فاصعد
أيها القربان نحو المذبح
الحجري، يا كبش الفداء فدائيا
واصعد قويا

فالسلام عليك يوم ولدت
في بلد السلام
ويوم مت، ويوم تبعث من ظلام
الموت حيا

حول مفهوم الفقدان والشهادة في المجتمع الفلسطيني، وفي أجواء سقوط عشرات الشهداء الفلسطينيين برصاص الاحتلال الفلسطيني على حدود غزة المحاصرة، كان لنا هذا الحوار مع د. مرام مصاروة.

عرب 48: يفترض أن يصدر قريبا باللغة الانجليزية كتابك الذي صدرت نسخته العبرية، بعنوان "تسييس وتديين الفقدان في المجتمع الفلسطيني" والذي اعتمد على الدراسة التي أجريتها لغرض نيل شهادة الدكتوراه، ماذا تناولت في الكتاب؟

مصاروة: أولا الكتاب اعتمد بجزء منه فقط على البحث الذي أجريته لغرض نيل الدكتوراه، وعلى أبحاث أخرى أجريتها وهو يبحث موضوع السياسة والدين والجنوسة في الفقدان - الثكل، وقد قابلت لهذا الغرض عائلات فلسطينية من الضفة الغربية أساسا، لأني لم أتمكن مقابلة عائلات من قطاع غزة، فقدت أبناءها خلال الانتفاضة الثانية.

عائلات شهداء إما حاربوا أو شاركوا بأعمال انتفاضية، وليس استشهاديين، ومن مختلف مناطق الضفة من الخليل جنوبا وحتى جنين شمالا ومن كافة الفصائل الفلسطينية على اختلاف أيديولوجياتها، من حماس وحتى الجبهة الشعبية، بمعنى أن الفقدان الذي بحثته فقدان سياسي، وفحصت بنهاية الأمر كيف صمم هذا الفقدان.

عرب 48: هل تناولت الحالات الفردية فقط، ألم تتطرقي للنكبة كفقدان جماعي مثلا؟

مصاروة: لا، أنا تناولت الحالات الفردية، ولكن من خلال الحالات الفردية فحصت موضوع التعامل مع الفقدان على المستويين الفردوي والجماعي، والفروقات في هذا التعامل بين الأمهات والآباء، وفي المستوى الجماعي- القواسم المشتركة بين العائلات الثكلى والمميزات الجامعة وردود الفعل الاجتماعية، بمعنى الاتفاقيات غير المعلن عنها بين تلك العائلات، وكل قصة تخليد الذكرى.

عرب 48: تقصدين الفقدان الجماعي النابع من كون الشهيد هو شهيد شعب وقضية؟

مصاروة: نعم، هناك عدة جوانب لقضية الشهادة، فالشهيد يخدم الفكرة الجماعية والقضية العامة. والمجتمع بتخليده للشهيد، وتحويله إلى الميت – الحي إنما "يرد له جميل" أو يقوم بتعويضه على التضحية التي قدمها للجماعة، وهو الذي قدم أغلى ما يملك الإنسان، هنا تخلق علاقة تفاعلية صامتة بين المجتمع وعائلة الشهيد، كما أن تحويل الشهيد إلى بطل وتجسيد بطولة الشهادة هي واحدة من المقومات التي تدعم كل فكرة الشهادة والنضال بهذا الاتجاه.

عرب 48: أنت أخذت البعدين السياسي والديني المجدولين جيدا في فكرة الشهادة، كما يعرفها مجتمعنا العربي والفلسطيني، وجعلتهما مصطلحا واحدا أدخلته للغة العبرية" بوليتيداتسيا"؟

مصاروة: الدمج بين الديني والسياسي هو تيار موجود في الشرق الأوسط، خاصة بعد 1967، حيث جرى تسييس الدين وقومنته، إن صح التعبير، وتوظيفه في خدمة الأجندات السياسية وحتى الأجندات الماركسية والعلمانية تطعمت أو اقتبست وتبنت في بعض الأحيان عناصر دينية بحت.

فعلى سبيل المثال، كنت قد قابلت خلال بحثي والد أحد الشهداء من الجبهة الشعبية، فقلت له اني استغرب أن يستخدم إنسان ماركسي علماني مصطلحا دينيا، وأقصد مصطلح الشهيد، فأجابني أن الأمر ليس بالجديد على الجبهة الشعبية، فعندما قامت الجبهة بإرسال أول استشهادي لها في لبنان عام 1982 واستشهد في العملية اعترضت الحركة الإسلامية، فرع الإخوان المسلمين في فلسطين قبل نشوء حماس، وأدعوا أن مقومات تعريف الشهيد لا تنطبق عليه، وأن هناك مفهوما دينيا لتعريف الشهيد لا ينطبق على شهداء الجبهة الشعبية كونها تنظيما ماركسيا، ولكن من المعلوم أن واقع قوافل شهداء الجبهة وغيرها من الفصائل العلمانية جعل هذا المفهوم يلائم نفسه للواقع الفلسطيني.

عرب 48: واضح أن ثقافتنا الشعبية متأثرة بالدين كثيرا، وأنها تطغى في كثير من الأحيان على المنظومات الفكرية الأخرى، هذا إضافة إلى تحولها إلى ملك عام لا يمكن لفصيل ديني معين احتكاره؟

مصاروة: ربما، ولكن الفصائل العلمانية والماركسية استخدمت هذه المصطلحات، فحركة المقاومة الفلسطينية استخدمت بداية مصطلح الفدائي، وهو يحمل أيضا بعدا دينيا واضحا، وقد استبدل مصطلح الثائر الذي جرى استعماله قبل الـ 48 وخاصة في ثورة 1936 وتعمم في الشرق الأوسط بعد أن كان رائجا في العالم بفعل الثورات التي أدت الى نشوء الدولة القومية الحديثة.

الفدائي بما يعنيه من قربان أو كبش الفداء، هو أيضا مصطلح مثقل بالفكر الديني، وربما كان للتوجهات الدينية لياسر عرفات تأثيرا مباشرا في تصميمه، أو هي حالة الدمج بين الدين والسياسة التي اكتنفت المنطقة بعد الـ 67 ، والشهيد أو الاستشهادي هو بمثابة تطوير لمصطلح الفدائي، بدأ فيه الإيرانيون خلال الحرب العراقية الإيرانية، ودخل بهذه المنظومة الجديدة إلى الحيز السياسي المحلي.

ومن الجدير الذكر أن الثائر والفدائي والاستشهادي هي تعبيرات عن أجندات سياسية مختلفة، وبالرغم من أن تسمية الفدائي هي تسمية دينية إلا أن فصائل الثورة الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات كانت فصائل علمانية بحتة، ولذلك فإن قضية الاستشهاد في سبيل الوطن أخذت أبعادا مختلفة عن الأبعاد التي أخذها الاستشهادي، حيث دخلت تفسيرات ابن جوزية وابن تيمية لموضوع الشهادة، وهي تفسيرات لم تكن موجودة في الستينيات والسبعينيات.

عرب 48: قمت خلال بحثك بفحص أبعاد سيكولوجية لموضوع الشهادة. إلى أي مدى كان الاعتقاد بأن الشهيد ميت- حي سائدا؟

مصاروة: صحيح أن مسألة الميت الحي هي نوع من العزاء، ولكن في الواقع فإن غالبية أهالي الشهداء كانوا يعتقدون أن أبناءهم أحياء ويعيشون بينهم، وكان فرق بين النساء والرجال في هذا المقام، حيث تتحدث النساء عن تجارب حسية مثل، "رأيته وأمسك بيدي" و"رائحة سريره مسك ورائحته بخور"، ولكن رجالا ونساء، على الإطلاق، كانوا على قناعة تامة بأن هذا الشهيد حي، ويتجول بينهم بالمعنى الفعلي، وليس بالمعنى الرمزي فقط.

على سبيل المثال قابلت امرأة من نابلس استشهد ولداها، حيث روت أن الابن الثاني كان حليق الذقن عندما جاء لتوديعها وتوديع خطيبته قبل استشهاده، وعندما رأته بعد الاستشهاد كانت ذقنه طويلة، (علما أن هناك تفسير طبي لموضوع استمرار تطاول الذقن والأظافر بعد الموت) وهي مقتنعة تماما أن السبب يعود إلى كونه ما زال حيا، وهناك حكايا كثيرة من هذا القبيل تدور حول هذا الموضوع.

تلك القناعة كان لها دور سيكولوجي رهيب في قضية الفقدان، بوصفه ليس فقدانا طبيعيا ناتجا عن حادث طرق مثلا، بل هو فقدان له خاصية وهالة غير موجودة في الحالات الأخرى.

عرب 48: أوردنا في المقدمة ما قلته عن قصيدة محمود درويش "القربان" واقتباسك لأبيات منها، بوصفها تعبيرا صادقا عن الشهيد في الحالة الفلسطينية؟

مصاروة: محمود درويش ينزل في هذه القصيدة إلى عمق مفهوم الشهادة والدور السياسي والديني الذي يأخذه الشهيد في القضية السياسية.

تعرضت أيضا لقضية الرابطة بين الأرض وبين الدم وهي قضية تاريخية بحتة، ولسنا أول ولا آخر شعب يقوم بهذا الربط ، حتى أنني بدأت بلوركا في "عرس الدم" ومنها انتقلت بنهاية الأمر إلى الأمهات الفلسطينيات اللاتي يزففن أبناءهن إلى الأرض الفلسطينية باعتبارها العروس ومعشوقة الشهيد، هو شيء من التعويض عن زفة العريس التي كانت تحلم بها الأم لابنها، وإسقاط على علاقة الشهيد بالأرض.

وبالنظر إلى الزغاريد والمهاهاة التي تطلقها أم الشهيد، نرى أنها ملأى بالأحلام، فهي تقول مثلا لابنها المسجى أمامها ملفوفا بالعلم الفلسطيني، "عيني عليك باردة" " الله يحميك من الحسد"، وغيرها من التعابير التي تنم عن تجاوز للواقع بطريقة رهيبة.

عرب 48: خلود الشهيد له بعد رمزي، فهو خالد في عقول ونفوس أصحاب القضية التي استشهد من أجلها وهم يعملون ويعمدون إلى تخليده كرمز، وإن تجاوز الأمر في بعض الأحيان حدود الرمزية إلى الحالات التي تحدثت عنها؟

مصارة: في موضوع تخليد الذكرى أيضا لاحظت تأثير عدة منظومات بعضها من المنظومة الدولية وبعضها متأثر من الجانب الإسرائيلي، أبرزها إيقاد الشموع وتخصيص زاوية لمقتنيات الشهيد وأغراضه، علما أن مقابر الشهداء حافظت على النمط الفلسطيني في موضوع الهرمية والفصائلية.


*د. مرام مصاروة محاضرة وباحثة في جامعة تل أبيب وكلية القاسمي. حصلت على شهادة الدكتوراه في موضوع العمل الاجتماعي من الجامعة العبرية في القدس، وعلى شهادة الماجستير من جامعة كامبردج البريطانية.

صدر لها كتاب "تسييس وتديين الفقدان في المجتمع الفلسطيني" وهو بحث تناول شهداء الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية، صدر باللغة العبرية في نهاية 2015 ومن المفترض أن يرى النور قريبا باللغة الإنجليزية، ولها أكثر من بحث عن مجزرة كفر قاسم