70 عاما على النكبة: صمود القدس الشريف 1948 (3/18)

70 عاما على النكبة: صمود القدس الشريف 1948 (3/18)

الجزء الثالث - حصار الأحياء اليهودية والصراع على الطريق إلى القدس


"يجعل لمدينة القدس كيان منفصل، خاضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأمم المتحدة إدارتها، ويعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة". هذا ما نص عليه قرار تقسيم فلسطين المعروف بقرار رقم ١٨١، الصادر عن مجلس الأمم المتحدة، في ٢٩ تشرين ثان/ نوفمبر ١٩٤٧، والبالغ عدد أعضائه، اَي مجلس الأمم المتحدة، ٥٧ دولة شاركت جميعها في اتخاذ القرار باستثناء دولة واحدة هي مملكة سيام (تايلاند)، ومنها أيدت القرار ٣٣ دولة، وعارضته ١٣ دولة، وامتنعت عن التصويت ١٠ دول. وقسم هذا القرار "العجيب" فلسطين إلى دولة عربية تشكل نسبتها ٤٣٪؜ من المساحة الكلية لأراضي فلسطين، أي ١١.١ ألف كيلومتر مربع، ودولة يهودية خصصت لها ٥٦٪؜ من أراضي فلسطين، أي ١٤.١ ألف كيلومتر مربع، وكيان منفصل في منطقة القدس مساحته ١١٧ كيلومترا مربعا.

رفض العرب هذا القرار المجحف بحقهم، إذ أنه أعطى المستعمر الصهيوني أغلبية الأرض، رغم أنه لا يمتلك أكثر من ٦.٥٪؜ من مساحة فلسطين رغم العمل "الدؤوب" من أجل السيطرة على الأرض العربية. وشرعن هذا القرار المشروع الاستعماري الصهيوني، وأعطاه الأرضيّة المناسبة من أجل أن ينقض بكل قوة على باقي الأرض الفلسطينية، كما صرح دافيد بن غوريون أمام قيادة الوكالة الصهيونية في حزيران/ يونيو ١٩٣٨، وكما كان يخطط أغلبية القيادة الصهيونية، والتي أرادت السيطرة على "الأرض التي بلا شعب" من أجل توطين "الشعب الذي بلا أرض".

وثارت ثائرة القيادات العربية المحلية، وعلى رأسها الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني، وصارت تتحضر من أجل منع تنفيذ القرار، معتمدة على دعم الدول العربية. وابتدأ العرب الفلسطينيون معركة طويلة غير متكافئة، إذ أن أسلحتهم البدائية، مقابل العصابات الصهيونية المدججة بالأسلحة الحديثة، لم تسعفهم، ورغم انتصاراتهم المحدودة في معركة "استنزاف" استمرت عدة أشهر، وامتدت من بعد صدور قرار التقسيم وحتى نيسان/ أبريل المشؤوم عام ١٩٤٨، عندما ابتدأت الحرب الحقيقية التي غيرت مجرى الأمور، وصار العرب يخسرون الموقع تلو الآخر، دون حصولهم على الدعم المنشود.

في القدس، كانت الأمور محتدمة منذ الْيَوْمَ الأول، بل كانت قلب المعركة، ولذلك وضعت "الهاغاناه" كل قوتها من أجل كسب هذا الموقع الهام، الذي شهد معارك طاحنة بين الطرف الفلسطيني والصهيوني، ولَم تحسم النتيجة نهائيا لصالح أحد الطرفين، بل إن القدس انقسمت إلى شرقية فلسطينية وغربية محتلة، واستمر هذا التقسيم حتى بعد نهاية عام النكبة وحتى عام ١٩٦٧، حيث سقطت القدس كليا في أيدي الدولة الصهيونية.

هذه الحلقة تروي قصص هذه المعارك التي نشبت إبان عام النكبة، وحتى حصول التقسيم الفعلي لمدينة القدس.

بداية الصدامات وتقسيم المدينة

أعلنت الهيئة العربية العليا عن إضراب عام وشامل، في أنحاء فلسطين كلها، وذلك احتجاجا على قرار التقسيم، وذلك لمدة ثلاثة أيّام تبدأ في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر عام ١٩٤٧. لبّت فلسطين كلها هذا الإضراب بما فيها القدس، والتي شهدت أحداثا كبيرة في أيّام الإضراب، ففي الْيَوْمَ الأول هاجم المتظاهرون العرب سيارات صهيونية تتبع لشركة البوتاس أثناء مرورها من باب العامود، فأصابوا بعض ركابها، ما أدى إلى تدخل الشرطة البريطانية والتي أطلقت النار ففرقت المتظاهرين.

وفِي نفس الْيَوْمَ، وفِي الساعة الثامنة صباحا، انطلقت مظاهرة كبيرة من باب الخليل باتجاه بيت حاكم اللواء، شارك فيها أكثر من ١٥ ألف متظاهر، يحملون الهراوات والعصي، ولما وصلوا إلى شارع الأميرة ماري في تمام الساعة العاشرة والربع، بدأوا بتحطيم واجهات الدكاكين اليهودية، ونهبوا محتوياتها، وأضرموا النيران في عدد كبير منها، ولولا تدخل الشرطة البريطانية واستعمالها السلاح الناري والهراوات، لاستمر العرب في مسيرتهم إلى الأحياء اليهودية المجاورة، حيث أن حماسهم بالهجوم على اليهود كان عاليا. وأصيب في هذا الْيَوْمَ ٢٥ يهوديا بجراح مختلفة جراء الطعن والضرب بالعصي وحتى إطلاق النار عليهم في عدة مناسبات، وقدرت خسائرهم المادية بمليوني جنيه فلسطيني. أما إصابات العرب فكانت خمس إصابات بأسلحة رجال "الهاغاناه"، الذين قاموا بدورهم بإشعال النار في سينما "ركس" وفِي عدة كراجات عربية في شارع الأميرة ماري وشارع "بتسالئيل" ومكاتب شركة النجم الأبيض وبعض المتاجر العربية الواقعة في نفس الشارع بعد أن نهبوا محتوياتها.

بعد هذه الحوادث، فرضت السلطات نظام حظر التجول على الأحياء العربية، وسمحت لليهود بنقل بضائعهم من محالهم التجارية الكائنة في حي الشماعة بمحاذاة الأحياء العربية، ونصبت الأسلاك الشائكة على أبواب المدينة لمنع الدخول إليها. واستمر الإضراب ليومين آخرين في ظل منع التجول للعرب، استغلها اليهود في الاستمرار بنقل بضائعهم من حي الشماعة، ونقل اليهود أنفسهم من الأحياء العربية إلى اليهودية منها. وفِي المقابل تم نقل العرب القاطنين في الأحياء اليهودية إلى الأحياء العربية، وصارت قوات كبيرة من الشرطة والجيش البريطاني تفصل بين الطرفين، وبهذا أصبحت القدس قدسين، كل طرف فيها يتأهب لحسم المعركة القادمة لصالحه.

الصهاينة يتحضرون للمعركة

ابتدأ الصهاينة بتحضير أنفسهم لمعارك القدس في وقت مبكّر جدا، فقد أحضروا اليها في أواخر عام ١٩٤٥ رجل "البلماح" (وهي القوة الضاربة "الهاغاناه")، ز. مارت، من أجل تنظيم صفوفهم وتحضير قوات ميدانية كافية من أجل الانقضاض على العرب عندما تكون الفرصة سانحة لذلك.

وصلت أعداد المقاتلين الصهاينة عشية قرار التقسيم ما ينوف عن الألفين وخمسمائة مقاتل من "الهاغاناه" وحدها، ما عدا أفراد منظمتي "الإيتسل" و"الليحي"، وكانت هذه القوات مقسمة حسب الأصول العسكرية الصحيحة، من سرايا ميدان ووحدات اتصالات واستطلاع وتخريب ومنظمات مسلحة داعمة مثل "الچدناع" وغيرها. ومن أجل زيادة هذه القوات قامت "الهاغاناه" بابتكار نوع جديد من التنظيمات المقاتلة سمي بحرس الشعب (مشمار هعام)، وبلغ عدد أفراده ما يزيد عن الثلاثة آلاف عضو، وبهذا أصبحت القوة الصهيونية المنظمة كبيرة إلى درجة يمكنها مهاجمة العرب عندما تقتضي الحاجة.

من ناحية تسليح هذه القوات، فإنها كانت تمتلك عشية قرار التقسيم، أربعة مدافع هاون ٣ إنش، وأربعة عشر مدفعا عيار ٢ إنش، وواحد وثلاثين مدفعا رشاشا، و ٢٢١ مدفع رشاش صغير، و ٨٦٠ بندقية، وحوالي ٤٥٠ مسدسا، وستة مدافع هاون متوسطة. ولكن هذا الأسلحة ابتدأت بالازدياد بفضل غض نظر السلطات عن تسريب الأسلحة للعصابات الصهيونية. فعلى سبيل المثال ارتفع عدد مدافع عيار ٢ إنش إلى ٣٥ مدفعا في بدايات نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وذلك قبل استلام صفقة الأسلحة التشيكية وانطلاق حملة "نحشون" في منطقة القدس، وكذلك أصبح عدد البنادق ١٢٥٠ بندقية حديثة في نفس التاريخ، و ٥٠٠ مدفع رشاش صغير بدل ٢٢١ وهو العدد الذي كان متوفرا في أواخر تشرين ثان/ نوفمبر ١٩٤٧.

العرب يتنظمون للدفاع عن القدس

أما في الجانب العربي، فقد قام المقدسيون بتأليف لجان محلية في كل حي، وتقوم هذه اللجان بتنظيم شؤون الدفاع عن الحي، وعليها أن تشتري السلاح، وتعنى بجمع الأموال من أجل ذلك، وكان يقف على رأس هذه اللجان لجنة طوارئ، مؤلفة من إميل الغوري، وسعد الدين العارف، وغالب الخالدي، وراضي أبو سعود، وفؤاد الخالدي، وصالح الرعاوي.

استمرت هذه اللجان في عملها، الذي توسع إلى درجة جبي الضرائب من الناس، والصحة والإدارة، حتى نهاية عام ١٩٤٧، عندما ألقى بعض اليهود من سيارة عابرة، قنبلة عند باب العامود، وذلك في ٢٩ كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٧، في الساعة الواحدة ظهرا، مما أدى إلى استشهاد ١١ عربيا وجرح ٣٣.

كان هذا الحادث نذير خطر كبير، مما أدى بالقيادة المحلية إلى تأسيس لجنة قومية، تعنى بشؤون الدفاع عن المدينة وتسيير أمورها، شانها كشأن سائر المدن الفلسطينية الأخرى، وتحل مكان لجنة الطوارئ واللجان المحلية، وكان ذلك في ٢٧ كانون ثان/ يناير ١٩٤٨، وتم انتخاب اللجنة بالاقتراع السري وكان أعضاؤها هم: الدكتور فوتي فريج، وصالح عبده، والدكتور حنا عطا الله، وتوفيق وفا الدجاني، والحاج طاهر بركات، والمحامي تحسين كمال، وشريف صبوح، والشيخ أسعد الإمام الحسيني، والمحامي نور نسيبه، والحاج فوزي الخياط، والحاج عيد عابدين، وجميل وهبة، والمحامي وديع وهبة، والمحامي وديع صلاح، وجورج ديب، ويوسف عبده. وتقرر إضافة خمسة ممثلين عن قرى القدس، لاحقا، إلى اللجنة القومية.

من ناحية عسكرية كان وضع العرب مزريا، حيث كان قواهم تتركز في تنظيم "الفتوة" الذي كان يعتمد على مئات المسلحين ذاتيا، أي أنهم يحضرون بنادقهم الشخصية إلى المعارك، وكان هذا التنظيم يعتمد اُسلوب "الفزعة"، أي دعوة المقاتلين إلى الحدث عندما تكون حاجة إليهم فقط، وكان عدد البنادق الشخصية في منطقة القدس كافة حوالي ١٣٠٠ بندقية، ليست حديثة في أغلبها. وبعد قرار التقسيم وفد إلى القدس متطوعون عرب من جيش الإنقاذ، وفِي نهاية شهر كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٧، عين عبد القادر الحسيني قائدا عسكريا لمنطقة القدس، فقام بتوحيد كل التنظيمات تحت لواء قوات الجهاد المقدس والحرس الوطني، واستطاع تطوير اُسلوب الفزعة لتجنيد أكبر عدد من المقاتلين، بحيث يحضر المقاتلون مع أسلحتهم وطعامهم للقتال، خلال فترة قصيرة.

ووصل عدد أعضاء حامية القدس في شهر آذار / مارس ١٩٤٨، إلى حاولي ٦٠٠ مقاتل، وفِي بعض الأحيان يصل إلى ٧٥٠، ولكن السلاح كان لا يمكنه أن يكفي الجميع، ولذلك كانوا يتناوبون بينهم على الحراسة. أما في القرى المجاورة للقدس فقد وصل عدد المقاتلين إلى ٣٠٠ مقاتل في بيت صفافا وصور باهر وسلوان وشعفاط. كان في حوزة حامية القدس والمنطقة ثمانية مدافع هاون، وعدد من المدافع الرشاشة من نوع برن وهوشكس والبراوننغ.

بالإضافة إليهم كانت تتمركز قوات أردنية مؤلفة من أربع كتائب في منطقة القدس، كان لها دور كبير في معركة السيطرة على المدينة.

استمرار المناوشات وحصار الأحياء اليهودية

بعد الاعتداء الصهيوني في باب العامود، والذي تسبب باستشهاد وجرح ٤٤ عربيا، الذي ذكر سابقا في هذه العجالة، قرر المناضلون العرب أن ينتقموا لأنفسهم، فقاموا في الْيَوْمَ التالي بهجوم منظم على حافلة لشركة "إيجد" وكانت في طريقها إلى الجامعة العبرية، وذلك في ٣٠ كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٧، فادى الهجوم إلى إصابة ١٦ يهوديا، جراح أربعة منهم بالغة.

في مساء اليوم نفسه، قامت "الهاغاناه" بهجوم منظم على حي القطمون والبقعة الفوقا وأطراف بيت صفافا، ما أدى إلى معركة حامية، استعملت فيها القنابل ومدافع ستن وبرن، وأدت المعركة إلى قطع التيار الكهربائي عن المدينة، فدارت في الظلام الدامس حتى ساعات متأخرة.

في نفس الْيَوْمَ أيضا، وعند الساعة الخامسة والنصف مساء، هاجم المناضلون العرب حافلة لشركة "إيجد" تحمل رقم ٧، فألقوا عليها قنبلة وأطلقوا عليها رصاصهم مما أدى إلى إصابة يهوديين بجراح. وكذلك نظم المناضلون هجوما على قافلة سيارات صهيونية قرب باب الأسباط، فوقعت معركة استمرت ثلاث ساعات متواصلة، أدت إلى مقتل يهودي وجندي بريطاني، وجرح آخرون من البريطانيين واليهود.

بعد هذه الحادثة قام اليهود وعلى مدى أربعة ايّام بمهاجمة المنازل العربية في حي الشيخ جراح، واحتلوا عددا من البيوت، ولكن حرس الحي هاجمهم في الثاني من كانون ثان/ يناير ١٩٤٨، واشتبك معهم في ساعات الليل واستطاع دحرهم إلى خارج الحي. وكذلك تسللت مجموعة مسلحة صهيونية إلى حي القطمون في الساعة السابعة مساء فقامت بتفجير عدة منازل وإطلاق النار على السكان، ولكنها لم تنجح في احتلال بعض بيوت الحي، إذ هاجمهم أفراد الحرس الوطني وطردوهم خارجا. ضيق العرب الخناق على الحي اليهودي في البلدة القديمة بعد هذه الحادثة، وأرادوا الاستيلاء عليه، ولكن وجود الجيش البريطاني كان يحول دون ذلك، فقرر العرب محاصرة الحي حتى يستسلم لهم.

في الخامس من كانون ثان/ يناير ١٩٤٨، قامت "الهاغاناه" بتفجير فندق سميراميس في حي القطمون، مما أدى إلى استشهاد ١٨ رجلا وامرأة، وكان المقصود في هذا التفجير عبد القادر الحسيني قائد قوات الجهاد المقدس، والذي كان موجودا مع أركان قواته في الفندق، وغادروه بضع دقائق قبل الانفجار.

بعد هذه الحادثة بخمسة أيّام قامت قوة من جماعة الجهاد المقدس قوامها مائة مقاتل بمهاجمة حي سنهدريا، ولكن الهجوم فشل، ولَم يستطع أن يحقق أهدافه المنشودة في تخويف يهود الحي وجعلهم ينزحون عنه، كما حصل للعرب في حي القطمون بعد تفجير الفندق.

كانت هذه المناوشات بداية لمعارك امتدت على طول الشهور المقبلة بين العرب واليهود، استطاع العرب فيها أن يعزلوا الأحياء اليهودية عن باقي أنحاء الوطن، فسيطروا على طرق المواصلات إلى القدس، ومنعوا وصول المؤن والعتاد إليها.

تفجيرات كبيرة والأمور تشتعل

في الساعة الحادية عشر ليلا من يوم الأول من شباط/ فبراير ١٩٤٨، وقع انفجار رهيب في شارع "هسوليل" في القدس، تلاه نشوب حريق مروع، ففي الساعة العاشرة والدقيقة الثالثة عشر ليلا، وقفت شاحنة تحمل خمسة أطنان من المتفجرات أمام غرفة الطباعة لجريدة "البالستاين بوست". وبعد أن غادرها السائق بدقائق معدودة دوّى انفجار هائل هز المدينة وكسر النوافذ والأبواب في منطقة يبلغ قطرها كيلومترين تقريبا. وتضم عمارة "البالستاين بوست"، شركة صحافة القدس اليهودية ومكاتب جريدة "عَل همشمار" وجريدة "همشكيف" ومكتب وكالة اليونايتدبرس الأميركية، ومكتب وكالة الأنباء اليهودية وغيرها، وأصيب في هذه الحادثة خمسة صحفيين يهود بجروح خطيرة، وقدرت الخسائر المادية بنصف مليون جنيه.

وفِي ٢٣ شباط/ فبراير ١٩٤٨، وفِي الساعة السادسة والنصف صباحا، انفجرت ثلاث سيارات مفخخة من نوع "دودج"، تحمل كل منها طنا من المتفجرات في شارع "بن يهودا" في القدس، مما أدى إلى انفجار دموي، قتل على إثره ٥٨ يهوديا، وجرح أكثر من ٢٠٠ شخص، وأحدث الانفجار تدميرا كبيرا في أكثر من ١٢ عمارة، واستهدف التفجير جنود "البلماح" الذين مكثوا في فندق الأتلانتيك وفندق أمدورسكي اللذين يقعان في مكان الانفجار، وكانت مهمة هؤلاء حماية القوافل الصهيونية القادمة إلى القدس. كان هذا الانفجار من تدبير عبد القادر الحسيني، وقد شارك بنفسه في صناعة الألغام مع فوزي القطب، قائد فرقة التدمير العربية. وقد أدى حجم الانفجار الكبير إلى تدمير الفندقين الآنفي الذكر ودار الهستدروت وبناية فلنشك وبنك التسليف وعمارات أخرى، وقدر حجم الخسائر بمليون جنيه.

في ١١ آذار/ مارس ١٩٤٨، وقبيل الساعة العاشرة صباحا، وصلت إلى حاجز دار الوكالة اليهودية الواقعة في منتصف شارع الملك جورج، سيارة "فورد" لونها رمادي يميل إلى الخضرة، وكانت السيارة تحمل العلم الأميريكي، ويقودها شخص باسم أنطون داوود، وكان معروفا لدى الحراس، حيث أنه كان يحضر دائما في مهمات تعهد له بها القنصلية الأميريكية، وبعد أن دقق الحرس الصهيوني في أوراقه، سمحوا له بالعبور إلى داخل المبنى، وبعدها بدقائق سمع دوي انفجار ضخم، اهتزت له المدينة كلها، وأدى إلى تدمير الجناح الشمالي لدار الوكالة وهو يضم مكاتب "كيرن هايسود" (بيت المال اليهودي) ومكاتب "هڤاعد هليئومي" (المجلس الملي اليهودي)، ونشب حريق هائل قضى على أكثر الملفات والسجلات، وأدى الانفجار إلى مقتل ١٢ شخصا وجرح ٧٢ آخرين.

سد الطرق على الإمدادات الصهيونية

حصلت معارك كثيرة في الطرق المؤدية إلى القدس والمستعمرات القريبة منها، مثل عطاروت وكفار عصيون، وذلك في أعقاب محاولات حثيثة من قبل "الهاغاناه" لإمداد الأحياء اليهودية في القدس والمستعمرات الأخرى بالمؤن والعتاد، لكن محاولاتهم جميعها باءت بالفشل، خاصة بعد عدة عمليات كبيرة نفذهما المناضلون في نهايات شهر آذار/ مارس ١٩٤٨ ضد القوافل الصهيونية.

في ٢٤ آذار/ مارس ١٩٤٨، أرسلت قيادة "الييشوف" الصهيوني قافلة محملة بالمؤن والمقاتلين إلى مستعمرة عطاروت، ولكن فرقة "الأمين" بقيادة عبد القادر الحسيني، كمنت لها قرب قرية شعفاط والتي تبعد أربعة كيلومترات عن القدس. وكانت القافلة مؤلفة من مصفحتين كبيرتين وسيارة شحن كبيرة، ففجرت القوة العربية لغما كبيرا بالمصفحة الأولى، ثم هاجمت القافلة بالبنادق والقنابل اليدوية مما أدى إلى قتل ١٧ من أفرادها وجرح عشرين آخرين، واستولى المناضلون على المصفحة الثانية وسيارة الشحن الكبيرة، وغنموا خمسة مدافع ستن وثلاثة مدافع برن وعشر بنادق وكمية كبيرة من الذخيرة. وخرجت قوة من "الهاغاناه" من داخل القدس لنجدة القافلة، ولكنها تعرضت أيضا للهجوم ما أدى إلى قتل خمسة من أفرادها.

في ٢٧ آذار / مارس ١٩٤٨، كمن المناضلون لقافلة صهيونية مؤلفة من ستين سيارة متوجهة إلى كفر عصيون تحمل المؤن والذخائر، وفاجأها المناضلون العرب في الطريق العام بقرب بيت لحم، وهاجموها بالقنابل وإطلاق النار، والألغام المزروعة في طريقها، ودارت معركة شديدة كانت الهزيمة فيها "للهاغاناه" والنصر من نصيب العرب، وقضى الهجوم على ٣٥ مقاتلا من "الهاغاناه"، ودمرت المصفحات الصهيونية. وجاءت النجدة الصهيونية المكونة من أربع طائرات اشتركت في القتال، وأطلقت نيرانها على المناضلين، ولكنها اضطرت إلى الابتعاد بسبب إطلاق النار الكثيف عليها، وهرب قسم من أعضاء القافلة والتجأوا إلى بيت خال، ودارت معركة طويلة لم تتوقف إلا بعد تدخل الجيش البريطاني ومنعه العرب من القضاء عليهم.

في ٣١ آذار/ مارس ١٩٤٨، أرسلت قافلة كبيرة من مستعمرة "خولده" باتجاه القدس، وكانت مكونة من ٢٦ شاحنة وأربع حافلات وسبع سيارات مصفحة، وكان يحرس القافلة قوة من الفيلقين الرابع والخامس "للبلماح". واجهت القافلة كمينا كبيرا عند قرية خلدة العربية، وهاجمها المئات من المقاتلين بقيادة حسن سلامة، وساعدتهم مصفحة تابعة للجيش الأردني المرابط في الرملة، واستطاع المجاهدون قتل ٢٣ من مقاتلي "البلماح"، ومنعوا وصول الإمدادات إلى الأحياء اليهودية المحاصرة في القدس.

وهكذا أحكم العرب سيطرتهم المطلقة على الطريق المؤدية إلى القدس، مما أقض مضاجع القيادات الصهيونية.

حملة "نحشون" ومعركة القسطل

كان العرب حتى نهاية آذار/ مارس ١٩٤٨ يسيطرون على زمام الأمور في القدس، فالأحياء اليهودية محاصرة رغم كثرة العساكر الصهيونية التي تحرسها، والعرب يسيطرون على مداخل ومخارج القدس، وليس في قدرة الصهاينة إرسال شحنات من المؤن والعتاد إلى القدس، فها هي القوافل تسبب لهم خسائر فادحة بالأرواح والعتاد، ولذلك قرر بن غوريون القائد الصهيوني الأول والمسؤول عن الحرب في ذلك الوقت، أن يشن حملة عسكرية قوية من أجل إيصال القوافل إلى القدس، واحتلال أكبر عدد من القرى في طريق هذه الحملة الكبيرة وتهجير سكانها منها، فيما عرف بالخطة "د".

تقرر في الأول من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وفِي بيت بن غوريون نفسه، أن يكون قوام هذه الحملة ١٥٠٠ جندي، مدججين بأسلحة حديثة، سيأتي معظمها من الأسلحة التشيكية والتي كان مخططا لها أن تصل في تلك الأيام تماما، وتقرر أن تسمى الحملة باسم "نحشون".

كان مقررا أن تبدأ الحملة في ليلة ٤-٥ نيسان/ أبريل، ولذلك عمدت "الهاغاناه" إلى القيام بعمليتين عسكريتين تساهم في فتح الطريق أمام حملة "نحشون" باتجاه القدس. العملية الأولى نفذت في ليلة ٣-٤ نيسان/ أبريل، حيث خرجت قوة من "البلماح" من "كريات عنافيم" باتجاه قرية القسطل التي كانت تسيطر على الطريق المؤدية إلى القدس من الشرق، واستطاعت هذه القوة احتلالها بدون مقاومة تذكر، إذ أن أهلها هربوا منها بسبب القصف الشديد لها بالمدفعية الصهيونية، وكان المقاتلون العرب في غفلة من أمرهم، فلم تتواجد قوة كافية من أجل الدفاع عن هذا الموقع الإستيراتيجي.

العملية الثانية استهدفت مقر القائد حسن سلامة قائد القطاع الغربي لقوات الجهاد المقدس، وكان المقر مؤلف من أربعة طوابق ويقع إلى الجنوب من معسكر صرفند. القوة الصهيونية المسؤولة عن العملية كانت من لواء "غولاني" ونجحت في تفجير المبنى بواسطة عبوة ناسفة كبيرة، أدت إلى انهياره، واستشهاد ثلاثين من المناضلين.

هاتان العمليتان، ساهمتا في فتح الطريق أمام الحملة العسكرية "نحشون"، التي انطلقت في فجر الخامس من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، واحتلت قرية خلدة العربية، وقرية دير محيسن، واحتلت المواقع المسيطرة على باب الواد مقابل دير محيسن، ولَم ينجح المجاهدون العرب في استعادة قرية دير محيسن رغم محاولاتهم الحثيثة في اليومين المقبلين، حتى جاء الجند البريطانيون وطلبوا أن تخلى القرية من "الهاغاناه" على أن يدخل الجند مكانهم ويسلموها لهم مرة أخرى بعد خروجهم من فلسطين.

في القسطل، قام العرب بهجوم مضاد كبير بقيادة عبد القادر الحسيني، وذلك في فجر الثامن من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وما أن وصلت الساعة الرابعة صباحا حتى كان العرب قد استردوا قسما من الجزء الجنوبي الغربي من القرية، وتقهقرت "الهاغاناه" أمام هجومهم الكاسح، وصارت رياح المعركة تصير باتجاه تحرير القرية وتحقيق نصر إستيراتيجي، ولكن القائد عبد القادر الحسيني استشهد عندما كان يقوم بمهمة ميدانية داخل القرية، مما كان له أكبر الأثر على مجرى الأمور.

انتشر خبر بين العرب مفاده ان القائد الحسيني أصيب ووقع في الأسر، فهب النجدات من كل مكان من أجل تحريره، وقاموا بهجوم مضاد كبير، انسحبت على إثره قوات "الهاغاناه" متقهقرة، وحررت قرية القسطل، ولكن العرب وجدوا جثة القائد عبد القادر الحسيني، وما أن انتشر خبر استشهاده حتى صدم المناضلون وخرجوا من القرية لتشييع جنازة قائدهم، وأقيمت الجنازة في التاسع من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وفِي الوقت نفسه قامت قوة من "البلماح" باحتلال قرية القسطل مرة أخرى، فوجدتها خالية من الرجال، وسيطرت عليها بدون أية مقاومة.

في فجر هذا اليوم نسفه، وبينما كان العرب في غفلة من أمرهم، قامت عصابات "الإيتسل" و"الليحي" بتنفيذ مجزرة دير ياسين المشهورة، حيث استغلوا وجود قلة من المدافعين عنها. ورغم بسالة المدافعين الكبيرة إلا أنه لم يكن باستطاعتهم أن يقفوا في وجه قوة عسكرية منظمة ومدججة بالسلاح الحديث، وسقطت القرية بيد العصابات المتوحشة التي عاثت فسادا فيها، وقتلت ٣٥٠ مواطنا بدم بارد، كلهم من الشيوخ والنساء والأطفال. (لمعلومات إضافية عن معركة القسطل ومذبحة دير ياسين وحملة نحشون، انظر الحلقة ٩ بعنوان "أبريل الأسود ١٩٤٨").

استمرارا لعملية "نحشون"، جلبت تعزيزات عسكرية إلى القدس، وفِي العاشر من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، احتلت قوة من "البلماح" قرية قولونيا، الواقعة على الطريق المؤدية إلى القدس، ودمرت بيوتها وهجرت أهلها، ثم احتلت قرية ساريس الواقعة أيضا على الطريق إلى القدس ودمرتها أيضا.

في ١٣ نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وصلت إلى القدس قافلة كبيرة جدا، مؤلفة من ٢٣٥ شاحنة، محملة بالمؤن والأسلحة. وألقيت مهمة حراسة الطريق إلى القدس، على عاتق كتيبتين من "البلماح". وقمت الكتيبتان بما يسمى بحملة "هاريئيل" بقيادة يتسحاق رابين، التي تهدف إلى إيصال الإمدادات إلى الأحياء اليهودية في القدس، واحتلوا في إطار هذه الحملة القريتين الفلسطينيتين بيت سوريك وبدّو، وتم هدمهما وتشريد أهلهما كما حصل مع سابقاتهما من القرى الاخرى في إطار حملة "نحشون".

في ١٩ نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وصلت إلى القدس قافلتان أخريان، قوام كل واحدة منهما ٢٥٠ شاحنة، وفِي ٢٠ نيسان/ أبريل ١٩٤٨، وصلت كبرى القوافل وكانت مؤلفة من ٣٠٢ شاحنة، وكان على رأسها بن غوريون نفسه، وقد تعرضت هذه القافلة إلى هجوم عربي، في محاولة لمنعها من الوصول إلى القدس، ولكن محاولتهم فشلت رغم أنهم كبدوا القوات الحارسة للقافلة خسائر فادحة، حيث قتل ١٥ جنديا من "البلماح" في المعركة.

بهذه القوافل، انتهت فترة سيطرة العرب المقدسيين على طرق المواصلات إلى القدس، فيما يعد كأحد الانتصارات الإستيراتيجية الصهيونية في حرب ١٩٤٨، وخسر العرب المقدسيون قائدهم الفذ والشجاع الشهيد عبد القادر الحسيني، والذي يعتبر استشهاده ضربة موجعة للمقاومة الفلسطينية الباسلة في منطقة القدس.


المصادر:

١. جريدة فلسطين، 03/12/1937, 04/12/1947، 28/12/1948، 31/12/1947، 03/01/1948، 03/02/1948؛

٢. جريدة الدفاع، 03/12/1947, 04/12/1947, 23/02/1947، 25/03/1948, 28/03/1948؛

٣. جريدة الوحدة 05/12/1947؛

٤. حرب فلسطين ١٩٤٧-١٩٤٨، الرواية الإسرائيلية الرسمية، مترجم عن كتاب تاريخ الهاغاناه؛

٥. القدس عام ١٩٤٨، تحرير مردخاي نئور، إصدار "يد يتسحاق بن تسڤي"؛

٦. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود؛

٧. جريدة الشعب، 30/12/1947؛

٨. جريدة "يديعوت" الصهيونية، 22/02/1948؛

٩. صحيفة "داڤار" الصهيونية، 12/03/1948؛

١٠. صحيفة "عَل همشمار" الصهيونية، 12/03/1948.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018