70 عاما على النكبة: معارك الجيوش العربية في حرب 1948 (1/19)

70 عاما على النكبة: معارك الجيوش العربية في حرب 1948 (1/19)
صورة توضيحية

الجزء الأول: الخطط العسكرية وقوام الجيوش


فشل العرب فشلا دبلوماسيا كبيرا، عندما قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين في ٢٩ تشرين ثانٍ/ نوڤمبر ١٩٤٨، إلى دولة عربية وأخرى يهودية، ورغم أنهم كانوا يتحضرون لهذه اللحظة التاريخية منذ إعلان بريطانيا عن نيتها سحب جيوشها من فلسطين، أي قبلها بشهرين تقريبا، إذ أن الجامعة العربية بدولها السبع كانت قد اجتمعت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٧، وقررت تشكيل لجنة عسكرية هدفها بحث كيفية مواجهة العصابات الصهيونية المدججة بالأسلحة والخبرة العسكرية، والتي ستنفرد بالشعب الفلسطيني الأعزل المجرد من السلاح، بفعل القوانين والأعراف البريطانية، رغم كل تحضيرات هذه اللجنة واجتماعاتها، إلا أن شيئا فعليا لم يحدث حتى إعلان قرار التقسيم، ولَم تنفذ الجامعة العربية أيا من توصيات اللجنة العسكرية، فلا اشترت السلاح، ولا دربت الفلسطينيين على القتال، ولا حضرت جيوشها الضعيفة لأي شيء من المعركة الكبيرة القادمة.

أما بعد القرار الجائر، أي قرار التقسيم، فقد عادت الجامعة العربية للانعقاد من أجل بحث سبل منع قيام الدولة الصهيونية، وكان اجتماع القاهرة في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر ١٩٤٨، والذي ظل منعقدا لأكثر من عشرة أيام، وكانت قراراته تقضي بتزويد اللجنة العسكرية بالبنادق والخرطوش وبالمتطوعين العرب على أن تهتم كل دولة بتزويد متطوعيها بكل لوازمهم، ودفع المال من أجل صرفه للدفاع عن فلسطين، وتولية اللواء الركن إسماعيل صفوت باشا من العراق قيادة جيش المتطوعين الذي نص قرار الجامعة عربية أن يكون قوامه أكثر من ثلاثة آلاف متطوع، ويقوم هذا الجيش بأمور الدفاع عن فلسطين حتى إنهاء الاحتلال البريطاني لها، ودخول الجيوش العربية المنظمة إليها بعد انسحاب بريطانيا.

بعد هذا القرار، أصبح العرب الفلسطينيون عرضة لهجوم صهيوني منظم، تم خلاله احتلال الكثير من المناطق والقرى الفلسطينية، ومدنا فلسطينية هامة مثل حيفا ويافا وطبرية وصفد (كما تقدم في الحلقات السابقة من هذه السلسة)، دون أن يستطيع جيش المتطوعين، والذي سمي بجيش الإنقاذ، أن يحول دون ذلك، وتوج هذا الهجوم بإعلان قيام دولة إسرائيل بعد موعد انسحاب القوات البريطانية مباشرة، أي في ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، وكان هذا نفس الموعد الذي قررته الجيوش العربية لقطع الحدود ومحاربة العصابات الصهيونية من أجل استرداد الحق الفلسطيني وتحرير الأرض من براثن الاحتلال، وبذلك ابتدأت مرحلة جديدة من حرب عام ١٩٤٨ استمرت لشهور عدة، وانتهت بخسارة عربية مدوية واتفاقية وقف إطلاق نار، ثبت فيها الكيان الصهيوني نفسه حتى أيامنا هذه.

جيش الإنقاذ: قوامه وأقسامه

قامت اللجنة العسكرية المنبثقة عن اجتماع الجامعة العربية، والمكونة من الأعضاء التالية أسماؤهم: اللواء الركن إسماعيل صفوت وهو عراقي الجنسية، والعقيد محمود الهنيدي وهو سوري الجنسية، والمقدم شوكت شقير وهو سوري الجنسية أيضا، والرئيس وصفي التل وهو أردني الجنسية، والعميد الركن طه الهاشمي وهو عراقي الجنسية، بتأسيس جيش من المتطوعين العرب، دعي "جيش الإنقاذ"، وكانت مهمته الدخول إلى فلسطين ومحاربة العصابات الصهيونية يدا بيد مع المناضلين داخل فلسطين، والتعاون مع اللجان القومية التي تأسست في المدن والقرى الفلسطينية من أجل منع إقامة دولة اليهود، والمحافظة على وحدة النضال المسلح العربي تحت راية هذا الجيش.

وتألف جيش الإنقاذ من ثمانية أفواج: فوج اليرموك الأول بقيادة المقدم محمد صفا وهو سوري، وفوج اليرموك الثاني بقيادة الرئيس أديب الشيشكلي وهو سوري، وفوج اليرموك الثالث بقيادة الرئيس عبد الحميد الراوي وهو عراقي، وفوج القادسية بقيادة المقدم مهدي صالح العاني وهو عراقي، وفوج حطين بقيادة الرئيس مدلول عباس وهو عراقي، وفوج أجنادين بقيادة الرئيس ميشال العيسى وهو فلسطيني، وفوج العراق بقيادة المقدم عادل نجم الدين وهو عراقي، وفوج جبل العرب بقيادة الرئيس شكيب عبد الوهاب.

كان يجب أن يكون عدد الجنود في كل فوج، حسب الخطة الموضوعة، ألفا من الجنود والضباط، ولكن أغلب الأفواج تألفت من ٥٠٠ حتى ٧٠٠ جندي وضابط، فوصل عدد جنوده مجتمعين زهاء ٤٦٥٠ جنديا، من خليط مكون أساسا من سوريين وعراقيين وفلسطينيين، وكذلك انضم إليه مسلمين من يوغسلافيا وتركيا.

تقرر تقسيم مهمات جيش الإنقاذ على النحو التالي: فوج اليرموك الأول يستلم مهمة الدفاع عن المنطقة الواقعة بين جنين وبيسان، وفوج اليرموك الثاني يتولى مهمة الحرب في منطقة الجليل أي عكا وصفد والناصرة، أما فوج اليرموك الثالث فدخل إلى فلسطين متأخرا وذلك في أواخر نيسان ١٩٤٨، وكان يعمل في قطاع القدس ورام الله، بينما عمل فوج القادسية في قطاع رام الله وباب الواد، وفوج حطين في منطقة طولكرم، وفوج أجنادين في قطاع يافا، وفوج العراق في يافا والقطاع الساحلي الغربي، وأخيرا فقد تولى فوج جبل العرب مهمة الدفاع عن شفاعمرو إلى حيفا.

جيش الانقاذ لم ينقذ شيئا

دخل الفوج الأول من جيش الإنقاذ إلى فلسطين عن طريق بحيرة الحولة، من معسكر قطنا في سورية، باتجاه بنت جبيل في لبنان، في الثامن من كانون الأول ١٩٤٧، وكان قوامه ٣٣٠ مقاتلا فقط، ثم تتابعت الأفواج التي عبرت الحدود بعد بداية كانون ثان/ يناير ١٩٤٨، وعلق العرب الفلسطينيون آمالا كبيرة عليه، أي جيش الإنقاذ، وولوه القيادة في الكثير من المناطق، ولكن آمالهم سرعان ما تبددت، عندما أصبح الجيش يخسر معركة تلو الأخرى، بسبب عدم التنظيم، وعدم وجود إدارة عسكرية سليمة، وعدم تناسق جنوده الذين جاءوا من بلاد مختلفة، فامتازوا بعدم الانضباط العسكري، خاصة أن قسما كبيرا منهم لم يتلق إلا نزرا يسيرا من التدريب العسكري، وزيادة على كل ذلك كانت أسلحة هذا الجيش قديمة، معظمها من بقايا أسلحة الحرب العالمية الأولى، وليس لديه كفايته من القطع الحربية الكبيرة كالمصفحات والمدافع الثقيلة بأنواعها، وكما وكان ضباطه يفتقدون إلى معرفة جغرافية البلاد والمواقع العربية وأماكن تواجد المستعمرات الصهيونية، والطرق التي يجب قطعها أو الاستفادة منها للإمدادات مما سبب ضعفا كبيرا في معارك عدة.

عينت اللجنة العسكرية العربية المناضل فوزي باشا القاوقجي قائدا لجيش الإنقاذ، وكان هذا ورغم إخلاصه وإرادته وإصراره على النصر، إلا أنه كان ضعيفا من ناحية إدارة المعارك، مما كان له أكبر الأثر في خسارة الكثير منها، رغم أن جيش الإنقاذ كان منتصرا في بدايتها، ولكنه خرج خاسرا في جميع المواقع التي خاض فيها الحرب رغم كسبه بعض المواجهات في معاركه المختلفة.

معارك جيش الإنقاذ

من المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ معركة جدين في ليلة ٢١ كانون ثان/ يناير ١٩٤٨، وكان هدفها صرف الأنظار عن عملية عبور فوج اليرموك الأول إلى فلسطين، وكان فوج اليرموك الثاني هو من قام بالهجوم، الذي كان يستهدف مستعمرة صهيونية في جدين، وكان مصير هذا الهجوم الفشل في اختراق دفاعات المستعمرة، وانسحاب فوج اليرموك الثاني بدون تحقيق انتصار على المدافعين الصهاينة.

المعركة الثانية التي خاضها جيش الإنقاذ كانت معركة الزراعة في ليلة ١٦-١٧ شباط / فبراير ١٩٤٨، حيث هاجم الجيش المستعمرة الصهيونية وحاول اقتحامها، ودارت معركة شرسة استطاع جيش الإنقاذ أن يحرز تقدما فيها، لولا المساعدة البريطانية للطرف الصهيوني، والتي قدمت وأخرجت جيش الإنقاذ من المستعمرة بعد أن تكبد الكثير الشهداء الذين وصل عددهم إلى سبعة وثلاثين شهيدا، وأكثر من سبعين جريحا.

من أهم معارك جيش الإنقاذ، والتي تجلت فيها نقاط ضعفه، هي معركة "مشمار هعيمق" من الرابع حتى الرابع عشر من نيسان/ إبريل ١٩٤٨، حيث مني الجيش بخسارة كبيرة رغم تفوقه في أغلب مراحل الهجوم على المستعمرة الصهيونية. (كنت قد ذكرت هذه المعركة بالتفصيل في الحلقة التاسعة بعنوان "إبريل الأسود ١٩٤٨").

معركة أخرى كانت النصرة فيها للعرب، ثم الخسارة هي معركة الشجرة في الجليل، والتي انتهت في الثامن عشر من تموز/ يوليو ١٩٤٨، منتهية بسقوط قرية لوبية والقرى المجاورة، وفِي هذه المعركة التي استمرت لعدة أيّام، أبلى القاوقجي الذي قاد المعركة بنفسه بلاء حسنا، ولكن عدم وصول إمدادات لجيش الإنقاذ، وحملة "ديكل" العسكرية الصهيونية، التي تفوق فيها العسكر الصهيوني، أدت إلى خسارة المعركة وانسحاب جيش الإنقاذ إلى الجليل الأعلى. (انظر هذه المعركة بإسهاب في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة بعنوان "استشهاد قرية ١٩٤٨").

في معارك المالكية في شمال فلسطين، كان تفوق جيش الإنقاذ واضحا، وكان قد حقق انتصارات عديدة في جولات هذه المعركة، ولكنه خسرها في الأول من تشرين ثان/ نوفمبر ١٩٤٨، وسقطت قرية المالكية والقرى المجاورة لها. (انظر هذه المعارك في الحلقة الخامسة من هذه السلسلة بعنوان "سقوط المالكية ١٩٤٨").

إحدى أكثر المعارك التي ظهر فيها ضعف إدارة المعارك لدى جيش الإنقاذ، هي معركة صفد التي قادها المقدم أديب الشيشكلي، ومني فيها بخسارة فادحة أدت إلى سقوط المدينة بيد القوات الضاربة "للهاغاناه" وهي "البلماح" وذلك في الثاني عشر من أيار/ مايو ١٩٤٨، وذلك بسبب الأخطاء العسكرية الفادحة والتي حولت النصر إلى هزيمة نكراء في اللحظة الحاسمة. (انظر/ي الحلقة الخامسة عشر من هذه السلسلة بعنوان "احتلال صفد ١٩٤٨").

في ليلة ٢٤-٢٥ نيسان/ ابريل ١٩٤٨، واجه جيش الإنقاذ هجوما صهيونيا كبيرا في منطقة عارة وعرعرة، تراجع على إثره إلى الخلف، ولولا مشاركة مجاهدي أم الفحم ومنطقتها، لما انسحبت القوات الصهيونية إلى مواقعها بجانب الخضيرة، بعد أن كبدت جيش الإنقاذ خسائر فادحة في الأرواح.

أما أكبر انتصارات جيش الإنقاذ في الحرب، فكانت معركة تل الريش بقيادة الرئيس ميشال العيسى، وذلك في ٢٨ نيسان/ إبريل ١٩٤٨، عندما هاجمت قوات "چفعاتي" الصهيونية تل الريش، كجزء من حملة "حيمتس" والتي كانت تهدف إلى احتلال القرى المجاورة ليافا، ولكن جيش الإنقاذ قام بهجوم مضاد، أدى إلى انسحاب قوات "چڤعاتي" بعد أن تكبدت خسائر فادحة، حيث قتل أكثر من عشرين جنديا صهيونيا، وجرح أكثر من مائة. (عن حملة "حيمتس" ومعركة تل الريش، انظر/ي الحلقة ١٦/٣ من هذه السلسلة، بعنوان "اغتصاب عروس فلسطين ١٩٤٨").

الحالة العربية عشية حرب ١٩٤٨

في عام ١٩٤٨، كان مجلس الجامعة العربية مكونا من سبع دول فقط وهي: مصر وسورية ولبنان والعراق والأردن والسعودية واليمن. كانت مصر ما زالت ملكية وتتواجد فيها قوات بريطانية كبيرة، وكانت غير مستقلة تماما، وكان الجيش المصري فاقدا للخبرة العسكرية، إذ أنه لم يخض أية حرب خلال عشرات السنين.

أما المملكة الأردنية فكان أغلبية ضباط جيشها من البريطانيين، وأما القائد العام للجيش فكان غلوب باشا البريطاني غير المتحمس للحرب أو لانتصار العرب، وكان يأتمر بأمر بريطانيا ويعتبر جيشه جزءًا من الجيش البريطاني، وسمي بالفيلق العربي، ولذلك كان جنوده مدربين جيدا، ولديه أسلحة حديثة بمفهوم ذلك الزمان.

السعودية كانت مرتبطة ارتباطا كاملا بالشركات الأميركية التي تنتج النفط، ولذلك لم يكن الملك عبد العزيز آل سعود متحمسا لدخول جيوشه الحرب، ولكن الضغط الشعبي في بلاده والعالم العربي عموما، اضطره إلى المشاركة في الحرب بقوات غير كبيرة.

اليمن كان بلدا فقيرا وبعيدا أيضا عن ساحة المعركة، ولذلك كان صعبا عليه أن يقوم بإمداد العرب بالسلاح والجنود، ولذلك فقد دفع بعض المال للمساهمة في تزويد المجاهدين العرب بالسلاح المطلوب للمعارك.

أما سورية المستقلة حديثا فكانت متحمسة لدخول الحرب من أجل فلسطين، ولذلك اختارت اللواء الأفضل تدريبا وتسليحا، بين الألوية الثلاثة التي تشكل الجيش السوري، وهو لواء المشاة الأول، ووضعته تحت إمرة اللجنة العسكرية العربية المنبثقة عن اجتماع الجامعة العربية المذكور آنفا. كذلك قامت الحكومة السورية بسن القوانين التي تزيد ميزانيات الجيش لدخول المعركة، وتوفير معاشات تقاعدية لعائلات من يستشهدوا في حرب فلسطين.

في لبنان، كان التحرك الشعبي قويا حتى قبل إعلان قرار التقسيم، وازداد هذا التحرك بعد إقراره، فقد أعلن مجلس البرلمان اللبناني في الخامس من كانون أول/ ديسمبر عن دفع مليون ليرة لبنانية من أجل الحرب في فلسطين، وتبرع النواب براتب شهر من أجل ذلك، ومن ثم أعلن الإضراب العام في لبنان تأييدا للقضية الفلسطينية ورفضا للدولة اليهودية المزعومة. مقابل ذلك كانت الدولة اللبنانية محدودة الإمكانيات، وقد صرح اللواء فؤاد شهاب رئيس أركان حرب الجيش اللبناني عن معارضته للهجوم في فلسطين، وإن كان على الجيش اللبناني أن يخوض حربا نظامية، فلتكن دفاعا عن حدوده، وهذا ما أيده رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، بشارة الخوري.

أما العراق، والذي كان من أكثر الدول العربية دعما للقضية الفلسطينية فقد كان جيشه يعتبر من أفضل الجيوش في الشرق الأوسط، من الناحية التنظيمية والتسليحية، ولكن الأوساط السياسية العراقية امتازت بالتردد في إرسال قوات النخبة إلى فلسطين، ولَم ترسل كذلك قوات جوية كافية، رغم حيازتها لطائرات حديثة، بل وأحدث من الطائرات الصهيونية التي استعملت في الحرب. ومن الجدير ذكره هنا، أن بعض الأوساط العسكرية العراقية كانت تنحى إلى الانعزال عن الأقطار العربية الأخرى، ولا تفضل الدخول في معارك خارج الأرض العراقية في فلسطين، وذلك لأنها لا تريد استنزاف الجيش العراقي في معارك ليست دفاعا مباشرا عن الدولة الملكية في العراق.

مؤتمرات عربية تبحث أمر الحرب

ظل الموقف العربي العسكري الرسمي مائعا، رغم الخسارات التي مني بها جيش الإنقاذ والمناضلون الوطنيون المحليون، وعلى الرغم من اقتراب موعد الانسحاب البريطاني من فلسطين، ولَم تبدأ التحضيرات للحرب الشرسة المقبلة على الجيوش العربية، حتى نهاية نيسان/ إبريل ١٩٤٨، إذ انعقد في ٢٣ نيسان/ إبريل ١٩٤٨، مؤتمر لوزراء الخارجية والمالية والدفاع العرب، بالاضافة إلى الملك عبد الله ملك الاْردن، والأمير عبد الاله الوصي على عرش العراق، والأمين العام للجامعة العربية، عبد الرحمن عزام، وقرر المجتمعون أن ادخال الجيوش العربية النظامية هو أمر حتمي، ولا مجال للانتصار بدون ذلك، وأن على الجيوش المشاركة في الحرب أن تكون مجهزة بكافة احتياجاتها من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، ودعمها بإمكانيات مادية كافية من أجل إدارة المعارك والانتصار على العدو.

كان هذا الاجتماع يضم الدول العربية ما عدا مصر، ولذلك سافر المجتمعون إليها بعد مؤتمرهم لإقناعها بالمشاركة في الحرب، وذلك بعد أن أوكلوا مهمة التحضير للحرب على عاتق رؤساء جيوشهم.

اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية في اليوم الأخير لنفس الشهر، وذلك بحضور الأمين العام للجامعة العربية ورئيس اللجنة العسكرية والملك عبد الله ملك الاْردن، وتباحث الحضور مسألة التغلب على القوات الصهيونية المدججة بالأسلحة، وقرروا أن القوات العربية المشتركة ستكون بحاجة إلى ست فرق عسكرية كاملة، تتكون كل منها من اثني عشر ألف جندي، ولديها كل الوسائل والمعدات المطلوبة لمعركة كبيرة وطويلة الأمد، وبحاجة إلى ستة أسراب من الطائرات المقاتلة، من أجل إحداث الفارق النوعي في الحرب، وقرر رؤساء أركان الجيوش العربية، أيضا، أن تتشكل قيادة واحدة موحدة لكل القوات العربية، وتقوم هذه القوات بإدارة شؤون الحرب وتحرك القوات، ووضع الخطط الحربية الهجومية وتنفيذها على أرض الواقع.

انتدب المجتمعون اللواء الركن نور الدين محمود قائد القوات العراقية، ليكون قائدا عاما للقوات العربية، ليحل محل اللواء الركن إسماعيل صفوت باشا، ورفعوا قراراتهم إلى اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية المجتمعة في عمان، ولكن هذه استكثرت الأرقام، وطالبوا القيادة العسكرية بالتحضر للحرب بما يتيسر من القوات.

عقد رؤساء الأركان مؤتمرا آخر في دمشق بعد المؤتمر في عمان، وقرروا أن يبدأوا الحرب بما يمكنهم جمعه من الجنود والضباط وذلك تلبية للقادة السياسيين العرب.

الخطة العسكرية العربية

أراد رؤساء الأركان العرب أن ينفذوا خطتهم في توزيع الفرق الستة المطلوبة، على النحو التالي:

الفرقة الأولى تأتي من الحدود اللبنانية باتجاه الساحل الفلسطيني إلى عكا وحيفا؛

الفرقة الثانية تدخل من الحدود المصرية من العريش إلى رفح منطلقة إلى تل أبيب من الطريق الساحلي. وكان هدف هاتين الفرقتين إشغال اليهود وقطع الإمدادات القادمة إليهم عن طريق البحر؛

الفرقة الثالثة تدخل فلسطين عن طريق جسر بنات يعقوب، نحو مدينة صفد فتحرر الجليل الأعلى منطلقة إلى الجليل الأسفل باتجاه الناصرة، وتلتقي مع الفرقة الأولى في حيفا؛

الفرقة الرابعة تدخل عن طريق جسر الشيخ حسين نحو بيسان، ثم تذهب إلى الغرب فتحرر العفولة، ومنها تنطلق باتجاه الغرب الجنوبي إلى نتانيا؛

الفرقة الخامسة تدخل البلاد عن طريق جسر أللنبي باتجاه أريحا ثم القدس، وبعد تحريرها تكمل معركتها حتى يافا فتلتقي مع الفرقة الثانية في تل أبيب؛

أما الفرقة السادسة فهي فرقة احتياط، تتحرك من الشرق باتجاه الغرب وتقوم بدخول الحرب حسب الحاجة ولدعم الفرق الثالثة والرابعة والخامسة، وهي الفرق التي تقطع فلسطين بالعرض، فتعزل مناطق صهيونية كاملة، وتمنع عنها الإمدادات والتواصل الجغرافي مع المستعمرات الأخرى.

في مؤتمر دمشق تغيرت الخطة بحيث تكون على النحو التالي:

الجيش السوري ونظيره اللبناني، يتحركان من الشمال إلى الجنوب، فيهاجما نهاريا ثم يحررا كل المناطق حتى صفد، ثم يكملا طريقهما حتى الناصرة؛

الجيش الأردني والجيش العراقي، يدخلان فلسطين من جهة الشرق باتجاه الغرب في خطوط متقاربة حتى الوصول إلى العفولة بجانب الناصرة؛

أما الجيش المصري، فيتقدم من الجنوب في رفح باتجاه تل أبيب.

هذه الخطة لم ترق للفريق غلوب باشا، قائد القوات الأردنية، حيث انه أراد أن يحارب الجيش الأردني فقط في الأماكن المعدة للدولة العربية حسب قرار التقسيم، وحيث أن الملك عبد الله الأول، كان قد أصبح قائدا عاما للقوات العربية المشتركة بدل نور الدين محمود، بينما أصبح هذا نائبه، بسبب هذا اقترح تغيير الخطة بناء على طلب غلوب باشا، بحيث أصبحت كالآتي:

يدخل الجيش السوري فلسطين من الغور عند بلدة سمخ، باتجاه صفد وعكا، ويدخل الجيش الأردني عن طريق جسر أللنبي إلى القدس والخليل، أما الجيش العراقي فيتولى الدفاع عن منطقة جنين والمثلث العربي، ويبقى الجيش المصري على نفس الخطة السابقة.

أدى التغيير الأخير إلى حدوث ثغرات كبيرة بين الجيوش العربية، حيث أصبح الجيش اللبناني الصغير منعزلا في الشمال، وأصبح الجيش السوري لوحده في منطقة سمخ والغور، بعيدا عن الجيوش العربية الأخرى.

وكانت هذه القرارات قد تمت في اللحظات الأخيرة قبل موعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، إذ أن الملك عبد الله أصدر أوامره هذه إلى الجيوش العربية في ١٣ أيار/ مايو ١٩٤٨.

الخطة العسكرية الصهيونية

تحولت القوات الصهيونية إلى الهجوم ونقل المعركة إلى أراضي الخصم، ومحاولة سد الطريق على الجيوش العربية الآتية إلى فلسطين، فوضعت الخطط مبكرا، أي أن إعدادها ابتدأ مباشرة بعد قرار التقسيم، وابتدأ التنفيذ بشكل تدريجي، ففي البداية تمت صفقة الأسلحة التشيكية في بداية عام ١٩٤٨، ثم ابتدأت "الهاغاناه" بترتيب صفوفها، وصد الهجمات العربية على المستعمرات، وتثبيت مراكز الدفاع فيها، ونقل القوات من مكان إلى آخر حسب الحاجة الميدانية، وتحضير القوات الضاربة (البلماح) من أجل تنفيذ المهام العسكرية المعقدة.

استمر هذا الوضع كما هو حتى اعتقد العرب أن "صبيان الهاغاناه"، كما كانوا يسمونهم في الإعلام، محاصرون وليس باستطاعتهم أن يحققوا انتصارات كبيرة على العرب، مع أن أغلب الهجمات العربية على المستعمرات الصهيونية باءت بالفشل، بل وهزم فيها العرب أحيانا هزائم فادحة.

ولكن حسابات دافيد بن غوريون و"الهاغاناه" كانت دقيقة أكثر، ومعتمدة على حقائق عملية ودراسة للواقع الفلسطيني، ومدعومة بتجارب حربية وصدامات هنا وهناك، مهدت الطريق إلى الهجوم، الذي ابتدأت "الهاغاناه" بتنفيذه مع بداية شهر نيسان/ إبريل ١٩٤٨، بعد حصولها على شحنة الأسلحة التشيكية الأولى، فيما يسمى بحملة "نحشون"، ثم تبعتها حملات أخرى، واحتلالات لأراضٍ ومدن فلسطينية هامة، بحيث أصبح الساحل كله تقريبا في يد العصابات الصهيونية، واحتلت المدن الرئيسيّة في غور الاْردن، طبرية وبيسان، ونقاط الحدود عند سمخ وجسر الشيخ حسين، وصفد في الجليل الأعلى، ومناطق واسعة حول القدس، وبذلك استطاعت "الهاغاناه" في غضون شهر ونصف، أن تنهي الحصار عن الكثير من مستعمراتها في مناطق عدة من فلسطين، وجعلت بينها تواصلا جغرافيا غير منقطع بقرى عربية، تستطيع أن تهاجم قوافل أسلحتها أو جنودها، حيث أنها قامت بإجلاء كل من سولت له نفسه بمحاربتها، وبذلك استفادت من بث الرعب في قلوب السكان العرب، بل وجزء كبير من متطوعي جيش الإنقاذ.

بعد تحقيق هذا التواصل الجغرافي، صارت الخطة العسكرية الصهيونية معتمدة بشكل أساسي على مجموع المستعمرات التي بنتها خلال أكثر من نصف قرن، حتى وصل عددها أكثر من ثلاثمائة مستعمرة بأحجام مختلفة، تغطي مساحة كبيرة من الأراضي بحيث تكون هناك صعوبة كبيرة في مهاجمتها مجتمعة. ومن أجل صد هجوم الجيوش العربية، أقامت "الهاغاناه" ثلاثة خطوط دفاع وهمية، مكونة من المستعمرات الصهيونية، وذلك على النحو التالي: خط الدفاع الأول يبدأ في "يڤنه" والتي تقع على الساحل شمال غزة، باتجاه اللطرون إلى قلقيليه ثم طولكرم- جنين- الناصرة- بحيرة طبرية- الحولة- رأس الناقورة؛

الخط الثاني يبدأ من يفنه أيضا إلى الشمال عن طريق الساحل، إلى "رحوڤوت" ثم "ريشون لتسيون"- بيت دجن، ثم إلى رأس العين- العفولة –حيفا؛

الخط الثالث، يبدأ من يافا إلى "رمات چان" ثم "هرتسليا" - الخضيرة - عتليت- حيفا.

كانت وظيفة المستعمرات الصهيونية، على طول هذه الخطوط الدفاعية (هي بالأساس هجومية)، أن تفصل العرب عن البحر المتوسط، فلا تصلهم أية إمدادات عبر البحر، ولمنع حصول أي عملية إنزال بحرية عربية، ولضمان تدفق الأسلحة والمحاربين القادمين الجدد عن طريق الغرب. كذلك كانت هذه المستعمرات تهاجم خطوط الإمدادات العربية، وبذلك تصعب على العرب معاركهم وتستنزفهم أيضا في معارك جانبية، وتؤخر تقدمهم نحو أهدافهم الموضوعة. كما أنها كانت تستعمل المستعمرات كقاعدة انطلاق لهجمات عسكرية على الجيوش العربية.

حجم القوات العربية والصهيونية

ابتدأت الجيوش العربية بدخول فلسطين في ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، وكان قوامها وحجمها على النحو التالي:

القوات الصهيونية، وخاصة "الهاغاناه" أصبحت قوة عسكرية لا يستهان بها، مع تجربة حربية تكونت خلال الأشهر السابقة في حربها ضد أصحاب الأرض الأصليين، وصارت تعرف كيف تنقل العدة والعتاد والجنود من مكان إلى آخر، وكانت تملك قوات ضاربة اسمها "البلماح" وتتألف من ثلاثة ألوية وهي: لواء "يفتاح"، ولواء "هريئيل"، ولواء "هنيچڤ". وكان عدد مقاتلي كل لواء ألفي جندي، وكان يقود البلماح "يچئال ألون".

أما الألوية الأخرى فكانت: لواء "كرملي" وقوامه ألفان ومئتا مقاتل، ولواء "چولاني" وقوامه ثلاثة آلاف وستمائة جندي، ومثله لواء "اسكندروني"، ولواء "چڤعاتي"، ولواء "عتسيوني"، أما لواء "كرياتي" فكان عدد جنوده ألفين وخمسمائة، ولواء "شيڤع" وعدد مقاتليه ثمانمائة جندي. هذا كان قوام القوات المحاربة، أما أسلحة الخدمات مثل المدفعية والطيران والهندسة والنقل فكان عددهم يتجاوز الأربعة آلاف جندي، وبهذا يصبح المجموع أكثر من ٣٢،٠٠٠ جندي، حسب المصادر الصهيونية، بينما يزيد العرب في هذا العدد فيجعلونه أكثر من ستين ألفا.

ناهيك عن الذكر أن هذه القوات ازدادت باضطراد عددا وتسليحا وتجهيزا بفضل كميات الأسلحة الضخمة والتي جاءتها حتى نهاية الحرب، ما سنتناوله في حلقات مقبلة.

أما الجيوش العربية فكان قوامها على النحو التالي:

الجيش السوري، كان مكونا من لواء المشاة الاول بقيادة العقيد عبد الوهاب حكيم، وعدد جنوده ألفا ضابط وجندي؛

الجيش الأردني، تألف من ثلاثة ألوية، تتوزع على ست كتائب حربية، تحت قيادة غلوب باشا البريطاني، وكان عدد جنود الألوية الثلاثة يزيد بقليل عن الأربعة آلاف وخمسمائة جندي؛

الجيش العراقي وكان يتألف من لواء واحد بأربع كتائب قتالية، بقيادة عمر علي آمر الفوج العراقي، وقرار طاهر الزبيدي مسؤول الجيش العراقي في حينه، وكان عدد جنوده ٢،٥٠٠ مقاتل؛

الجيش المصري، بقيادة العميد أحمد علي المواوي، ويتكون من خمسة آلاف مقاتل، يشكلون لواء مشاة واحد، مؤلف من ثلاث كتائب مشاة وسرية مدفعية ولواء مدفعية ميدان؛

الجيش اللبناني، وعدد جنوده ألف مقاتل يؤلفون كتيبة مشاة واحدة؛

أما السعودية فأرسلت ثلاثمائة جندي ضمن الجيش المصري.

بالإضافة إلى كل هؤلاء كان هناك ما يعادل خمسة آلاف متطوع من جيش الإنقاذ وقوات الجهاد المقدس الفلسطينية، ومناضلين فلسطينيين.

وبهذا يصبح عدد المقاتلين العرب النظاميين وغير النظاميين عشرين ألف جندي فقط.

يتبع....


المصادر:

١. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود؛

٢. حرب فلسطين، ١٩٤٧-١٩٤٨، الرواية الإسرائيلية الرسمية، ترجمة كتاب تاريخ "الهاغاناه"؛

٣. بن غوريون، يوميات الحرب، ١٩٤٧-١٩٤٩؛

٤. مئير پعيل، "استقلال" ١٩٤٨-١٩٤٩؛

٥. الكاتب أديب قعوار، دراسة بعنوان ميزان القوى العربي الصهيوني إبان حرب ١٩٤٨، مؤسسة فلسطين الثقافية؛

٦. الموسوعة الفلسطينية.