المحامي علاء محاجنة: القضاء الاٍسرائيلي يغطي جرائم الاستيطان في القدس

المحامي علاء محاجنة: القضاء الاٍسرائيلي يغطي جرائم الاستيطان في القدس
منظر عام للقدس (أ ف ب)

خلافًا لتاريخه الدنيوي من بودابست وفيينا وباريس ووارسو وبريست ليتوفسك وأوديسا إلى تل أبيب والكيبوتس والموشاف و"جيش الدفاع" ، تشكّل القدس كما يقول، د. عزمي بشارة، بؤرة التاريخ المقدس الصهيوني وعاصمته، ولذلك تتمحور حولها عملية التعبئة الصهيونية بشكل خاص منذ عام 67.

وفي عملية تهويد القدس لا تعتمد إسرائيل الأسطورة فقط، كما يقول، بل، أيضًا، القوة العسكرية والجرافة والبولدوزر والأمر الواقع والتخطيط والبناء وشق الشوارع وسكك الحديد لتكريس الواقع ولتحقيق الأهداف الدنيوية المبرّرة بالأسطورة وبالتاريخ المقدّس.

علاء محاجنة
علاء محاجنة

وقد لجأت إسرائيل بعد أن سيطرت على غربي القدس عام 1948 إلى مصادرة الأراضي المملوكة من قبل الفلسطينييّن، والتي شكّلت 40% من مساحتها بموجب قانون أملاك الغائبين، وفور انتهاء معارك حرب حزيران/يونيو 1967، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، ليفي أشكول، عن توحيد شطري القدس، وباشر، فور ذلك، بمصادرة الأرض وإقامة مستوطنات "رمات إشكول" والـ"جفعاة تسرفتيت"، و"هار هتسوفيم"، و"نفي يعقوب"، و"جيلو" التي قسّمت أحياء المدينة، ومن ثم أقامت حزامًا استيطانيًا حولها تمثل بمستوطنات "بسغات زئيف" و"متسودات زئيف"، و"هار حوماه"، ومعاليه أدوميم"، و"عطروت"، وذلك ضمن مخطط فصلها عن سائر أنحاء الضفة الغربية وتقسيمها إلى شمال وجنوب.

وفي 30 تموز/يوليو 1980، أي في عهد حكومة بيغن، أقر الكنيست قانون أساس "القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل" وعلى إثر هذا القانون، وُسِّعَت مساحة القدس البلديّة من 6.5 ألف دونم إلى 71 ألف دونم، وباتت تمتد إلى حدود بيت لحم جنوبًا ورام الله شمالًا.

لاحقًا، وبعد إعلان الرّئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، نقل السفارة لمدينة القدس، قام الكنيست الاسرائيلي بتعديل القانون عن طريق تحصين بنوده، ليصبح التنازل عن أي جزءٍ من حدود المدينة المعدّلة إسرائيليًا مشروطًا بموافقة 80 عضو كنيست، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الخريطة الحزبيّة الإسرائيليّة.

كذلك، جرى توسيع مدينة القدس مرّةً أخرى عام 1993، لتصل إلى 130 ألف دونم، وفي العام 2005، أقرت حكومة الاحتلال مخطط مدينة القدس 2020، والذي يشمل أحياء استيطانية جديدة ومرافق وسكك حديد وشوارع ومناطق خضراء، ما يزيد مساحتها بـ 40% إضافية، ضمن تصوّر لتقليص نسبة الفلسطينيين إلى 13% من مجمل سكانها.

في غضون ذلك، تحولت "القدس الشرقيّة" إلى مجموعة أحياء عربيّة تفصلها مستوطنات عن بعضها، ويحاصرها حزام استيطاني يتشكل من أكثر من عشر مستوطنات، وتتعرض لمحاولات اختراقٍ تقوم به دولة الاحتلال وبلديتها ومؤسسات يهودية عالمية وصناديق تموِّل شراءَ الأرض والمنازل حيث تصعبُ المصادرة، وجمعيات يهودية استيطانية تخترق الأحياء العربية وتحاول بكل الوسائل الاستيلاء على بيوتها بيتًا بيتًا، كما يحدث في الشيخ جراح وسلوان وراس العمود وغيرها من الأحياء الموجودة في محيط البلدة القديمة، والتي تسمى إسرائيليًا منطقة "الحوض المقدس".

في هذا السياق، وكمثال على محاولات إسرائيل التغلغل داخل الأحياء الفلسطينيّة، في محاولة منها لتهويد الشق الشرقي للمدينة عن طريق الجمعيات الاستيطانيّة، تبحث المحكمة العليا الإسرائيليّة التماس مجموعةٍ من أهالي حيّ بطن الهوى في القدس ضد أوامر إخلائهم من بيوتهم، التي استصدرتها ضدّهم جمعية "عطيرت كوهانيم الاستيطانية"، بادّعاء أنَّ الأرضَ التي تقعُ عليها هذه الأرض هي "وقفية يهودية"، انتقلت إدارتُها إليها من "القيّم العام" على أملاك الغائبين.

حول هذا الموضوع وغيره من محاولات السطو على البيوت والأراضي الفلسطينية في القدس، بغية توسيع الحيّز الاستيطاني وتهويد معالم المدينة، أجرينا هذا الحوار مع المحامي علاء محاجنة، وهو محام مقيم ويعمل في القدس ومتخصص في قضايا الدفاع عن الأراضي الفلسطينية أمام المحاكم الإسرائيليّة، وأحد طاقم المحامين المترافعين في الالتماس المذكور والذي يضم كل من المحامي يزيد قعوار والمحامي زياد قعوار والمحامي محمد دحلة.

عرب 48: مؤخرًا جرى استصدار قرارٍ وُصف بأنّه مهم من المحكمة العليا الإسرائيليّة، في قضية أرض حي بطن الهوى في سلوان، وتنبع أهميّته، ربما، في كونه يفضح الصفقات التي تجري بين "القيّم العام" وبين الجمعيات الاستيطانية اليهوديّة، وتمكينها من السيطرة على البيوت والأراضي الفلسطينية في القدس.

محاجنة: في سياق الحديث السياسي، بات من المعروف للجميع أن جمعية "عطيرت كوهانيم" وجمعية "إلعاد" العاملتين في القدس، هما تعبير عن ما يمكن تسميته بـ"خصخصة الاستيطان"، وتشكّلان رأس حربة استيطانية لدولة الاحتلال.

أما في السّياق القانوني، فإنّ الحديثَ يدور عن التماس قدمه طاقم المحامين المذكورين في قضية أوامر إخلاء بيوت فلسطينيين في حي بطن الهوى في سلوان، بادّعاء أنّ الأرض التي تقوم عليها هذه البيوت هي وقفية يهودية انتقلت إدارتُها إلى جمعية "عطيرت كوهنيم".

وتعود حيثيات القضية لعام 2001، حينما قامت جمعية "عطيريت كوهنيم" بالتوجه للمحكمة المركزية في القدس بطلب تعيينها متوليًا لـ"وقف يهودي" قديم يدعى "وقف بنبنستي"، تم تأسيسه في المحكمة الشرعية في القدس في الفترة العثمانية وتحديدًا عام 1896، ووفق مستندات "الوقفية" المزعومة يجري الحديث عن عقار مكون من 72 غرفة على مساحة خمسة دونمات في مدينة القدس.

الجمعية الاستيطانية "عطيرت كوهنيم" توجهت بعد حصولها على موافقة الحاخامين الرئيسيين الشرقي والغربي على التنحي عن إدارة الوقف لصالحها إلى المحكمة المركزية، واستصدرت منها بشكل أحادي الجانب، قرارًا يخوّلها بإدارة الوقف، وبذلك أصبحت المتولية الرسمية للوقف المذكور الذي أشير في القرار إلى أنه يقع في سلوان.

وبعد حصولها على "شهادة التحرير"، تقدّمت الجمعيّة، لأوّل مرّة، عام 2007، بدعوى إخلاء ضدّ إحدى العائلات الفلسطينية في حي بطن الهوى في سلوان، وعام 2012 صدر عن المحكمة المركزية في القدس قرار سيّئ، يشير إلى أن الأراضي التي يسكن عليها الفلسطينيون في حي بطن الهوى في سلوان هي أراضٍ وقفية. بمعنى أن المحكمة المركزية ربطت بين الوقفية وبين الأرض، ومنذ ذلك الحين، تم تقديم عشرات دعاوى الإخلاء ضد الفلسطينيّين الذين يسكنون البيوت المقامة على تلك الأرض.

عرب 48: لا نريد الحديث عن مئات البيوت العربيّة التي جرى الاستيلاء عليها عام 1948 وإسكانها باليهود، لتفنيد مزاعم الملكيّة اليهوديّة في سلوان والشيخ جراح، حيث يجرى اقتلاع العائلات الفلسطينية من بيوتها وإسكان مستوطنين يهود محلها، فهذا حديث سنتركه للسياسيّين، ولكن في الجانب القانوني الذي يدّعون أنه منفصل عن السياسة، كيف يمكن لمحكمة أن تسمح بإخلاء مئات السكان من بيوتهم استنادا إلى صفقة مشبوهة أبرمت بين جمعية استيطانية "متطرفة" تجاهر بالعداء للعرب وتسعى بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة لإخلائهم من بيوتهم، علمًا بأنّ تلك الصفقة من المرجح أنها تقوم على وثائق مزيفة برعت تلك الجمعيات في الماضي بفبركتها؟

محاجنة: لقد طعنّا في الالتماس الذي تقدمنا به إلى المحكمة العليا، بقانونية "شهادة التحرير" التي منحت لـ"عطيرت كوهنيم" تولي الأرض المذكورة بدلًا من "القيّم على أملاك الغائبين".

والقرار الذي صدر عن المحكمة بتاريخ 14/6/2018، أشار إلى أنّ "القيّم العام" أخلّ بالنظم والإجراءات السليمة، كمكتب وكسلطة حكومية، في جملة قضايا أهمها أنّه لم يستند إلى القانون العثماني-الشرعي الذي يسري على الوقفية ولم يقم بفحص أمور وجوانب ملزمة بموجب هذا القانون، والتي تفيد بأنّه حتى لو كانت الوقفية صحيحة، وهو ما نشكك به أصلًا، فإنّه في حال تدمير "الوقفية"، أي المباني التي تم وقفها في حينه، يختفي الوقف من الوجود، وهذا ما يسمى "وقف غير صحيح" يسري على المباني وليس على الأرض وينتهي مفعوله بتدمير تلك المباني.

ولدعم هذا الادّعاء قدمنا شهادة من قبل الرئيس السابق لمحكمة الاستئناف الشرعية، البروفيسور أحمد ناطور، كذلك أشرنا إلى قضية أخرى "معكوسة" طلب الفلسطينيون فيها تحرير الأرض من "القيّم العام"، فرفض بحجة أن الوقف غير صحيح كون الأرض ذات الصلة هي من نوع "ميري"- أميريّة وفق تصنيف القانون العثماني للأراضي، في هذا الملف تم تقديم شهادة خبير للمحكمة بهذا الشأن وتم قبول ادعاؤه، وتساءلنا، كيف يختلف الموقف القضائي باختلاف هوية الأطراف.

كذلك أثبتنا أنّ تحديد الأرض ومعالم الوقفية وحدودها جرى استنادًا إلى تقرير خبير يعمل لصالح جمعيّة "عطيرت كوهنيم"، ما يعني وجود تناقض مصالح، إضافة إلى أنّه لم يتم حين إعطاء "شهادة التحرير" عام 2002، إشعار السكان ومنحهم حق الطعن وهو ما يخالف البنود المنصوص عليها بالقانون.

عرب48: ما هي الأهمية القانونية للقرار وكيف سيؤثر على سير قضية الإخلاء؟

محاجنة: أهميّة القرار أنّه صدر في قضية تعتبرها الدولة وبعض الهيئات القضائيّة التي تنظر في قضايا الإخلاء "مقضي فيها"، بمعنى أنّه تم التقاضي وصدور حكم قضائي فيها ولا يمكن الاستئناف عليها، إضافة إلى وضع الكثير من علامات السؤال حول سلامة الإجراء القضائي، الذي نتج عنه هذا الحكم وهو ما يبشر بإعادة فتح ملف القضية الأساس التي تستند إليها أوامر الأخلاء وهي قضية الوقف اليهودي في بطن الهوى والتدقيق في حيثياتها، ما يعطينا مجددًا فرصة لنسف ادّعاءات الأطراف المتشاركة في إخراج الصفقة المذكورة وبطلانها.

عرب 48: من الواضح أنّ قضية بطن الهوى هي عيّنة ممّا يجري في القدس، من هجمة استيطانية تشكل فيها الجمعيات الاستيطانية رأس حربة تقف خلفها جميع منظومات وأذرع دولة الاحتلال السياسية والقانونيّة، وتهدف إلى تهويد المدينة المقدسة وطمس معالمها الفلسطينية، وذلك أساسًا في محور البلدة القديمة ومحيطها؟

محاجنة: من الواضح أنّ إسرائيل تسعى إلى نسف التصور الذي تبلور في قمة كامب ديفيد حول القدس، والقائل إنّ كل ما هو فلسطيني يبقى فلسطينيًا وكل ما هو إسرائيلي يبقى إسرائيليًا، وذلك عبر تغيير هذا الواقع وفرض حقائق جديدة على الأرض، وهي تعمل بواسطة الجمعيات الاستيطانية في البلدة القديمة ومحيطها، إلى تهويد منطقة ما تسميه بالحوض المقدّس، والتي تقع في نطاقها أساسا حارات الشيخ جراح وسلوان، حيث تواجهان هجمة استيطانية اقتلاعية يجري خلالها استعمال كافة الأساليب الشرعية وغير الشرعية لتهجير السكان الفلسطينيين، وإحلال مستوطنين يهود في مساكنهم، ويبدو أن القضاء الإسرائيليّ كان جاهزًا حتى الآن لتغطية هذه الهجمة.

عرب 48: القضاء الإسرائيلي تواطأ في قضية منازل الشيخ جراح، فلم يسعف العائلات الفلسطينية التي جرى اجتثاثها من بيوتها وزرع مستوطنين مكانها، ولم يسعف أهالي وادي حلوة في سلوان، الذين اقتحم المستوطنون بيوتهم في عتمة الليل؟

محاجنة: من الواضح أن الرّهان محدود على القضاء الإسرائيلي، الذي يعمل وفق قوانين لعبة سياسية، كما بات من الواضح أنّ الإستراتيجيّة السياسيّة ذاهبة باتجاه منع تقسيم القدس لعاصمتين ومن خلالها منع تقسيم فلسطين لدولتين، وفي هذا السياق، شهدنا، مؤخرًا، قرارَ العليا الإسرائيليّة السماح بهدم تجمع "الخان الأحمر" وهو ما يؤشر إلى "تنظيف" منطقة "إي 1" الواقعة بين القدس ومعاليه أدوميم، استعدادًا لزرعها بالمستوطنات ومنع التواصل بين شمالي الضفة وجنوبيّها لقطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وتصفية حل الدولتين.


*علاء محاجنة: محامٍ وباحثٌ قانوني مقيم في مدينة القدس، مهتم بقضايا الاستيطان وحقوق الفلسطينيين ومتخصص في قضايا الأرض والمسكن في الأراضي المحتلة.