الشرطة ومأسسة الجريمة: أعيد الطفل المخطوف وبقيت الأسئلة دون إجابات

الشرطة ومأسسة الجريمة: أعيد الطفل المخطوف وبقيت الأسئلة دون إجابات
(تصوير الشرطة)

*بروفيسور حاج يحيى لـ"عرب 48": "استخفاف الشرطة بذهنية الفلسطينيين في البلاد، ودالة أخرى على استخفافها بحقوق الإنسان الأساسية، وحقوق الفرد والمجتمع"


لا يزال المجهول أكثر بكثير من المعلوم في ملف جريمة خطف الطفل، كريم جبر جمهور (7 أعوام) من قلنسوة، ومكان احتجازه وكيفية إعادته لأسرته وتفاصيل الصفقة أو التسوية التي أفضت إلى إنهاء القضية ولو مؤقتا.

وتُحدث هذه القضية ومثيلاتها انعكاسات سلبية على المجتمع العربي برمته، والملاحظ أن الشرطة الإسرائيلية، المتقاعسة أصلا في محاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي، تتعاون مع عصابات الجريمة، وتعزز سطوتها في المجتمع العربي بشكل واع ومقصود، حسبما ذكرت النائبة عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، حنين زعبي، في رسالة وجهتها إلى المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، قبل أيام.

ويبدو أن الشرطة تحاول منح الشرعية لتلك العصابات بإتاحة المجال لها بحرية العمل والحركة بما في ذلك النشاط في السوق السوداء المرتبط بعصابات الجريمة، مقابل أن تقوم تلك العصابات ‘بالتعهد‘ بعدم النشاط في المدن والقرى اليهودية، والإدلاء بمعلومات وشاية في حال توفرت لديهم، واتفاقيات أخرى تتغير وفق الظروف واحتياجات التعاون المتبادلة.

بروفيسور محمد حاج يحيى

وعن هذه القضية، قال المحاضر في مدرسة الخدمة الاجتماعية بالجامعة العبرية في القدس، بروفيسور محمد حاج يحيى، لـ"عرب 48" إنه "بغض النظر عن التفاصيل والحيثيات، حول تحرير الطفل كريم جمهور، والتي أجهلها كما يجهلها معظم أراد المجتمع العربي، كما بودي التأكيد أنني لا أعرف الجهات الاجتماعية والجاهات الاعتبارية أو إذا كانت أي جهات مهنية هي التي تدخلت لتحرير الطفل، لذا في إجابتي هنا لا أتطرق لجهة محددة، ولكن نظريا أنا ضد أي حراك قانوني أو مهني أو جماهيري لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي من قبل أناس عليهم علامات استفهام إنسانية، أو لا تملك المهارات المهنية لحل النزاعات، أو لا تملك البصيرة الاجتماعية والنفسية والأخلاقية للمعاناة التي تمرها الضحية، وغيرها من العوامل التي يجب أن تتوفر لدى كل من يشارك بذلك الحراك".

وأضاف أنه "إذا ما كانت هنالك شبهات لتورط من يشارك في حل النزاعات الاجتماعية في تصرفات غير لائقة اجتماعيا أو وطنيا قد يعطي شرعية للاستمرار في تورطهم، وأضرب مثالا لذلك، لا يمكن تلقي تبرع لمكافحة الإدمان على المخدرات من تاجر مخدرات ليتيح له ذلك تنظيف اسمه. ثانيا، من المؤكد أن تدخل أي أطراف كهذه يشكل إعفاء للشرطة من القيام بعملها في مجتمعنا، وللأسف الشرطة لا تقوم بالمجهود اللازم لمكافحة العنف الذي يكون مرده على المجتمع العربي، ولو كان مرد العنف يعود ولو ببساطة على الشارع اليهودي لتدخلت الشرطة بسرعة فائقة".

وأكد المحاضر الجامعي، حاج يحيى، أنه "من جهة أخرى، نحن مجتمع فقير من حيث كوادره المهنية ومؤسساته الاجتماعية وغيرها من المؤسسات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها لتشارك في حراكات مهنية وجماهيرية لمكافحة العنف والجريمة بمجتمعنا، لذا لا يمكننا أن نقصي أي طرف أو فرد من القيام بواجبه لردع العنف والجريمة، حتى وإن كان ما يسمى بلجان الصلح، والتي كنت أعارضها سابقا، وإن لم تتوفر لديهم الخبرة القانونية والمهنية لفض النزاعات وحل الخلافات داخل المجتمع، وكل ما لديهم هو اسمهم في المجتمع وأساليبهم في الخطاب العاطفي والتقليدي لمخاطبة الآخرين. حتى لو ينقصهم القدرات المهنية والدراية المهنية لحل النزاعات، ولكن اسمهم الاعتباري بالمجتمع قد يكون له أثره الاجتماعي، لذا نحن مضطرون لتجنيدهم والاستعانة بهم، ولكن على أن يتدخلوا لمكافحة قضايا العنف والجريمة، ليس وحدهم، بل يرافقهم أناس مع دراسة ودراية وخبرة مهنية وقانونية، وهذا لا يعني جهة محددة فيما يخص عملية تحرير الطفل كريم جمهور، بل أتحدث بصورة عامة عن التدخل في حل النزاعات المختلفة بين الأفراد والمجموعات في المجتمع العربي، شرط دراية الجهات التي تتدخل بالألم الذي تمر فيه الضحية، لكي لا تُظلم أكثر في الحل بل إنصاف الضحية وردع المعتدي، عبر الرادع الاجتماعي الذي لا تملك تلك الجهات سواه".

وأشار الاختصاصي في مكافحة العنف الأسري إلى أنه "للأسف، كلما زاد تدخل هذه اللجان كلما زاد استفحال نوايا الشرطة بالابتعاد عن عملها لحل ولمواجهة مشاكلنا وعدم تدخلها لفض النزاعات وحلها. نحن أمام حالة، تقول فيه الشرطة الإسرائيلية، عبر بيانها الرسمي إنه “وجهنا لجنة صلح كوسيط للمساعدة في تحرير الطفل” فما هي الرسالة التي تقدمها الشرطة للمجتمع العربي؟ هذه رسالة تدل على استخفاف الشرطة خاصة والمؤسسات الحكومية بكافة ميادين عملها عامة بالعقلية والذهنية العربية، استخفافها بحقوق المجتمع الفلسطيني في البلاد، وأؤكد على قضية الاستخفاف بالحقوق، حيث أنه من حقنا الحصول على الخدمات بالأساليب القانونية والمهنية الرسمية وألا نلجأ إلى أناس قد يعيدون لنا حقنا أو لا يعيدوه مثل أشخاص ليست لديهم الدراية بمعاناة وحقوق الضحية".

وشدد بروفيسور حاج يحيى على أن "تفعيل مثل هكذا أشخاص هو هروب إضافي للدولة، سواء الشرطة أو غيرها من الجهات الرسمية التي من واجبها أن تكون رأس الحربة في مكافحة العنف والجريمة بمجتمعنا، كما أن تقاعس الجهات الرسمية كالشرطة والمؤسسات الاجتماعية الرسمية وغيرها من المؤسسات يدل على الأفكار النمطية للجهات المختلفة في مؤسسات الدولة عنا، يتمثل بتفكيرها بأن هناك قيادة عربية هي من تحل مشاكل المجتمع العربي وكأننا دولة داخل دولة، كما أن هذا النهج من الشرطة ومن غيرها من الجهات الرسمية هو دالة صارخة على هروبها من القيام بمسؤوليتها، وبالتالي فإن النتيجة هي المساهمة في تكديس العنف والجريمة بمجتمعنا، بل أيضا الدعم في سبيل تفاقمه بالمجتمع".

وعن دور الشرطة، واصل حاج يحيى الحديث، وقال إنه "لا أتحدث عن الحادثة العينية لخطف الطفل من قلنسوة، إنما بصورة عامة عن نهج الشرطة، ولنضرب مثلا فلو سُرقت سيارة من الناصرة أو من أي بلدة عربية أخرى ونُقلت إلى نابلس، هل تتحرك الشرطة من خلال لجنة صلح أو لجان اعتبارية أخرى، أم من خلال تواصل شرطة مقابل شرطة وإعادة الحق لأصحابه؟ إن تفعيل هذه الجهات ليكُن فقط إن كانت تحظى بمكانة وطنية وأخلاقية واجتماعية ودينية، وألا يكون تدخلها على حساب الضحايا أو على حساب واجب الشرطة بحل كافة مشاكل الجريمة والعنف في مجتمعنا، وإضافة لذلك يجب ألا يكون ذلك لترسيخ ذهنية “حلوا مشاكلكم بأنفسكم” وألا يؤدي لإعفاء الشرطة من مسؤوليتها، فتكون عواقبها وخيمة على المجتمع العربي".

ما الذي فعلته الشرطة لإعادة الطفل المخطوف؟

وعن ملف خطف الطفل من قلنسوة، رأى البروفيسور حاج يحيى إنه "بقيت أسئلة عديدة مفتوحة، أين احتُجز الطفل، مكان التسليم، المختطف المباشر أو المحتجز المباشر للطفل، مع تضارب بين رواية الشرطة الإسرائيلية والشرطة الفلسطينية، وتضارب كبير في أقوال أفراد ما يسمى لجنة الصلح. هناك كثير من الغموض، أليس من حق الجمهور أن يعرف؟ هذا النهج ليس بغريب عن الشرطة، حق الجمهور أن يعرف كل الحيثيات التي رافقت الجريمة، والتي تعرفها الشرطة، خطف الطفل أو غيره، وكيف تحركت أو لم تتحرك الشرطة من أجل رد الحق إلى أصحابه؟ هذا التصرف للشرطة في هذه الحالة أو غيرها، يدل على استخفاف الشرطة بذهنية الفلسطينيين في البلاد، ودالة أخرى على استخفافها بحقوق الإنسان الأساسية، وحقوق الفرد والمجتمع على حد سواء، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أسلوبها في “الطبطبة” وعدم القيام بواجبها. هذا يجب أن يكون درس لنا كقيادة سياسية ومهنية ومجتمعية، وأن يؤدي إلى حراك دائم وممنهج ومنتظم بمجتمعنا بهدف الضغط على مؤسسات الدولة للقيام بعملها من أجل حل قضايا العنف والجريمة بمجتمعنا، خصوصا أنها آخذة بالازدياد والتفاقم".

وختم الاختصاصي في مكافحة العنف، حاج يحيى، بالقول إنه "يجب ألا ننتظر حدوث أزمة هنا أو هناك مثل الحدث المؤلم بقلنسوة، الأسبوع الماضي، كي نتحرك، بل علينا تشكيل هيئات جماهيرية ومهنية كي تمارس الضغط على كافة الهيئات الحكومية لمكافحة العنف والجريمة في مجتمعنا، ولا يعقل أن تواصل هذه الهيئات الاستخفاف بعقليتنا، من جهة، ومن جهة أخرى تستمر بإهمالها لحقنا أن نعيش بأمن وسلام في بيوتنا".