د. خيزران: إسرائيل نجحت في خلق "حالة درزية انسلاخية"

د. خيزران: إسرائيل نجحت في خلق "حالة درزية انسلاخية"
توضيحية (أ ب)

- آن الأوان لتجاوز خطاب التخوين والتعامل مع حالة التنوع القائمة في مجتمعنا

- التجنيد لم يحقق أي منفعة جماعية للدروز


يعتقد بعض الباحثين أنّ اقتصار مفهوم الطائفية على الاقتتال بين مجموعات ذات انتماءات دينية مختلفة، أبقى هذا النقاش بعيدًا عن المجتمع الفلسطيني، حتى أنّ الباحثين الفلسطينيين ظلوا عند الحديث عن الطائفية يستشهدون بنماذج قديمة سابقة على النكبة، أو بأمثلة عربية أخرى من لبنان وسورية.

مع العلم أنّ إحدى الصفات الأساسيّة المكوِّنة لهذه الظاهرة هو تشكل أو تشكيل موقف سياسي خاص ومنفصل على أساس دينيّ أو إثنيّ، وهو أمر يكسب الطائفة دورًا جديدًا، حيث تصير، إضافة إلى كونها مجموعة من الناس المؤمنين بمعتقدات دينية مشتركة، مجموعة من الناس الذي يؤمنون بمواقف سياسية مشتركة، أيضًا.

يسري خيزران
يسري خيزران

وفي الحالة الكولونيالية في فلسطين، فإنّها تشكّل مواقف سياسية إثنية مخالفة لموقف الإجماع تساهم في التفرقة بين الفلسطينيين. وفي هذا السّياق، يقول الباحث عزّ الدين التميمي، إنّ أيَّ تتبع لا يستند إلى المعنى التقليدي المذكور للطائفية، المرتبط بالاقتتال أو بالحرب فقط، سيصل إلى سياسات طائفية واضحة بدأت مع الدولة الكولونيالية، حيث ارتبطت عملية التهجير وخططها عام 1948 وقبلها، بسياسات من الضمّ والفصل، وصناعة حدود بين مجموعات ثقافية ودينية وإثنية مختلفة، وكان هناك اهتمام خاص بالأقليات والسياسات المتعلقة بها، من بداية تأسيس الدولة.

وهناك الكثير من الشواهد على وجود مخطّطات سابقة لتأسيس الدولة تجاه الأقليات والرغبة بتدجينها، ففي كتابه "الدروز في دولة اليهود" الصادر باللغة الإنجليزية عام 1999، عرض الباحث والأستاذ الجامعي، د. قيس فرو، وثائق أرشيفية تشير إلى وجود خطة إسرائيليّة في الثلاثينيّات، أي سابقة على قيام إسرائيل في التعامل مع الدروز، تقضي بطرد الدروز وتهجيرهم وضمِّهم إلى أبناء طائفتهم في لبنان وسورية.

وإذا كانت خطة التهجير لم تخرج إلى حيّز التنفيذ، فإنّها استُبدلت بمخطط احتواء استهدف سلخ الطائفة العربية الدرزية عن جسم شعبها الوطنيّ، وهو المخطّط الذي بدأ قبل 1948. وبالرغم من تشكيك الباحثين والمؤرخين الفلسطينيين بالمقولات التي ذهب إليها مؤرخون إسرائيليون على غرار بيني موريس في أنّ العلاقات المسبّقة بين الدروز والإسرائيليين هي التي حمت القرى الدرزية من التهجير، إلا أنّهم لم ينفوا وجود علاقات، على الأقلّ، بين القيادات الدرزية أو قيادات درزية وبين الإسرائيليين، ووجود محاولة منذ البدء لاحتوائهم، وهي محاولات توّجت، لاحقًا، بفرض التجنيد الإجباريّ عليهم ووصلت حد صناعة "هويّة درزيّة مستقلّة".

وعلى مدى سنوات طويلة، حالت حساسيّة الموضوع المحفوفة بالرغبة في صيانة حالة التوافق القائمة حتى لو كانت شكلية، دون ملامسة "الواقع الدرزي" المتشكّل، من خلال معالجة بحثية عميقة وشاملة، إلى أن قام، أخيرًا، "مدى الكرمل" – المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة، بكسر جدار الصمت، إذ سيُصدر، قريبًا، كتابًا هو عبارة عن دراسة اجتماعية، ثقافية وسياسية لواقع الدروز في إسرائيل. والكتاب، الذي يقدّم قراءة نقدية تشارك بصياغتها مجموعة من الباحثين، تكسر، كما يقول محرّره، د. يسري خيزران، "احتكار القراءة المؤسساتية المسيطرة".

وحول الكتاب وحول واقع "الدروز في إسرائيل" كان هذا الحوار مع د. يسري خيزران الباحث في العلوم السياسية:

عرب 48: من الواضح أنّ أهميّة الكتاب تنبع من موضوعه، ولكن يبقى السؤال هو ماذا سيقدم لنا، وهل سيواصل رسم الصورة التجميليّة المزيّفة التي تخفي الواقع "المخيف"؟

خيزران: أعتقد أنّ الكتاب يتجاوز اللغط السياسي ويقدم قراءة أكاديمية نقدية تظهر الحالة الدرزية، وهو عبارة عن دراسة شاملة تضمّ عدّة مقالات في مقدّمتها قضية التجنيد والخدمة العسكرية، ومناهج التعليم وقضايا الأرض والمسكن والسلطات المحليّة، وهي جميعها قضايا تكشف أنّ الدروز يعانون من نفس المشاكل ونفس التمييز الذي يعاني منه أبناء جلدتهم العرب، وأنّ الخدمة العسكرية والجيش في نهاية المطاف لم تعد بالفائدة على الدروز كمجموع، بل ربما على أفراد.

وفي هذا المجال هناك مقال يطرق تحديدا موضوع "الدّوافع الاقتصادية للخدمة العسكرية"، خاصة وأنّ الخطاب الرّسمي للدولة يكثر من التّأكيد على "الحقوق مقابل الواجبات"، ويستنتج المقال أنّ الخدمة العسكرية لم تجلب أي إضافة إلى هذا الصّعيد لجموع أبناء الطائفة الدرزية.

عرب 48: دائما كانت هناك خشية من معالجة "الحالة الدرزية" بشكل منفصل، وهو ما ترك المجال لسيطرة الخطاب المؤسّساتي، هل ترى في الكتاب نقطة تحول نحو تغيير هذا التوجه الذي ينسحب على قضايا وفئات أخرى؟

خيزران: بالعادة، يخشى "المجتمع الأكاديمي العربي" تناول الحالات الخاصة خوفًا من تعميم التجزئة، ولكن، هذه المرّة، يتمّ من خلال هذه الحالة الجزئية تحديدًا إظهار واقع المجتمع العربي عموما، وكم هو واقع صعب ومرير، وهي حالة تظهر زيف الادّعاء الذي يبرّر التّمييز ضد العرب بعدم تأديتهم للخدمة العسكرية، حيث يغيب عنها رغم توفر شرط الخدمة العسكرية أي تجسيد لمبدأ المساواة.

ثم أنْ يأخذ مركز أكاديمي مثل "مدى الكرمل" على عاتقه نشر بحث من هذا النّوع، فهو يتجاوز الحساسية التي خلقتها المؤسسة، وأعتقد أنّ الأوان آن  لنتجاوز، كمجتمع، خطاب التخوين وأنْ ننتقل إلى هذا النموذج من تناول حالة التنوّع القائمة في المجتمع العربي، لأننا من خلالها يمكن أن نصل إلى نتيجة بأن إسرائيل تتناول الجزئيّات لأنها تتعامل مع العرب ككل، وهي تنمّي التجزئة، لأنها تتعامل مع العرب كوحدة واحدة.

عرب 48: إنّه المنطق الاستعماري الذي يعتمد سياسة فرّق تسد في التعامل مع الكل؟

خيزران: إن منطق "الأقلويّة" الذي تعاملت به الحركة الصهيونية لا يعود إلى سياسة فرّق تسد الناتجة عن طبيعتها الاستعمارية فقط، بل يرجع إلى نشأتها في كنف أقلية يهودية مضطهدة في أوروبا، وهي، وفق هذا الفهم الناتج عن تلك الخلفية، ترى بكل أقلية أقلية مضطهدة، وقد حاولت الصهيونية تعميم هذا المنطق على اليهود الشرقيين، علمًا بأنهم لم يكونوا أقليّة مضطهدة، ولم يكن لديهم عقد "الأقلوية" التي كانت عند يهود أوروبا. فاليهود، وبشهادة برنارد لويس، أهم مستشرق يهودي، لم يتعرضوا لاضطهاد تحت حكم الإسلام كما تعرضوا له في أوروبا (المسيحيّة)، ما يعني أنّ اليهود ليسوا جميعهم أقلية مضطهدة، كما صوّرت الصّهيونيّة ذلك، بل يهود أوروبا فقط.

هذا المنطق الذي تعاملت به الصهيونية لا ينطبق على الشرق الأوسط، الذي ساد فيه منطق التوافق وليس منطق القوّة. ووفق هذا المنطق، قد نرى أقلية حاكمة كما هو الحال في لبنان، ولكن، بالعموم، فإنّه حتى الأقليات التي كان معها "إشكال ديني إسلامي"، مثل الدروز والإسماعيليّة والعلويّة، لم تتعرض للاضطهاد تحت الحكم الإسلاميّ، ما يؤكد أن اضطهاد الأقليات ليست ميزة شرقية أو إسلاميّة.

عرب 48: اعتقد أنّ الموضوع لا يرتبط بالخلفية فقط، والتي هي خلفية الاضطهاد في أوروبا، بل بإستراتيجيّة الحركة الصهيونية أيضًا...

خيزران: صحيح، فالإستراتيجيّة الصهيونية اعتمدت على تعزيز الأقليات في المنطقة، وهي استغلت حالة الغنى والتنوع الاجتماعي، التي ميّزت المنطقة في هذا المجال، وسعت إلى تحويلها إلى كيانات سياسية، كما هو حال الحمائل عندنا، عندما يتم تحويلها إلى أحزاب سياسية، أو كما هو حال الطوائف في لبنان، التي جرى تحويلها إلى كيانات سياسية. وعلى سبيل المثال، فإنّ تاريخ الطائفة الشيعيّة في لبنان يشير إلى أنّه جرى تمثيلها في البرلمان، ومنذ عام 1920 من قبل ست عائلات إقطاعية، تلك العائلات كانت مصدر قمع للمجتمع الزراعي الفلّاحي الشّيعي، ولكنها كانت تمثّله في مجلس النواب باسم تمثيل الشيعة، وقد استمر هذا الوضع حتى مجيء "حزب الله"، الذي أسقط الإقطاع السّياسي وجاء بقيادة سياسية بديلة تعتمد على قواعد اجتماعية مختلفة عن الإقطاع.

نجحت إسرائيل في استغلال الطائفيّة في لبنان، وشكّلت "جيش لحد"، ومحاولاتها لا تنفكّ في تجنيد المسيحيّين في البلاد، وكذلك البدو، بعد أن نجحت في سلخ الدروز.

عرب 48: نحن نعرف أنّ الطوائف والجماعات هي جزء من الفسيفساء العربية الشاملة التي تتّصل جميعها بحبل الأمة الواحدة، وهي تشدّ بعضها بعضًا، طالما كانت قويّة وعندما تضعف ينفرط عقدها، وقد تتحوّل إلى طوائف وقبائل، كما هو حاصل اليوم؟

خيزران: ما يحدث من حولنا يحتاج إلى معالجة خاصة، ولكن، بالعموم، يجب أن لا نتعامل مع الطائفية وكأنّها إفراز موجود بل كحالة مستجدّة بدايتها مع بداية الاستعمار الغربي للمنطقة، ولعلّ أحد المآخذ على الفكر القومي العربي أنّه لم يتعامل مع التعددية كمصدر قوّة، وحاول تغييبها خشية أن يتم استغلالها من قبل الاستعمار لتفتيت المنطقة.

اليوم، نستطيع أن نعي أنّ الصهيونية هي أيديولوجيّة اللون الواحد، وأنّ الحالة العربية هي حالة تعدّديّة توافقيّة تستطيع أن تحافظَ على توازناتها رغم وجود تعددية سياسية بداخلها، وتجدر الإشارة إلى أنّ الحركة الوطنية الفلسطينية ومنذ عهد أمين الحسيني، كانت تحاول التأكيد على مبدأ التعدّدية، وقد تجلّى ذلك بصورة واضحة أكثر في عهد منظمة التحرير الفلسطينيّة.

ويجيء طرح هذا المشروع اليوم، من قبل مركز مدى الكرمل، تأكيدًا على الحاجة لتطوير خطابنا السياسي، يجب أن نتوقف عن النظر إلى التعدّديّة على أنها مصدرَ ضعف، بل يجب رؤيتها كمصدر قوة وأن مجتمعنا العربي قادر على خلق آليّات توافق.

عرب 48: يُلاحظ أن السّنوات الأخيرة شهدت تراجعًا بعد انحسار حركة الاحتجاج وتعثر مشروع التواصل، فهل نجحت إسرائيل في سلخ الدروز عن جسم شعبهم؟

خيزران: حركة التواصل التي أطلقها د. عزمي بشارة حاولت كسر حالة التقوقع المفروضة على الدروز من خلال المشايخ أنفسهم ونجحت، في حينه، بإثارة رأي عام حول القضية، ووضع قضية الدروز في سياقات أوسع، إلا أن التطورات التي حدثت في المنطقة ( ثورات الرّبيع العربي) أوقفت هذا المشروع وتفاعلاته.

وبالنسبة لسؤالك، نعم، إسرائيل نجحت من خلال فرض الخدمة في الجيش وتطويع القيادة السياسية وبرامج التعليم في خلق حالة انسلاخية، ولكن حالة السلخ لا تعني أنّ الدروز في بحبوحة، كما أنها لا تعني التسليم بهذا الواقع الذي يجب مقاومته بكل الطرق وأعتقد أن ما يسمى بقانون القومية الأخير دليل آخر على أن هذه الدولة لليهود فقط.


د. يسري خيزران، يحمل لقب الدكتوراه من الجامعة العبرية في القدس، وهو مختص بالتاريخ السياسي والاجتماعي لمنطقة الهلال الخصيب في العصر الحديث، نشر العديد من المقالات في هذا المجال وينجز حاليا دراسة عن موضوع إسرائيل ومشاريع التفتيت الأقلوي، وهو باحث مشارك في معهد ترومان.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018