الفقر في النقب... التحدي الأصعب

الفقر في النقب... التحدي الأصعب

*17,200 عائلة في النقب تحت خط الفقر، أي 121,800 مواطن عربي بينهم 69 ألف طفل يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى نسبة 19,3% من أطفال النقب يعيشون في عائلات وحيدة الوالدين


تعكس معطيات وإحصائيات نشرتها "مؤسسة التأمين الوطني" لأول مرة، أواخر العام الماضي 2017، حول مستويات الفقر في البلاد صورة الأوضاع القاسية وحجم الفقر المدقع في المجتمع العربي.

وبيّن التقرير أن نسبة 37% من الذين يعيشون تحت خط الفقر من المواطنين العرب رغم أن نسبة العرب في البلاد تقدر بنحو 20% فقط.

وشملت المعطيات نسبة الفقر والوضع الاقتصادي الاجتماعي في منطقة النقب، جنوبي البلاد، إذ ترسم الأرقام الأخيرة صورةً مخيفة عن الوضع المعيشي في النقب الذي يتأزم وتتفاقم أوضاعه حين ربطها بإحصائيات هدم المنازل في القرى مسلوبة الاعتراف، وواقع الملاحقة السياسية اليومية للعرب في النقب.

وكان من أهم ما عرضه تقرير "التأمين الوطني الإسرائيلي"، أن "58% من عرب النقب وما يعادل 70% من الأطفال يعانون الفقر. وأن من بين 20 طفلا، تجد 14 طفلا منهم فقراء".

ويستدل من التقرير بالأرقام أن 17,200 عائلة في النقب تحت خط الفقر، أي 121,800 مواطن عربي بينهم 69 ألف طفل يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى نسبة 19,3% من أطفال النقب يعيشون في عائلات وحيدة الوالدين".

وحاور موقع "عرب 48" مجموعة من الناشطين الاجتماعيين والاختصاصيين في الشؤون الاجتماعية والأوضاع المعيشية، لرسم صورة من الشارع العربي حول الفقر في النقب.

وقال عبد الله أبو شريقي، عضو مجلس محلي اللقية سابقا، ومدير قسم الرفاه في كسيفة لأكثر من 20 عاما سابقا، والمبادر لتأسيس جمعية "آفاق النقب" الخيرية، لـ"عرب 48" إن "المجتمع العربي النقباوي يعاني من ظروف معيشية صعبة، وفي بعض الأحيان كارثية، حيث تنقص العائلات مقومات الحياة الأساسية والضرورية، ومنها النقص في الغذاء وعدم القدرة على شراء الدواء أو تحمل تكاليف المدارس لأبنائهم الأطفال، وبالتالي العائلة غير القادرة على شراء الطعام لن تجد لديها أثاثا في البيت، ومما رأينا خلال عملنا في الكثير من البيوت فإن بعض المواطنين بالنقب لا يملكون أسرة لأبنائهم وينام الأطفال على الأرض".

عبد الله أبو شريقي

وأضاف العامل الاجتماعي أن "معظم حالات الفقر والمعاناة عادة مرتبطة بخلفية اجتماعية صعبة. الكثير من الأمهات معيلات وحيدات لأسرهن والكثير من الأبناء بلا معيل، وهنا يحتاج الأهل والأطفال معا إلى مرافقة نفسية من مهنيين لمساعدتهم على تنظيم حياتهم والاستماع إليهم وليس فقط لتوفير الطعام والغذاء لهم".

وتطرق أبو شريقي إلى تأثير سياسة هدم البيوت على العرب بالنقب، وقال: "يضاف إلى أصحاب الخلفية الاجتماعية الصعبة في الحاجة إلى الدعم النفسي أيضا أنهم ضحايا جرائم هدم المنازل، وخصوصا في قرى النقب مسلوبة الاعتراف. هدم البيوت في النقب أسلوب انتقامي يصعّب الحالة المادية المتأزمة أصلا للمواطنين كما يسبب صدمة نفسية للأهالي والأطفال بشكل خاص، وهم أمر يحتاج لعلاج مهني مستمر حتى يتطور الطفل بالشكل الصحيح ويتعافى من الصدمة".

وأشار إلى عمل مؤسسة "آفاق النقب"، وأشار إلى أنها "تعمل في كل قرى النقب تقريبا وتنشط في عدة مجالات أهمها، حسب اعتقادي، توفير فرص عمل للنساء ذوات الخلفية الاجتماعية الصعبة، وتعمل عن طريق المؤسسة أكثر من 100 امرأة، وقد تكون هي فرصة العمل الوحيدة التي تتلقاها النساء بسبب الاعتبارات الاجتماعية. وأيضا الطرود الغذائية والمساعدات المادية لها أهمية أساسية في حياة بعض العائلات، كما نقوم بتنظيم حملات لترميم البيوت المعوزة لتحسين وضع الحياة فيها ومناسبتها للأهل والأبناء، بالإضافة إلى توفير الدواء والذي يشكل معضلة جدية للكثير من العائلات، فبعض العائلات قد تكون الزوجة فيها من الضفة الغربية ولا تملك تأمينا صحيا وقد يصل ثمن بعض الأدوية إلى مئات الشواقل، وهنا يأتي دور كل مجهود خيري فقد ينقذ حياة إنسان لا يملك خيارا آخر، كما في حالات هدم البيوت فإن الكثير من العرب يرفضون المساعدة الحكومية أو التمثيل القضائي الحكومي لأن كبريائهم لا يسمح لهم بقبول المساعدة ممن يهدم بيوتهم".

وختم أبو شريقي حديثه لـ"عرب 48" مطالبا المجتمع العربي بالمساهمة في مساعدة العائلات، وقال إن "هناك العديد من المشاكل في العمل الخيري، منها أن التمويل الحكومي المخصص للمساعدة يصل إلى القنوات غير الصحيحة الأمر الذي قد يكون ممنهجا أيضا، وهنا يأتي دور المجتمع الذي يجدر به المساهمة والعطاء وبناء البرامج على أسس مهنية، وهو دور جميع أفراد هذا المجتمع، من رجال أعمال وقيادات ومبادرين ولكل من يهمه الأمر".

وقال مركز التوجيه المهني ومستشار شؤون الطلاب العرب في جامعة بئر السبع، أيمن أبو عمرة، لـ"عرب 48" إنه "يتعلم في جامعة بئر السبع 1600طالب عربي منهم ما يقارب 550 طالبا من النقب من جميع الأقسام والألقاب التعليمية المختلفة. وتختلف ظروف الطلاب العرب في جامعة بئر السبع وبالذات الطلاب البدو من النقب، إذ يعاني الطلاب من عرب النقب، من سوء الأوضاع المعيشية ويواجه الطلاب صعوبات في دفع الأقساط التعليمية ولا تكفيهم المنح والمساعدات المخصصة من قبل الجامعة، وعمادة شؤون الطلبة، ومن المؤسف أننا لم نر أي متبرع عربي من البلاد أو من عرب النقب ورؤوس الأموال ورجال الأعمال وهم موجودون، يقوم بتوفير منح أو التبرع أو بناء مشاريع".

أيمن أبو عمرة

وأضاف أن "الطلاب العرب من النقب يأتون عدة أيام في الأسبوع للدراسة والأمر يستلزم مصاريف كبيرة ومجهودا أكبر، بسبب صعوبة الوصول من قرى النقب وخصوصا القرى مسلوبة الاعتراف للجامعة، إضافة إلى الأقساط التعليمية، ويضطر أبناء القرى مسلوبة الاعتراف للخروج من الساعة السادسة صباحا للوصول إلى الجامعة الساعة التاسعة، بسبب المسافة التي عليهم قطعها مشيا على الأقدام من القرى لغاية الشوارع الرئيسة وساعات الانتظار للمواصلات العامة، أي 3 أضعاف الوقت المطلوب في الوضع الطبيعي".

وأشار أبو عمرة إلى خصوصية وضع الطالبات العربيات، وقال إن "الوضع أكثر صعوبة على الطالبات العربيات من النقب، فهن يعانين من نقص فرص العمل المناسبة لهن، مقابل الظروف الحياتية التي تستلزم مشاركتهن في تحمل العبء مع الأهل. وأحد المشاهد التي نراها في جامعة بئر السبع حاجة العشرات من الطالبات العربيات للتواجد في الجامعة من أجل استخدام الحاسوب لأداء مهامهن الأكاديمية".

وتطرق إلى عمل عمادة شؤون الطلبة في جامعة بئر السبع وتحسين ظروف الطلاب العرب، وقال إن "فترة التعليم صعبة على الطالب المستقل، نحاول في مركز التوجيه المهني في جامعة بئر السبع إيجاد فرص عمل للطلاب العرب، وتنظيم دورات ووضع خطط عمل بشكل مستمر لمساعدة الطلاب على الدراسة وتحمل تكاليف فترة التعليم بمرافقة مباشرة، بهدف الدمج بين تعليمهم وعملهم. هناك تقصير من كبير من السلطات المحلية وخاصة أقسام التربية والتعليم في المساعدة على تحمل العبء، في أبسط الأشياء، مثل توفير المواصلات للطلاب العرب، ونعاني أحيانا في محاولاتنا التنسيق معهم".

وختم مستشار شؤون الطلاب العرب في جامعة بئر السبع، حديثه لـ"عرب 48" بالقول إن "معاناة الطلاب العرب من النقب ليست فقط على صعيد جامعة بئر السبع إنما في معظم الكليات، جنوبي البلاد، وأعتقد أنه على الوزارات المعنية والسلطات المحلية وكل من يرى نفسه من المجتمع العربي بالنقب ويؤمن بالمسؤولية الجماعية لتغيير هذا الواقع، أن يدعم الطلاب العرب ويلعب دوره في محاولة توفير الفرص لأن مصير النقب مشترك لنا جميعا".

وقال الناشط الاجتماعي والمُدرس في الثانوية في بلدة شقيب السلام بالنقب، فايز شناوي، لـ "عرب 48" إن "الأهل في النقب يواجهون الكثير من البؤس والمعاناة في ظل ما يُفرض عليهم من سياسات يومية وملاحقة للإنسان العربي. لا تقبل الدولة ومؤسساتها التفاوض وطرح الحلول الحقيقية وبناء الخطط لتحسين الواقع مما يبقي المجتمع في مستنقع الفقر".

فايز شناوي

وأكد أنه "نرى هذا جليا في تعاملنا مع الأجيال الصاعدة في النقب والتي تتأثر بشدة بالواقع المعيشي، ويظهر هذا حتى في التحصيل العلمي لهؤلاء الطلاب. يضطر الابن لقضاء الكثير من الوقت في مساعدة الأهل إن كان في العمل بشكل يومي أو في العطل، وتكون أشد المعارك هي إبقاء الطلاب على مقاعد الدراسة في حين لا يملكون ما يأكلونه في البيت".

وأضاف شناوي أنه "أعمل في مدرسة تضم 400 طالب عربي من النقب، بينهم أكثر من 100 طالب بحاجة لمنح من أجل تدبر مصاريفهم التدريسية ولإكمال المراحل التعليمية الأولى. وهنا، فإن صعوبة منالية التعليم تفرض على الطلاب أعباء كثيرة لا تناسب أعمارهم، ويتسرب الكثيرون لهذه الأسباب. والأخطر من ذلك هو توجه البعض أيضا إلى المخدرات المنتشرة والتي توفر مصدرا وحيدا لـ"الرزق" في العديد من الحالات بسبب نقص الأطر البديلة".

وختم المربي شناوي حديثه لـ"عرب 48" بالقول إنه "على المجتمع التعامل بشكل تكافلي ككل والبحث عن سبل بديلة، وبناء خطط عمل لمحاربة الفقر، ومنح المرافقة المهنية لأبنائه الموجودين في قلب الصراع. ما يحدث في النقب خطير جدا ويبدو منه أن الطبقة الوسطى تتآكل وتختفي بفعل الفقر المدقع".



الفقر في النقب... التحدي الأصعب

الفقر في النقب... التحدي الأصعب