د. نجاة عبد الحق: اليهود عبر التاريخ لم يتعرضوا لإجحاف واضطهاد في الشرق

د. نجاة عبد الحق: اليهود عبر التاريخ لم يتعرضوا لإجحاف واضطهاد في الشرق
د. نجاة عبد الحقّ (DW)

  • هناك من يحاول إسقاط التناقضات الراهنة على الماضي للنيل من الإسلام والعرب
  • تواطؤ الأنظمة العربية وفر المادة البشرية الخام للمشروع الصهيوني
  • عمليات "بساط الريح" و"علي بابا" و"موسى" و"سبأ" وصمات عار لا تمحى

ترجّح المراجع التاريخية أن اليهود الذين "هاجروا" من الدول العربية إلى إسرائيل بين عاميّ 1948 و1950، شكّلوا، في حينه، 42% من مجموع سكانها، وأنّ موجات الهجرة تلك مدت الدولة "الفتيّة" بالمادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين، الذين جرى تهجيرهم من قراهم ومدنهم العامرة، بعد أن نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية.

وشكّلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة 47% من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد سكان إسرائيل اليهود بعد أن زوّدتها بما يربو على نصف مليون مهاجر جديد.

ورغم أنّ موجات الهجرة من الدول العربية تواصلت حتى عام 1956 وبعدها، أيضًا، إلا أن السؤال التّاريخي الذي ما زال معلقا يتمحور حول دور الحكام العرب في مدّ المشروع الصهيوني بالمادة الخام البشرية، التي كان في أمسّ الحاجة إليها في سنواته الأولى، وفي الفترة التي كانت تلك الأنظمة تدّعي محاربته.

ولعلّ المفارقة هي أنمعظم عمليات الدفع بالهجرة تمت تحت شعار مناصبة العداء لإسرائيل، والذي تحوّل، في جزءٍ منه، إلى عداء لليهود. وبذلك، لعبت تلك الأنظمة لصالح الحركة الصهيونية التي سعت إلى تهجير يهود الدول العربية بكل الطرق والوسائل، بما في ذلك إثارة شعور الخوف بينهم من اعتداء وشيك الوقوع، وتحطيم الوجود الآمن الذي تمتعوا به.

ولا تخفى عن الأنظار عمليات الهجرة التي قامت بها الحركة الصهيونية بتواطؤ الحكام العرب، الذين مهّدوا وسهّلوا تنفيذها واتمامها، مثل عملية "البساط السحري"، التي جرت بموافقة نظام الإمامة وتم خلالها نقل 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية، و"بساط الريح"، التي نقل فيها 50 ألفًا آخرين.

وفي العراق، شجّع قانون إسقاط الجنسية عن اليهود الراغبين بالهجرة إلى إسرائيل، الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي حينها، نوري السعيد، عشرات الآلاف على الهجرة إلى إسرائيل في أوسع موجة هجرة من دولة عربية، حيث جرى نقل 113 ألف يهودي بطائرات أميركيّة إلى إسرائيل، في عملية سميت بعملية "علي بابا".

وتواصلت عمليّات هجرة اليهود بتواطؤ وتساهل وتسهيل الحكام العرب من "بساط الريح" وعلي بابا" في الخمسينيات، إلى "عملية موسى" و"سبأ"، التي تواطأ فيها الرئيس السوداني في ذلك الوقت، جعفر النميري، عام 1984 وعام 1985، بتقديم تسهيلات لنقل يهود الفلاشا من أثيوبيا عبر مطار الخرطوم، بعد إبرام عقود صورية لتشغيلهم في السودان، وتم خلالها نقل 14 ألف مهاجر إلى تل أبيب عن طريق بروكسل.

ضمن هذا الواقع العربي العام، مثّل اليهود في مصر حالة خاصة وربما استثنائية بالنظر إلى الموقف المتميز لمصر من القضية الفلسطينية، حتى ما قبل ثورة يوليو 1952،التي قادها عبد الناصر وبشكل خاص، بعد الثورة، كما تقول د. نجاة عبد الحق، التي بحثت حالة "يهود مصر" في نطاق بحث ما اسمتهم بـ"اليهود العرب"، بتعبير د. يهودا شنهاف، الذي صكَّ هذا المصطلح، في كتابه الشهير "اليهود العرب- قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة".

حول كتابها الذي صدر مؤخرًا باللغة الإنجليزية عن يهود مصر وعن اليهود العرب عمومًا، كان هذا الحوار مع د. نجاة عبد الحق الباحثة والمحاضرة في جامعة "فريدريخ إليكساندر" الألمانية:

عرب 48: استخدمت مصطلح "اليهود العرب" الذي استعمله عالم الاجتماع الإسرائيلي الشرقي الأصل يهودا شنهاف؟

عبد الحق: يهودا زميل وصديق وهو الذي شجعني على استعمال مصطلح "اليهود العرب"، لأنه يعكس هوية مركبة، وفي حالتنا هناك تركيب سياسي غير سهل في هوية هذه الفئة، خاصة بعد أن جاءت إسرائيل إلى العالم، فكانت بمثابة الحجر الذي تم إلقاؤه في مياه العلاقات الراكدة بين اليهود وبلدانهم التي عاشوا في كنفها.

عرب 48: ماذا تقصدين بالآخرين؟

عبد الحق: معروف أن الدول العربية ورثت نظام الملة من العهد العثماني فكان اليهود من الملة، والمقصود غير المسلمين مثل المسيحيين والدروز وغيرهم من الطوائف، بمعنى أنّ وضعهم لم يكن مطابقا للمسلمين، ولكنّهم لا يتعرّضون لتمييز ممنهج ولا اضطهاد وملاحقة مثلما كان يحصل في أوروبا، وهي خاصية ميزت الشرق.

هذا لا يعني أن جميعهم عاش في نعيم، فقد كان منهم الفقراء والمعدمون والأغنياء المترفون، مثلهم مثل باقي طبقات الشعب، وأعني بالدولة العثمانية قبل تفكيكها حيث كان يتمتع من يحمل جواز سفرها بالتنقل بحرية من أعالي البحر الأسود وحتى حدود السودان، وسمح لكل من يحمل هذا الجواز بعد تفكيكها بالحصول على جواز "الولاية" التي يختارها، حيث كان يستطيع الفلسطيني الذي يحمل الجواز العثماني، مثلًا، أن يصبح مصريا إذا اختار ذلك.

وبدون شكّ، فإن الفئات التي كانت تسافر وتحمل جوازات وتعي أهمية الأوراق والمستندات، كانت الأقرب إلى الامتيازات والصحون، واليهود كانوا مثل غيرهم، القليل منهم فقط ضمن تلك الفئة، وتمكّنوا من الوصول إلى مراتب ومناصب سياسية واقتصادية رفيعة، أيضًا.

عرب 48: وهل نستطيع القول إنهم تمتّعوا بالمساواة؟

عبد الحق: من المهم أن ننظر إلى التاريخ بالسياق التاريخي، فاليوم ونحن في عصر الحداثة وما بعد الحداثة نرى أنّ جميع المواطنين يجب أن يكونوا متساوين أمام الدولة، لكن في الماضي هناك من اعتقد أن بعض الناس لديها "دم أزرق" مثلا، ولذلك يجب أن يكونوا ملوكا، بمعنى أن كل مفاهيم المساواة وحقوق الإنسان هي مفاهيم حديثة لا يجوز إسقاطها على التاريخ.

ولكن نستطيع القول إن الشرق وشماليّ أفريقيا كانا، عمومًا، أكثر تسامحا وانفتاحا على الآخرين، وأقصد، في هذا السّياق، المسيحيين واليهود العرب، حتى أنّ وضع اليهود كان أفضل من وضع المسيحيين الذي تأثر في مراحل معينة من الاحتلالات الغربية والحملات الصليبية. وباستثناء الفترة الفاطميّة، التي شهدت نوعا من الاستبداد في عهد الحاكم بأمر الله، وهو استبداد شمل جميع فئات الشعب، فإنّ الشرق كان خاليا من الاستبداد الذي شهدته أوروبا.

عرب 48: قد تكون الأمور انقلبت اليوم؟

عبد الحق: مقارنة مع أوروبا التي كان يمنع فيها اليهود من ممارسة مهنٍ معينة وعاشوا فيها بالغيتوات، فإنّ اليهود عاشوا في الشرق بدون "لا سامية" وبدون مذابح وتمكنوا من ممارسة حياتهم ومهنهم وطقوسهم الدينيّة بحريّة، وتكفي الإشارة إلى أنّه في القاهرة وحدها كان هناك 18 معبدًا يهوديًا كبيرًا، عدا المعابد الصغار، وأن اليهود شغلوا مناصب وزارية رفيعة في مصر والمغرب وغيرها من الدول.

عرب 48: لكن هناك من يدعي اليوم أنّ الدين والتاريخ الإسلامييّن هما دين وتاريخ دمويان؟

عبد الحق: تلك دراسات حديثة تحاول أن تسقط "تناقضات الحاضر" على التاريخ للحصول على تأييد لوجهات نظرها السياسية المعادية للعرب والمسلمين عبر تضخيم أحداث هامشية معيّنة، مثل تعظيم الخلاف بين النبي محمد وبني قريظة وغيرها لإثبات توجهاتهم السياسية المعادية.

وفي هذا السياق، فإنّ التاريخ الحديث، باستثناء أحداث "الفرهود"، التي وقعت عام 1941 في العراق وسط الفوضى التي أعقبت سقوط حكومة رشيد الكيلاني، وراح ضحيتها 175 يهوديًا، لم يشهد أعمال عنف ضد اليهود، وإن كانت قد أحرقت محلات يهودية في حريق القاهرة الذي وقع عام 1952، فقد ثبت، لاحقًا، أن الاعتداءات شملت، أيضًا، أجانب ومقربين من الملك وحتى محلات مصرية.

عرب 48: هل هذا يعني أنّ اليهود كانوا مقربين من الملك؟

عبد الحق: بعض اليهود كانوا يحظون بمكانة لدى الملك، فصرّاف الملك، مثلا، كان يهوديا. علما أنه بعكس أوروبا، فإنّ المرابين لم يقتصروا على اليهود لأن نظام الربح المالي المعمول به لدى اليهود هو نظام إسلامي أو العكس، وبهذا المعنى لم يحتكر اليهود هذا المجال كما هو الحال في أوروبا، وفي مصر، مثلًا، كان اليونانيون هم المرابون الصغار، أصحاب البقالة الذي يقرضون الناس ويكسبون من وراء ذلك.

علما بأنّ اليهود كانوا على دراية أكثر من غيرهم بحال السوق خارج مصر، فإذا ما حدثت أزمة مالية في جنوة يعرفون بها أولا بحكم العلاقات الخاصة التي تربط بينهم كأقلية، فهم يتزوجون من بعضهم البعض ويلتقون في المعابد الخاصة بهم، والخطوط مفتوحة بينهم عبر صيدا والإسكندرية وموانئ المغرب العربي في نقل البضائع والمعلومات والأموال.

عرب 48: كل ذلك تغير مع قدوم الحركة الصهيونية، التي هي حركة غربية المنشأ، لم تعترف بداية بيهود الشرق وتعاملت معهم باستعلاء وما زالت، وعندما احتاجتهم كمادة خام لم تتورع عن دقّ الأسافين واستخدام كافة الأساليب لزعزعة حالة الاستقرار التي تمتعوا بها والدفع باتجاه هجرتهم إلى الدولة التي أقامتها في فلسطين؟

عبد الحق: صحيح، يضاف إلى ذلك في كثير من الحالات تعاون وتواطؤ الحكام العرب الذين لعبوا لصالحها وسهّلوا، في المحصّلة، تحقيق أهدافها، ومن الأمثلة البارزة: قانون إسقاط الجنسية في العراق وتسهيل خروج يهود اليمن والمغرب وغيرها الكثير.

أما في مصر، فإنّ هجرة اليهود لم تحدث في 1952 بسبب ثورة عبد الناصر، كما هو سائد، بل في الـ1954 وفي الـ56، بـتأثير أجواء العدوان الثلاثي، ونظرًا إلى أنّ الكثير من اليهود كانوا يحملون جوازات بريطانية، ولكن في كل الحالات، فإن خروجهم يعتبر فشلا للنظام المصري، أيضًا.


د. نجاة عبد الحقّ: حاصلة على درجة البكالوريوس في الاقتصاد عام 1996من جامعة بير زيت، وعلى شهادة دبلوم في الاقتصادوالعلاقات الدوليّة من جامعة لايبزيغ في ألمانيا. عام 2012. نالت شهادة الدكتوراه في موضوع دور الأقليّات في اقتصاد مصر بين الأعوام 1885-1960في قسم التاريخ الحديث وسياسات الشرق الأوسط في جامعة فريدريخ ألكسندر في مدينة إيرلنغن في ألمانيا. وتعمل منذ عام 2015، محاضرة في جامعة فريدريخ ألكسندر ومديرة مشاريع في عدد من المؤسسات الألمانية.