حسان: غياب التربية للقيم والهوية الوطنية سبّب العنف في المدارس

حسان: غياب التربية للقيم والهوية الوطنية سبّب العنف في المدارس
توضيحية (pixabay)

أكد رئيس لجنة متابعة التعليم العربي، المربي شرف حسان، أن ظاهرة العنف في المدارس تتفاقم بشكل مقلق، على الرغم من عدم وجود معطيات تشير إلى ارتفاعها.

وقال حسان، في مقابلة أجراها لـ"عرب 48"، إن "العنف عامة والجريمة المنظمة في المجتمع العربي، في ارتفاع مستمر من عام إلى آخر، ومعها بالطبع يرتفع العنف في المؤسسات التعليمية، وتزداد شرعيتها (أعمال العنف)"، مؤكدا على أن العديد من حوادث العنف في المدارس لا تصل إلى الإعلام، ويتم احتواؤها في الأطر المحلية.

شرف حسان (عرب 48)

"عرب 48": أليس بالإمكان الحد من العنف ولو بشكل جزئي بواسطة منع الطلاب من حيازة السكاكين والأدوات الحادة وعبوات الغاز المسيل للدموع داخل المدارس؟

حسان: الحلول يجب أن تكون على عدد من المستويات وهي لا تمارس بشكل صحيح، فالجريمة المنظمة هي من مسؤولية الشرطة وفقط الشرطة تستطيع مكافحتها، وكلنا يعرف أن الشرطة لا تقوم بدورها. الأمر الثاني هو الحاجة للتجند المجتمعي، فلا يعقل أن نقف عاجزين ونجلس ننتظر الحل من الشرطة ونحن على ثقة بأن الشرطة لن تنقذنا من هذا الوضع.

"عرب 48": عندما نصل إلى قناعة بأن الشرطة لن تفعل شيئًا إزاء الوضع الراهن، وربما هي معنية بهذا التدهور، كيف يجب علينا أن نتحرك؟

حسان: صحيح، لا ينبغي أن نقف عاجزين وننتظر الجريمة القادمة، علينا أن نأخذ زمام المبادرة، وأن تتنظم لجان أولياء أمور الطلاب وتأخذ دورها في المدارس، وتتواجد يوميا بشكل منظم وفق برنامج عمل واضح، ما دامت سلطات حفظ الأمن والأمان لا تقوم بدورها.

الرسالة بهذا القرار هي رسالة كبيرة جدا، ومفادها بأننا كمجتمع متضرر نأخذ زمام المبادرة ونقوم بما لا تقوم به الشرطة والدولة، وهذا أمر يجب أن نتبناه على مستوى البلدات العربية. يجن أن ننتظم في لجان شعبية ولجان لمنع العنف والتواجد في المدارس وأمام المدارس، ونعزز من التوعية لدى الطلاب لمنع مثل هذه الظواهر، مثل إدخال أسلحة وأدوات حادة إلى المدارس.

"عرب 48": هل هنالك مخطط واضح أو مشروع بعيد الأمد، يحمل رؤية للحد من العنف في المدارس؟

حسان: هنالك عدة لجان تعمل على بلورة موقف حول ماذا يجب أن نفعل، مثلا هنالك لجنة تحاول أن تبلور إستراتيجية للحد من العنف في المجتمع، وهذه اللجنة تلتئم من حين لآخر، وتعمل على بلورة إستراتيجية شاملة لمنع العنف، وتضم اللجنة عددا من الأخصائيين والباحثين والمهنيين والناشطين على مستويات أكاديمية.

أضف إلى ذلك أننا في لجنة متابعة التعليم، بلورنا في الفترة الأخيرة، مشروعًا كاملًا لمحاربة العنف، ولكن نحن نسعى لتجنيد الأموال لهذا المشروع، والهدف منه هو تزويد طواقم التعليم بأدوات حول ماذا يجب أن نفعل للتقليل من العنف والتثقيف بشكل أكثر نجاعة لمواجهة العنف واستنهاض القدرات داخل مجتمعنا.

الرسالة واضحة، وهي أن لا نقف عاجزين وننتظر الحلول من أجسام أخرى لتقوم بواجبها، بل نأخذ زمام المبادرة كمجتمع عربي على المستوى الشعبي وعلى مستوى السلطات المحلية العربية والمؤسسات التربوية.

"عرب 48": ما حجم دور الأهل من هذا التدهور الحاصل، من خلال عدم مراقبة سلوك الأبناء في الانكشاف على ألعاب العنف وأفلام ومسلسلات تلفزيونية تغذي سلوك العنف؟

حسان: نعم، كما قلت لك، العنف في المدارس هو امتداد للعنف في المجتمع، وهذا العنف موجود داخل العائلة وفي الإعلام وفي الألعاب، كلها تعلم الطالب العنف وتدفعه إلى ممارستها. وهنالك نقطة يجب التركيز عليها، وهي أن الطالب يتعلم العنف من السياسيين أيضا، شاهد الحملات الانتخابية في السلطات المحلية وكم التحريض الهائل الموجود في هذه الحملات وما تحمله من عنف فكري وجسدي ينعكس على الشارع وكم هي الأمثلة كثيرة.

التعصب العائلي والتعصب للمرشحين كل ذلك يولد عنفا لدى الطلاب. لذلك أنا أدعو إلى مراقبة ومراجعة ذاتية صعبة وقاسية، لأننا جميعا نتحمل هذه المسؤولية. العنف لا يأتي من فراغ بل هنالك الكثير من مسببات العنف تحيط بمجتمعنا ومن الواضح أن الظروف الاقتصادية أيضا تلعب دورا والضغوط السياسية وسياسات التمييز التي تنعكس على التخطيط والبناء والضغط الذي يرزح تحته مجتمعنا العربي، هذا عامل يجب ألا نتناساه. لكن من جهة أخرى، العنف للأسف موجود في كل المستويات، ما يمثل للأولاد ‘شرعية‘ لأعمالهم العنيفة.

مجتمعنا ليس مجتمع ملائكة وفجأة ظهر فيه طلاب عنيفون، لذلك يجب أن نحاسب أنفسنا ونأخذ زمام المبادرة كما قلت. ويجب أن نميز بين العنف وبين الجريمة المنظمة. في مجال الجريمة المنظمة نحن كمجتمع يمكن أن نفعل الكثير للحد منها ولمنع سقوط شباب جدد في شرك عائلات الإجرام، عن طريق التثقيف واستيعاب الطلاب في الأطر التربوية. لكن الجهد الأساسي لمواجهة الجريمة المنظمة هو من مهمة أجهزة الدولة، وواجبنا الضغط على الشرطة وهذه الأجهزة للقيام بواجبها بواسطة مبادرات احتجاجية.

أما بالنسبة للعنف كسلوك فردي أو جماعي، اعتقد أن مواجهته يجب أن تكون في التربية على القيم، الانتماء والهوية الوطنية وحالة الاغتراب الموجودة في المدارس التي تشجع على حالات العنف. لا يمكن أن تقوم المدرسة بمواجهة العنف للطلاب دون أن تعزز قيم الانتماء والهوية الوطنية في المجتمع.

للأسف الشديد فإن مناهج التعليم تتجاهل هويتنا، وتتجاهل حاجتنا في التربية على القيم، وبالتالي هي تعمق ظاهرة الاغتراب بين المدرسة والمجتمع، وتضعف دور المدرسة في التربية التي يمكن أن تساهم في لجم العنف.

"عرب 48": أحد المسؤولين الكبار في سلك القضاء، صرح هذا الأسبوع بأن وضع مناهج التعليم العربية "كارثي". كيف تعقب على هذا الوصف؟

حسان: مدارسنا تحولت إلى مصانع للعلامات دون تربية للهوية الوطنية ودون تربية للقيم والانتماء، وبالتالي علامات بدون هوية هي "روشيتة" (وصفة) لأزمة قادمة، لذلك بما أن المناهج تتجاهل هذا الأمر فإنني أتوقع وأطلب وأعتقد أنه من المفروض على المعلم أن يقوم بواجبه من خلال القيام بالدور التربوي كما يجب.

"عرب 48": ألا تعتقد أن القوانين التي أدخلت على جهاز التعليم تنتزع من المعلم صفة المربي، وتجعله لا يبالي بالطلاب سواء أرادوا أن يتعلموا أو أن يغادروا مقاعد الدراسة؟!

حسان: صحيح أن هنالك ضغوطات مؤسساتية وبنيوية تضغط بأن يقتصر دور المعلم على تحضير الطالب للامتحان، مثل أن نقيم المعلم على أساس علامات طلابه فقط، وأيضا هنالك مناهج التعليم التي لا تتطرق ولا تعترف باحتياجاتنا وما إلى ذلك. ولكن مع كل هذا أعتقد أن هنالك حيزًا معينًا يستطيع المعلم أن يمارسه من خلاله دوره التربوي، لا يستطيع أحد أن يمنع المعلم من القيام بدوره التربوي بشكل مهني إذا ما أراد.

واجب المعلم إطلاع الطالب على وجهات نظر مختلفة وواجب المعلم تعليم الطلاب أن يسألوا وكيف يوجهوا الأسئلة وكيف ينتقدوا، وأن يكشفهم على مصادر وآراء جديدة في مجتمعنا، ومناقشة أحداث من روح مجتمعنا، لا يمكن ألا يقوم المعلم بدوره في التربية السياسية كما يجب، وبالأساس أن يكون مثالا يحتذى به. هذا هو الأساس في التربية للقيم وللهوية، فأنت لا تستطيع أن تتحدث في هذه المواضيع إن لم تكن أنت مربيا مثقفا وأن تأخذ دورك في المجتمع كما تنتظر من طلابك.

لذلك فإننا في لجنة متابعة التعليم، نقوم في الفترة الأخيرة بتوسع عملنا بين جمهور المعلمين، نحاول تأطيرهم من خلال منتديات 

عقدنا في الأسبوع الماضي مؤتمرا للمعلمين العرب حضره حوالي 200 معلم، وهو أمر جيد، حيث جاء المؤتمر في يوم عطلة المعلمين، بمعنى أنه ليس بدعوة من مفتش بل بمبادرة خارج إطار وزارة المعارف، وعلى الرغم من ذلك حقق نجاحا لافتًا، ما يشير إلى وجود رغبة لدى المعلمين لأخذ هذا الدور المثقف للمعلم، الأمر الذي نفتقده للأسف في الآونة الأخيرة.