70 عاما على النكبة: الهدنة الأولى عام 1948 (20)

70 عاما على النكبة: الهدنة الأولى عام 1948 (20)
استغلت العصابات الصهيونية الهدنة لتعزيز قوتها (أرشيف الجيش الإسرائيلي)

قصة الهدنة اللا هدنة 1948
 


رغم الخسارات التي منيت بها القوات العربية في بداية المعارك، كما حصل مع الجيش السوري في معركة "دچانيا أ" و"دچانيا ب"، أو الجيش العراقي في معركة "چيشر" وكوكب أبو الهوى، وما حصل للجيش المصري في معركة الدنجور ومعركة "كفار داروم"، أو فشل الجيش الاردني في احتلال عمارة "النوتردام" في القدس، إلا أن هذه الجيوش استطاعت أن تتقدم وتكبد "الهاغاناه" خسارات فادحة، وتفوز في عدة معارك طاحنة ومصيرية، رغم قلة جنودها المشاركة في المعركة وضعف إمكانياتها ورداءة عتادها.

كذلك أصبحت الدولة الصهيونية المعلنة حديثا، في وضع محرج للغاية، وأصبح "الخطر" العربي الداهم قريبا منها، ومحاصرا لها من جميع الجهات، ولو حصل المقاتلون العرب على القليل من الإمدادات لاستطاعوا تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة، ولكن هيهات، في ظل الحصار العسكري البريطاني والأميركي المفروض على الأطراف المشاركة في الحرب، وعدم وجود الإرادة العربية الموحدة من أجل تنفيذ التحرير الشامل، إذ أن أغلبية الدول اتخذت مواقع دفاعية، أملا في المحافظة على مواقعها، بدل أن تتحضر لهجوم كبير منظم من أجل استكمال الهدف المعلن جماهيريا، ألا وهو إسقاط مشروع الدولة اليهودية، وبدل ذلك وافقت الدول العربية على الهدنة التي أرادتها الأمم المتحدة، والتي دخلت حيز التنفيذ في ١١ حزيران / يونيو ١٩٤٨، وكان المستفيد الأول منها هو الجانب الصهيوني، الذي استعاد أنفاسه خلالها، ورتب أوراقه من جديد، وجعلها نقطة تحول خطيرة في تاريخ حرب عام ١٩٤٨.

الوضع الميداني عشية الهدنة

كل ما تقدم لا يعني أن العرب كانوا قد حققوا انتصارات باهرة، بل إنهم فقدوا فرصتهم الأخيرة من أجل حسم المعركة مع الكيان الصهيوني الناشئ، الذي "يشتد عوده" شيئا فشيئا، عن طريق التجربة القتالية منذ أشهر عديدة، وأسلحة قادمة من وراء البحار بكميات كبيرة، ومهاجرين جدد يضمون فيما بينهم الكثير من العناصر القتالية المجربة التي تستطيع أن تشارك في القتال بسرعة فائقة.

في بداية المعارك، كان العرب متفوقين في جودة الأسلحة ونوعيتها من مدرعات وسلاح جو، وكان بإمكانهم أن يحتلوا مناطق واسعة من أرض فلسطين المعدة لتكون جزءًا من الدولة العبرية، ولكنهم وبسبب التخطيط السيئ والتحضير الناقص وعدم التنسيق فيما بين الجيوش العربية، لم يتقدموا بما فيه الكفاية: السوريون تحصنوا غربي حدود فلسطين، وحققوا تقدما طفيفا باحتلالهم مستعمرة "مشمار هياردين"؛ العراقيون والأردنيون سيطروا على مناطق ما يسمى اليوم بالضفة الغربية، والمثلث ومنطقة اللد والرملة، وكلها كانت معدة لأن تكون جزءا من الدولة العربية حسب قرار التقسيم، والإنجاز الوحيد كان تحرير البلدة القديمة في القدس، أو بالحري منع الصهاينة من السيطرة عليها؛ أما الجيش المصري فقد وصل أقصى الحدود الشمالية للدولة العربية، حسب قرار التقسيم، بوصوله إلى أسدود والسيطرة عليها، واستطاع كذلك أن يحاصر مستعمرات النقب ولواء النقب التابع لـ"الهاغاناه".

أما الدولة الصهيونية، ورغم الخسارات الفادحة التي منيت بها في أرض المعركة، حيث سقطت بعض المستعمرات في أيدي الجيوش العربية، ومنيت الهاغاناه بهزائم كبيرة أدت إلى خسائر كبير في الأرواح والعتاد، إلا أنها استطاعت أن تستغل أن مدينة يافا معزولة عن العرب فتحتلها، وتحتل عكا ومنطقة الجليل الغربي، ومناطق واسعة بين القدس وتل أبيب، وكلها كانت معدة للدولة العربية، أي أن الصهاينة تجاوزوا حدود الدولة اليهودية، حسب قرار التقسيم، وقاموا بتوسيعها على حساب المناطق المخصصة للعرب.

تحول الصهاينة من الدفاع إلى الهجوم

أما الإنجاز الأكبر للدولة الصهيونية، وبالرغم من الهزائم النكراء التي منيت بها قوات الهاغاناه والعصابات الصهيونية الأخرى، فكانت وقف الزحف العربي بواسطة التحول من الدفاع إلى الهجوم، في ست هجمات مضادة باءت كلها بالفشل، وتكبدت إسرائيل في جميعها خسائر فادحة وأليمة أمام شجاعة وقوة الدفاعات العربية، ثلاث منها كانت ضد الجيش الأردني في منطقة اللطرون وباب الواد: الأولى كانت في ليلة ٢٤-٢٥ أيار / مايو ١٩٤٨، بما يسمى صهيونيا بحملة "بن نون أ"، ونفذ الهجوم بواسطة اللواء السابع بقيادة شلومو شامير، وتكبدت فيه القوات المهاجمة خسائر فادحة؛ الهجوم الثاني سمي بحملة "بن نون ب" ونفذ في ليلة ٣٠-٣١ أيار / مايو ١٩٤٨ وأيضا بواسطة اللواء السابع، وانتهى هذا الهجوم أيضا بهزيمة نكراء، تماما كما حصل بالهجوم الثالث المسمى حملة "يورام" في ليلة ٨-٩ حزيران / يونيو ١٩٤٧، والذي نفذ بواسطة كتيبتين من لواء "يفتاح" وكتيبة واحدة من لواء "هاريئيل".

كذلك نفذت القوات الصهيونية هجومين مضادين كبيرين ضد القوات المصرية المتمركزة في أسدود، في ليلة ٢-٣ حزيران / يونيو وليلة ٥-٦ حزيران / يونيو ١٩٤٨، حيث اشترك في الهجومين ثلاثة كتائب من لواء "چولاني" ولواء النقب، واستعملت فيها مدافع ٦٥ مم، وراجمات قذائف ثقيلة، وكتيبة سيارات "چيب"، ولكن الهجومين فشلا فشلا ذريعا. في جنين أيضا حاولت القوات الصهيونية كسر شوكة الجيش العراقي، بواسطة هجوم واسع نفذته ثلاث كتائب مشاة وسريتان من لواء "كرملي"، واستعملت فيه المصفحات والمدفعية عيار ٦٥ مم، واستمر القتال لمدة أربعة ايّام بين ١-٤ حزيران / يونيو ١٩٤٨، وانتهى بهزيمة كبيرة للهاغاناه، ولكنها رغم ذلك استفادت من توسيع رقعة الأرض الصهيونية بواسطة احتلال أراض وقرى جنوبا من زرعين حتى المقيبلة.

هذه الهجمات وإن منيت كلها بالفشل إلا أنها غيرت سيرورة المعارك إستراتيجيا، إذ تحول الكيان الصهيوني من الدفاع العسكري إلى الهجوم، مما جعل العرب يشعرون بالخطر الداهم، وبحاجتهم إلى تقوية خطوط دفاعهم، والحصول على إمدادات جديدة من عتاد وذخيرة حية، بل وتعزيزات بشرية لتستطيع صد الهجمات الصهيونية، والمحافظة على الإنجازات العسكرية التي حققتها خلال شهر تقريبا من القتال.

الأمم المتحدة تعين وسيطا لوقف الحرب

قرر مجلس الأمن بتاريخ ٢٠ أيار / مايو ١٩٤٨، أن يعين الكونت فولك برنادوت وسيطا دوليا بين العرب واليهود من أجل وقف الحرب الدائرة في فلسطين، وذلك بعد أقل من أسبوع على دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وذلك خوفا على الدولة الصهيونية المعلنة حديثا، بينما وقف نفس المجلس متفرجا خلال فترة الحرب منذ كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٧ بعد قرار التقسيم، وحتى انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، عندما كانت العصابات الصهيونية تصول وتجول وتحتل قرى ومدنا وتدمرها وتطرد أهلها، وتخرق قرار التقسيم الذي أقره نفس المجلس.

كانت بريطانيا والولايات المتحدة هما الدولتان اللتان تحركتا بسرعة بعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، واستصدرتا قرار مجلس الأمن من أجل وقف القتال، ثم مارستا ضغوطا كبيرة على الدول العربية من أجل قبول الهدنة، وحتى يكون الضغط فعالا، امتنعت بريطانيا عن تزويد الاْردن والعراق ومصر بالذخائر والأسلحة، كما وقامت بسحب ضباطها المعارين للجيش العربي الأردني وذلك خلال الحرب، وأوقفت المعونة المالية لنفس الجيش رغم أنها منصوصة في المعاهدة الأردنية البريطانية.

كان فولك برنادوت أحد أفراد العائلة الملكية السويدية، ونائب رئيس الصليب الأحمر السويدي، لا يعرف أي شيء عن النزاع العربي الصهيوني، وبسبب تعيينه السريع على يد الأمين العام للأمم المتحدة في تلك الأثناء، تريچڤا لي، النرويجي، لم تكن لديه، أي لبرنادوت، الإمكانية للاطلاع على ما يحدث في الشرق الأوسط، أو عن جذور الصراع، أو ماذا يحدث على أرض الواقع، قبل البدء بالمهمة الطارئة والمستعجلة من وجهة نظر مجلس الأمن، وعلى رأسه بريطانيا والولايات المتحدة.

سافر الكونت برنادوت إلى باريس بتاريخ ٢٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، وهناك خلال يومين التقى بموظفين حكوميين بريطانيين وفرنسيين، وقيادات صهيونية، وعمال من المنظمة العالمية التي عينته. أما اللقاء الأهم فكان مع نائبه المعين أيضا من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، وهو المثقف الأميركي رالف بانش الذي كان كان موظفا رفيعا في منظمة "الأونسكوب"، وكان على العكس من الكونت السويدي يعرف القضية الفلسطينية معرفة عميقة، وكان انطباعه الأول عن برنادوت أنه قدم وزوجته وكأنهما ذاهبان إلى حفلة، وعندما سأله الوسيط: "ماذا يريدون مني أن أفعل في فلسطين؟"، أجابه قائلا: "عليك وقف الحرب الدائرة هناك"، "وكيف يتم ذلك؟"، سأل الكونت برنادوت، "بأيدٍ عارية With bare hands"، قال نائبه "بانش".

قرارات مجلس الأمن بخصوص الهدنة

في ٢٢ أيار / مايو ١٩٤٨، اتخذ مجلس الأمن قرارا يدعو فيه أطراف الحرب في فلسطين، إلى وقف القتال خلال ست وثلاثين ساعة بدءًا من ليلة ٢٢-٢٣ أيار/ مايو. لكن العرب رفضوا هذا النداء، وقرروا الاستمرار في المعارك والحصول على أكبر قدر من المكاسب الحربية، معلنين أنه ليست هناك حرب رسمية بين دولتين، بل إنها حرب دول ضد عصابات فتكت بالسكان العرب وشردتهم، وكذلك فإن وقف الحرب من شأنه أن يشكل خطرا على سلامة الجيوش النظامية، ويسهل الطريق من أجل تثبيت الدولة اليهودية المزعومة، ويمنع إقامة الدولة الفلسطينية الموحدة. أما اليهود فقد وافقوا فورا على الهدنة لأنها تمنع العرب من التقدم في الحرب، وتعطيهم فرصة من أجل الاستمرار في مشاريعهم التوسعية وتثبيت دعائم دولتهم المعلنة حديثا.

ازداد ضغط مجلس الأمن، وخصوصا بريطانيا والولايات المتحدة، على العرب لقبول الهدنة، وأوقفت بريطانيا إرسال الذخيرة والأسلحة للأردن والعراق ومصر، وأوقفت المعونات المالية المقدمة للجيش الأردني من أجل إجبار الدول العربية للموافقة على الهدنة، ولكن مصر وسورية رفضتا اقتراح الهدنة بشدة، لاعتقادهما بإمكانية تحقيق انتصارات عسكرية إذا استمرت الحرب، بينما وافقت عليها الاْردن بسبب أنها سيطرت على مساحات كبيرة في الضفة الغربية مما اعتبرته كافيا في هذه المرحلة، أما العراق فكانت تتأرجح بين الموافقة والرفض، وذلك بسبب الهزائم التي منيت فيها في أرض المعركة، مما منعها من الموافقة على وقف القتال، ولكنها كانت توّد أن تجبرها الدول العظمى على وقف القتال، خوفا من هزائم أخرى، ولكنها في هذه الحالة تحافظ على ماء وجهها، كما قال عبد الإله بن علي الهاشمي الولي على عرش العراق، لعضو برلمان بريطاني كان قد قابله في بغداد: "ممنوع أن نهزم على يد اليهود، لا يمكن لنا أن نقبل بذلك، أنا مستعد للذهاب بنفسي إلى أرض المعركة، ولكن وقف الحرب عن طريق الأمم المتحدة أو الدول العظمى هو شأن آخر".

في ٢٩ أيار / مايو ١٩٤٨، وبعد الضغط الكبير على الدول العربية، أقر مجلس الأمن اقتراحا بريطانيا بوقف الحرب لمدة أربعة أسابيع (قرار رقم ٥٠، جلسة رقم ٣١٠)، على أن يتوقف إدخال قوات عسكرية من الطرفين إلى مسرح العمليات، ويمنع استيراد أية أسلحة أو ذخائر إضافية لأي طرف، وأن يتم تزويد مدينة القدس "اليهودية" المحاصرة بالمياه والمؤن خلال فترة الهدنة، وذلك تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي. كان القرار يقضي بأن تبلغ حكومات الدول المعنية مجلس الأمن بالرفض أو القبول للقرار حتى موعد أقصاه الأول من حزيران / يونيو ١٩٤٨.

تحركات مكوكية وإعلان هدنة

وصل الكونت برنادوت ونائبه بانش إلى القاهرة بتاريخ ٢٨ أيار/ مايو ١٩٤٨، وهناك أصرت القيادة المصرية على عدم قبول قيام دولة يهودية في فلسطين، ولكنها صرحت أن من شأنها أن تقبل بهدنة قصيرة الأمد، مما شجع الكونت برنادوت على الاستمرار بنشاط وهمة، حيث سافر بعدها إلى تل أبيب، وقابل بن غوريون الذي تحدث عن مشاكل كثيرة من شأنها منع نجاح الهدنة، ولكنه رغم ذلك أعلن عن استعداد إسرائيل لقبول هدنة مع الدول العربية، ولكن بشرط أن قبول الدولة اليهودية المعلنة حديثا، صار أمرا مفروغا منه.

بعدها في الأول من حزيران/ يونيو التقى برنادوت بالملك عبد الله في عمان، الذي كان موافقا على عقد الهدنة، بل إن الاْردن كان له دور كبير في إقناع الدول العربية الأخرى بالموافقة على اقتراح مجلس الأمن والوسيط الأممي، إذ اجتمع القادة والسياسيون العرب في عمان في نفس اليوم الذي قدم فيه برنادوت إليها، من أجل بحث موضوع قبول الهدنة، ثم انتقلوا إلى بلدة عالية في لبنان، وهناك تمت الموافقة على الهدنة بتاريخ ٧ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وأبلغ الكونت برنادوت بالقرار في اليوم نفسه.

في التاسع من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، أعلن الوسيط الدولي أن الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل ستبدأ عند الساعة السادسة صباحا من يوم الجمعة الموافق ١١ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، على أن تستمر لمدة اربعة أسابيع حتى صباح التاسع من تموز/ يوليو ١٩٤٨.

نجح الوسيط الدولي برنادوت في مهمته الأولى من أجل هدنة بين جميع الأطراف المتنازعة، وابتدأت الهدنة في يوم موعدها المقرر بتأخير لبضع ساعات في بعض الجبهات، وربما تم خرق الهدنة في الكثير من الأحيان، خاصة من الجانب الصهيوني، الذي اعتبر الهدنة بمثابة فرصة ذهبية عليه استغلالها حتى النهاية، ففي ١٨ حزيران/ يونيو ١٩٤٨ وفِي اجتماع لقيادات الوحدات العسكرية الصهيونية، قال موشي كرمل قائد لواء "كرميلي": "وقعت علينا الهدنة كالندى من السماء". توقفت المعارك الأساسية الطاحنة، وابتدأ الطرف الصهيوني بالتحضير لما بعد الهدنة، أما العرب فقد خسروا المبادرة العسكرية في كل الجبهات، ليس هذا فحسب بل إنهم لم يفعلوا شيئا يذكر، يجعلهم يغيرون مجرى المعارك بعد الهدنة. وقد وصف جمال عبد الناصر ذلك في مذكراته: "وظهر التراخي على مواقعنا، بينما تضج الناحية الأخرى بما يمكن أن يكون نقيضاً له في كل شيء"، وعندما كان يراقب الصهاينة من برج عال في أسدود، ويمد بصره إلى الناحية الأخرى، وجد أن الناحية الأخرى "لم يكن عليها هدوء، لم تحكمها هدنة، كان النهار يكشف لنا حركة متصلة، وكان الليل يفشي أسرارا، يحاول أصحابها إخفاءها تحت ستر الظلام".

إسرائيل تستفيد من الهدنة

ابتدأت القيادة الصهيونية، وعلى رأسها داڤيد بن غوريون، تحضيراتها العسكرية الحثيثة لما بعد الهدنة، وتركز الجهد العسكري في ثلاثة أمور أساسية، أولا تنظيم قوات الهاغاناه في الجبهة بحيث تتحول إلى جيش حقيقي؛ ثانيا تزويد هذا الجيش بأسلحة حديثة وثقيلة وذخيرة كافية من أجل صد القوات العربية والانتصار عليها؛ أما الأمر الثالث فهو زيادة عدد الجنود وتعظيم حجم القوات بحيث تكون كافية من أجل الحرب على كافة الجبهات.

من أجل ذلك اجتمع بن غوريون بكافة قادة الألوية وذلك في ١٨ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وتقرر أن يبدأ العمل بوحدات فوق الألوية أو ما يسمى بالجبهات، وحددت الجبهات الأربعة الرئيسية: الجبهة الشمالية في مواجهة الجيش السوري واللبناني، وجبهة ما يسمى بعنق الزجاجة في المنطقة الواقعة بين الخضيرة ومستعمرة "بيتح تكفا" المجاورة لتل أبيب، وجبهة الوسط أي تل أبيب والقدس في مواجهة الجيش العراقي والأردني، وجبهة الجنوب والنقب في مواجهة الجيش المصري.

كان بن غوريون يفضل قيادات مهنية ملائمة ممن خدموا في الجيش البريطاني، ولَم يكن يريد القيادات التاريخية للهاغاناه والبلماح، ولذلك حدث خلاف بينه وبين القيادات العسكرية مما سمي بتمرد الضباط الذين استقالوا احتجاجا على عدم ثقة رئيس الحكومة ووزير الدفاع بهم، وانتهت الأزمة بعد أن قدم بن غوريون تنازلات عديدة، بعد أن تلقى صدمة من تصرف قيادات جنده.

في سلاح الجو الإسرائيلي، تمت إضافة الكثير من الطائرات الحربية القادمة من تشيكوسلوفاكيا من نوع "ميسرشميت" و"سبيتفاير"، وبعدها طائرات نقل من الولايات المتحدة بطرق سرية، وثلاث طائرات من نوع "ب-١٧".

يشير بن غوريون في يومياته إلى وصول طائرة "سي-٤٩" (كونستيليشن) مع آلات إطلاق نار وقطع غيار، وطائرتين من من نوع "دي سي-٤" (سكاي ماستر)، وطائرة "سي ٤٦" (كوماندو) مع تجهيزات في ليلة ٢٥ حزيران/ يونيو، وطائرة "كوماندو" مع آلات إطلاق نار في ليلة ٢٤ وليلة ٢٢ من نفس الشهر، وطائرة "ميسر شميت" وطائرتي "كوماندو" في ليلة ٢٠، وطائرتي "كوماندو" وطائرة "سكاي ماستر" مع آلات إطلاق نار وخبيرين في ليلة ١٩، وكذلك الأمر في ليلة ١٧ حزيران/ يونيو ١٩٤٨.

أما سلاح المدفعية فقد حصل على مدافع عيار ٧٥ ملم من نوع "كروپ"، بالإضافة إلى مدافع عيار ٦٥ ملم، وتم إنشاء أربع كتائب مدفعية لكل منها ٢٤ مدفعا، وكل كتيبة مكونة من ثلاث سرايا كل منها مكونة من ثماني قطع مدفعية وبطاريتين، وكذلك شكل الجيش الإسرائيلي كتيبتي مدفعية ثقيلة عيار ١٢٠ ملم وعيار ٦ إنش، ووحدات أرضية لمدفعية مضادة للطائرات والدبابات.

حتى نهاية الهدنة، كان قد وصل إلى الهاغاناه أو الجيش الصهيوني، أكثر من ٢٥ ألفا من البنادق، وخمسة آلاف مدفع رشاش، وأكثر من مليون طلقة، وكلها من تشيكوسلوفاكيا.

في ٢٧ حزيران/يونيو ١٩٤٨ يذكر بن غوريون في مذكراته شراء ٥٠ مدفعا عيار ٧٥ ملم من صنع "كروپ" في سويسرا مع ألف قذيفة لكل مدفع، و ١٥٠ الف قذيفة عيار ٢٠ ملم مضادة للطائرات. وفِي فرنسا ٥٠ ألف قذيفة لمدفعية ٦٥ ملم، و ٢٤٥ ألف طلقة لهوشكيس، و ١٢ مدفع هاون عيار ١٢٠ ملم مع ٤ آلاف قذيفة، و ١٢ مدفعا مضادا للطائرات عيار ٤٧ ملم. وفِي ألمانيا ١٢ مدفعا عيار ٥٠ ملم مضاد للدبابات، مع ٢١٥٠٠ قذيفة، و ٦ مدافع ميدان عيار ١٠٥ ملم من نوع "شنايدر كروزو" مع ٦ آلاف قذيفة. وفِي المكسيك ٣٥ دبابة وزن الواحدة ١٦ طنا. وأشار أيضا إلى صفقات لم تتم بعد في دول أخرى مثل فنلندا وتشيكوسلوفاكيا. كل هذا يدل على عمل دؤوب بمشاركة أو غض نظر من قبل الدول العظمى التي كان عليها أن تمنع وصول الأسلحة إلى أي طرف كان، كما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم ٥٠ حول الهدنة.

أما تعداد الجيش فوصل إلى أكثر من ٦٥ ألفا من الجنود، بينما كان عند بداية الحرب ما يعادل ٣٠ ألفا. كان أكثر من ١٣ ألفا من الجنود الإضافيين من المهاجؤسن الجدد القادرين على القتال، وحوالي ٤٥٠٠ من المتطوعين اليهود وغير اليهود من الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا وأميركا الجنوبية وغرب أوروبا وإسكندناڤيا، وهؤلاء كانوا قد جربوا الحرب العالمية الثانية وخبروها، ولذلك كانت لهم مساهمة كبيرة في الحرب، إذ أنهم كانوا من اختصاصات مختلفة: بحارة، وأطباء، وطواقم أرضية وطيارين في سلاح الجو، ومن سلاح المدفعية، ومن سلاح المدرعات، وطواقم لوجستية، وطواقم اتصالات، فأثْروا الجيش الصهيوني بشكل كبير. بعد الحرب عادت أغلبيتهم الساحقة إلى بلادها.

طريق بورما وكسر الحصار عن القدس

أحد أكبر الإنجازات الإستراتيجية للدولة الصهيونية في فترة الهدنة، كان فكّ الحصار عن القدس اليهودية، وتزويدها بالمؤن والماء والأسلحة، وبذلك منعت الجيش الأردني الذي يحاصر المدينة ويمنع عنها الإمدادات، من اقتحام المدينة أو إخضاعها لسلطة العرب، وذلك عندما نجح الجيش الصهيوني في فتح طريق بديلة عن الطريق إلى القدس، والتي كانت تمر عن طريق باب الواد واللطرون، اللذين كانا تحت سيطرة الجيش الأردني، ولذلك استمات بن غوريون من أجل نزع السيطرة على اللطرون في ثلاث محاولات فاشلة، كما جاء في بداية هذه الحلقة، (وبشكل موسع في الحلقة رقم ١٩/٥ عن معارك الجيش الأردني في حرب ١٩٤٨، حتى الهدنة الأولى).

بعد فشل الهجوم الأول على اللطرون بما سمي حملة "بن نون أ"، في ٢٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، نفذت الهاغاناه هجوما على القريتين العربيتين بيت جيز وبيت سوسين، واحتلتهما في اليوم التالي، وبذلك أصبح بإمكان سيارات الجيب أن تمر في مسار بديل عن الطريق الرئيسية إلى القدس عن طريق اللطرون، وكان هذا المسار يربط بين كيبوتس "حولدا" (بجانب قرية خولدة العربية) و"كريات عناڤيم" في القدس، وكان إيجاد هذا المسار هو البداية لفتح طريق جديدة، من أجل إيصال الإمدادات القدس، وسميت هذه الطريق فيما بعد بطريق "بورما"، على اسم الطريق السرية التي ربطت بين بورما والصين خلال الحرب اليابانية الصينية في السنوات ١٩٣٧-١٩٣٨، وأعدت هذه من اجل إيصال المؤن إلى الصين خلال الحصار الياباني لها.

في الخامس من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، مرت الشاحنة الصهيونية الأولى على الطريق بمساعدة تراكتور، بسبب وعورة وميل الشارع الجديد، وفِي ١٩ حزيران/ يونيو تم فتح الطريق بالكامل من أجل إمداد القدس "اليهودية" بالمؤن والأسلحة والمقاتلين، بدون أن تخضع لمراقبة الجيش الأردني المرابط في اللطرون، ورغم أن هذا قد اكتشف الطريق التي كانت في مدى نيران مدفعيته، إلا أنه امتنع عن قصف القوافل المارة إلى القدس، حتى لا يضر هذا القصف بالهدنة، وبدلا من ذلك قدم أكثر من احتجاج للوسيط الدولي برنادوت، الذي اعتبر هذا خرقا للهدنة، واحتج بالتالي لدى القيادة العسكرية والسياسية الصهيونية، إلا أن ذلك لم يغير في الأمر شيئا، ولَم يلق استجابة لدى الطرف الصهيوني، بل إن الأمم المتحدة أقرت بوجود هذه الطريق حيث أنها اعتقدت أن الطريق ستمر عبر نقاط التفتيش التي وضعها ممثلو الأمم المتحدة، ولكن قوافل المؤن إلى القدس تجاوزت هذه النقاط بواسطة مسارات التفافية في طريق "بورما". يقدر البعض أن عدد شاحنات المؤن والسلاح التي وصلت إلى القدس خلال فترة الهدنة، تقدر بثمانية آلاف شاحنة، بالإضافة إلى عشرة آلاف رزمة أرسلت من يهود العالم إلى سكان القدس.

ليس هذا فحسب، بل إن اليهود أنشأوا خط مواسير مياه بقطر ١٠ إنشات مع محطتي ضخ، موازٍ لطريق بورما، من أجل نقل الماء من مصدر مياه بجانب قرية خلدة حتى باب الواد، وبذلك تم كسر الحصار عن القدس نهائيا، ومنع العرب من إخضاعها، وأحدث تغييرا جذريا في مسار المعركة حول القدس، مما يؤكد على الخطأ العربي التاريخي بقبول الهدنة قبل الوصول إلى إنجاز كبير في الحرب، مثل تحرير القدس.

خروقات حربية صهيونية للهدنة

استمر الصهاينة في تنفيذ خطتهم القاضية بإفراغ البلاد من سكانها، فيما سموه بعملية "التطهير"، وعمليات الإغارة على القرى العربية، واحتلال مواقع جديدة تمكنهم من تحسين وضعهم العسكري بعد الهدنة. كذلك استغل الصهاينة الهدنة من أجل إقامة مستوطنات جديدة، وتدمير قرى فلسطينية محتلة وحتى أحياء في مدن مختلطة.

قام الجيش الإسرائيلي خلال الهدنة بعمليات تدمير هائلة لقرى عربية طرد سكانها، وأحياء في مدن مختلطة، حيث تم تدمير المغار قرب غديرة، وفجّة قرب "بيتح تكفا"، وبير عدس، ومسكة، وهوشة، والسميرية، والمزار قرب جنين، والمنشية قرب عكا، ودالية الروحاء، والبطيمات، وصبارين، وجعتون، وبيت دجن، وصبارين، وغيرها.

ونفذ الجيش الاسرائيلي أيضا عمليات عسكرية طوال فترة الهدنة، فمثلا في المنطقة الجنوبية الواقعة تحت سيطرة الجيش المصري، هاجمت القوات الصهيونية قرية الحسير شمال الفالوجا واحتلتها، وفِي نفس الوقت هاجمت قوات أخرى قرية الحليقات جنوب شرق المجدل، وقرية بيت دوراس شرق أسدود، وقرية ياسور شمال شرق أسدود واحتلتها وطردت اهلها، وكذلك كان مصير قرية القطاونة، وقرية عبديس، وقرية سمسم. فِي هذه المنطقة فقط كان هناك أكثر من مائة وخمسين مخالفة عسكرية، حيث لم يمر يوم واحد بدون مخالفات، منها ٢٣ مخالفة هجوم مباشر على قرى عربية، واحتلال خمس قرى، وحرق محصولات العرب وسرقة مواشيهم في ٤٣ مخالفة.

وفِي مناطق أخرى تمت مهاجمة قرى مختلفة مثل احتلال البروة بعد دخول الهدنة مباشرة وطرد سكانها، الذين عادوا إليها في ٢٢ حزيران/ يونيو ١٩٤٨ من أجل حصاد محاصيل القمح، ولكن الهاغاناه قامت بالهجوم على القرية في الأيام الثلاثة بعدها، وأتمت احتلال القرية من جديد من أيدي جيش الإنقاذ الذي عاد أيضا إلى القرية بعد عودة سكانها إليها. في ٢٠ حزيران/ يونيو تمت مهاجمة قرية ميعار في الشمال، وتنفيذ مجزرة راح ضحيتها ٤٠ فلسطينيا، ثم قام الجنود الصهاينة بتدمير عدد من البيوت قبل أن ينسحبوا ويعود سكان القرية إليها حتى منتصف تموز/ يوليو ١٩٤٨.

هذا غيض من فيض الخروقات الصهيونية للهدنة تحت سمع ونظر المجتمع الدولي الذي فرض هدنة بدون أن يؤسس نظاما لمراقبة تنفيذها، مما استغله اليهود أحسن استغلال.

بن غوريون يخضع منظمة الإيتسل

في الأول من حزيران / يونيو ١٩٤٨، وقع يسرائيل غاليلي، مساعد بن غوريون، ومناحيم بيغن زعيم منظمة "الإيتسل" (الإرغون)، اتفاقا نص على انضمام جنود الإيتسل إلى الجيش الإسرائيلي المكون حديثا من منظمة الهاغاناه بالأساس، ونص الاتفاق أيضا على حلّ منظمة الإيتسل ما عدا وحدات التنظيم في القدس، أما الوحدات الأخرى فتنضم إلى لواء "ألكسندروني" ولواء "چڤعاتي".

ولكن في تاريخ ٢٠ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، حدث تحول خطير في هذه القضية، عندما قدمت سفينة الإيتسل "ألطالينا" إلى شواطئ تل أبيب، محملة بكمية كبيرة من الأسلحة، كانت عبارة عن خمسة آلاف بندقية، وأربعة ملايين طلقة من عيار ٣٠٣، وثلاثمائة مدفع رشاش من طراز "برن"، وخمسين مدفعا من طراز "هوشكس"، وخمس دبابات، وعدد من السيارات، وآلاف القذائف المضادة للطائرات. كذلك كان على متن السفينة ٩٤٠ مهاجرا جديدا.

طالبت الحكومة الإسرائيلية منظمة الإيتسل بتفريغ الشحنة في شاطئ "كفار ڤيتكين" (شمال نتانيا) وليس في ميناء تل أبيب، حتى لا يعتبر هذا خرقا للهدنة، وكذلك طلبت أن تسلم الأسلحة للجيش الإسرائيلي، ولكن الإيتسل أصر على أن تسلم الأسلحة لوحداته العسكرية، مما أدى إلى وقف تفريغ الأسلحة من السفينة، وأعطيت الأوامر للواء "ألكسندروني" بمحاصرة السفينة ومصادرة كل الأسلحة التي تحملها.

صعد مناحيم بيغن، زعيم الإيتسل، إلى السفينة، ورفض تسليمها للجيش، مما أدى إلى تبادل لإطلاق النار بين الطرفين، تسبب بمقتل ستة من الإيتسل واثنين من الجنود الإسرائيليين.

بعد هذه المعركة القصيرة، هربت السفينة إلى عرض البحر، وأبحرت باتجاه تل أبيب وعلى متنها حوالي مائة من محاربي الإيتسل مع زعيمهم. كان الهدف من الذهاب إلى تل أبيب هو تأليب أعضاء الإيتسل الكثر في المدينة من أجل أجبار الحكومة على تنفيذ مطالب منظمتهم، ولكن بن غوريون كان مصرا على إخضاع الإيتسل لإرادة الجيش، ولذلك أعطى الأوامر لسفينة عسكرية باسم "إيلات ١٦-أ" بملاحقة "ألطالينا" وإطلاق النار عليها، كما كان بانتظارها قوات كبيرة من الجيش على شاطئ تل أبيب، على أهبة الاستعداد لمعركة مع محاربي الإيتسل المتواجدين على سطح السفينة المحاصرة. في النهاية أصدر بن غوريون أوامره بقصف السفينة وإغراقها، وهذا ما تم فعلا عندما قامت المدفعية بقصف السفينة، وأصابتها القذيفة الثالثة واشتعلت فيها النيران، مما ادى إلى إخلائها قبل أن تغرق، خوفا من انفجار القذائف التي تحملها، وفِي نفس الوقت هاجمت وحدة من "البلماح" مقر الإيتسل في تل أبيب وسيطرت عليه.

قتل في هذه المعركة عشرة من مقاتلي الإيتسل، ولكن ذلك لم يكن رادعا لبن غوريون من أجل تثبيت سلطة الجيش الإسرائيلي، فوق كل التنظيمات السابقة، مما كان له اكبر الأثر على أداء هذا الجيش في المعارك القادمة. من الجدير ذكره هنا أن أغلب الأسلحة وصلت إلى أيدي الجيش الإسرائيلي، كما أراد بن غوريون.

الوسيط يقترح حلا دائما

بعد أن أنهى الكونت برنادوت دراسته للوضع في فلسطين، وقع باسمه بتاريخ ٢٦ حزيران/ يونيو ١٩٤٨ في رودس ورقة اقتراحات نصت على الأمور التالية:

١. إسرائيل دولة صغيرة ظهرها للبحر، وتتعرض لهجوم عربي معادٍ من جهات عدة؛
٢. سيطرة الاْردن على المناطق المقترحة للدولة العربية حسب قرار التقسيم هي أمر مفروغ منه؛
٣. حدود قرار التقسيم انتهت، ولأن الوضع العسكري الآني فيه تعادل بين طرفي الصراع، يجب أن يحصل تغيير على اقتراح التقسيم؛
٤. عطفا على ما تقدم، تعين خطوط المناطق العربية واليهودية عن طريق إجراء مفاوضات بين العرب واليهود، وبعد الاتفاق على الحدود تعين لجنة دولية لمراقبة التنفيذ؛
٥. يضم النقب أو جزء منه للمنطقة العربية؛
٦. يضم الجليل الغربي أو جزء منه للمنطقة اليهودية؛
٧. تضم القدس للمنطقة العربية، وتتخذ وسائل وقاية للأماكن المقدسة، ويعطى يهود القدس بلدية مستقلة ذاتيا؛
٨. يعاد النظر في موضوع يافا؛
٩. يعتبر ميناء حيفا ميناء حرا، وكذلك معمل تكرير البترول في حيفا، ومطار اللد؛
١٠. يقام اتحاد بين العرب واليهود، مهمته النهضة الاقتصادية المشتركة للمنطقتين، والقيام بمشروعات تنهض بالبلاد، وتنسيق السياسة الخارجية؛
١١. يشرف كل من الفريقين على شؤونه الخاصة بما في ذلك العلاقات الخارجية، على شرط أن تتماشى مع القواعد التي يفرضها الاتحاد؛
١٢. تعتبر الهجرة من اختصاص الفريقين، على أن يعاد النظر في هذا الأمر بعد عامين من إقامة الاتحاد؛
١٣. يعترف بحق الفلسطينيين الذين هجروا قراهم ومدنهم، بالعودة إلى أماكن سكناهم بدون قيد أو شرط؛
١٤. تمدد الهدنة حتى تحل كل القضايا المذكورة أعلاه.

غضب الصهاينة من الاقتراحات، لانها أعطت العرب مدينة القدس ومنطقة النقب المقررة للدولة اليهودية في قرار التقسيم، وأعلنوا عن رفضهم لهذه الاقتراحات بعد أسبوع من استلامها، ولكنهم وافقوا على تمديد الهدنة لشهر إضافي.

أما العرب الذين تناقشوا طوال فترة الهدنة حول تمديدها أو عدمه، قرروا نهائيا في اجتماع للجامعة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ السادس من تموز / يوليو ١٩٤٨، على رفض تمديد الهدنة والعودة إلى الحرب، وكانت الدولة الوحيدة التي سبحت ضد التيار هي الاْردن التي حققت مرادها من الحرب، ولذلك رفضت بشدة العودة إلى المعارك، ولكنها في النهاية صوتت مع قرار عدم تمديد الهدنة خوفا من وصمها بالخيانة. أما الاعتراف بالدولة اليهودية فلم يكن موضوعا للنقاش، إذ أن الدول العربية كانت مجمعة على رفض شرعية هذه الدولة، وإن لم تتحضر كفاية للعودة للقتال.

انتهاء الهدنة وتجدد القتال

كان رفض الطرفين لمقترحات الوسيط الدولي هو الفاتحة للمعركة القادمة لا محالة، المعركة التي يدخلها طرف صهيوني أحدث تغييرات جمة في قدراته العسكرية واللوجستية، وتعاظمت قوته بما لا يقارن بما كان قبل الهدنة، وطرف عربي لم يستفد من الهدنة بشكل فعلي، إذ لم يحصل على ذخائر وأسلحة جديدة، ولَم يغير في خططه العسكرية والتنسيق بين كافة الجيوش من الدول المشاركة في الحرب، بل إن أكثر ما فعله العرب في فترة الهدنة لا يتجاوز إضافة وحدات جديدة وزج جنود آخرين في المعركة خاصة في الجانب العراقي والمصري، ولكن ذلك لم يسعف العرب في معاركهم القادمة التي تجددت في الثامن من تموز/ يوليو ١٩٤٨، على الجبهة المصرية أولا، وبعد عشرة أيّام أعلنت هدنة أخرى، كما سنرى في الحلقات القادمة.

تصرف العرب في فترة الهدنة يضاف إلى أخطائهم السابقة، عندما أعطوا الصهاينة فرصة الاستفراد بالعرب الفلسطينيين في الأشهر الأولى للحرب، ثم إرسالهم جيوشا متفرقة بعد إعلان الدولة اليهودية، تحارب بدون تنسيق.

خلاصة القول ما قاله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما وصف تصرف الجيوش العربية خلال فترة الهدنة، مقابل تصرف الجانب الصهيوني: "كانت أيّام القتال بالنسبة لنا حربا ولا حرب، وكانت بالنسبة للعدو حربا فقط. وأصبحت أيّام الهدنة بالنسبة لنا سلاما ولا سلام. ولَم تصبح بالنسبة للعدو سلاما قط".


المصادر:

١. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛
٢. أحمد خليفة، حرب فلسطين ١٩٤٧-١٩٤٨، الرواية الإسرائيلية الرسمية، مترجم عن تاريخ الهاغاناه؛
٣. "بيني موريس"، ١٩٤٨ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛
٤. "ألحنان أورن"، حرب "الاستقلال" - أهداف، مراحل، معارك ونتائج، فصل من كتاب حرب "الاستقلال" ١٩٤٨-١٩٤٩ نقاش من جديد، تحرير "ألون قديش"؛
٥. عدة كتاب إسرائيليين، تاريخ "أرض اسرائيل"، المجلد العاشر، تحرير د. يعكوڤ شاڤيط؛
٦. صادق الشرع، حروبنا مع إسرائيل ١٩٤٧-١٩٧٣، معارك خاسرة وانتصارات ضائعة؛
٧. إيلان پاپه، التطهير العرقي في فلسطين؛
٨. جمال عبد الناصر، كلمة صريحة، موعد في الأرض المقدسة؛

٩. أنيتا شاپيرا، يغئال ألون- أڤيڤ حلدو؛
١٠. داڤيد بن غوريون، يوميات الحرب ١٩٤٧-١٩٤٩؛
١١. لواء د. إبراهيم شكيب، حرب فلسطين ١٩٤٨، رؤية مصرية؛
١٢. قضية "ألطالينا"، موقع "البلماح"؛
١٣. عبد الله التل، كارثة فلسطين، مذكرات.