مقابلة | حنين زعبي بين النسوي والسياسي... والوطني

مقابلة | حنين زعبي بين النسوي والسياسي... والوطني
حنين زعبي (أرشيف epa)

* دفعنا ثمن الوحدة من هويتنا الحزبية واليوم نحن أكثر قدرة على الجمع بينهما

* المفاضلة هي بين عمل سياسي وبين عمل واسطات لأفراد وربح شخصي واستعراضي

* أيدنا الإضراب لأنه يحمّل الدولة مسؤولية قتل النساء، وانتقدنا ازدواجية موقف الجهات الداعية

* هناك من يناهض قتل المرأة بصفتها امرأة ويشارك في قتلها بصفتها فلسطينية


ما أن تتجدّد التوقعات في الساحة السياسيّة الإسرائيليّة بقرب إجراء انتخابات مبكّرة، حتى يتجدّد الجدل عربيًا حول القائمة المشتركة، وجدواها ومديات نجاحها، وأي خطّ سياسي تبنّت وأي خطٍ عليها أن تتبنّى. غير أن الجدل حول المشتركة لا يقتصر على خطّها السياسي واحتمالات تراجع قوّتها أو زيادتها، إنما حول تمثيل كل مكون من مكونات المشتركة داخلها، حتى لو أدّى ذلك إلى فرط عقد المشتركة.

ولكن قبل الخوض في المشتركة، والخلافات داخلها، بين من يراها مشروعًا وطنيًا يجب التشبث به، وبين من يراها منصّة لزيادة التمثيل النيابي لا أكثر، لا بد من التطرّق إلى الجدل المثار أخيرًا حول إضراب النساء الأخير، احتجاجًا على جرائم القتل ضدّ النساء.

حول هاتين القضيتين وقضايا أخرى كان هذا الحوار مع النائبة عن التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، حنين زعبي:

عرب 48: اختلفت الآراء حول إضراب النساء الأخير، فهناك من شارك بدون تحفظ وهناك من شارك بتحفظ، وهناك من لم يشارك بادّعاء أنّه إضراب إسرائيلي

زعبي: موقفنا بدعم الإضراب كان واضحًا، فنحن ندعم كل سلوك احتجاجي يعلي قضية المرأة ويستنكر إهمال الدولة وتقاعس الشرطة في مكافحة العنف والجريمة ضدّها، لكنّنا نميّز، في ذات الوقت، بين المنحى الرئيسي للإضراب وبين الجهات التي تضرب دفاعا عن حقوق المرأة، لكنّها لا ترى المرأة في قضايا سياسية عندما تكون المرأة معنّفة من قبل الدولة ومن قبل الجيش الإسرائيلي، وعندما تقمع وتقتل من قبل أفراد هذا الجيش أو أفراد الشرطة الإسرائيلية التي تقوم بهدم بيتها وتشريدها هي وأطفالها.

جزءٌ كبير من تلك الجهات المنظمة لا تقف مع المرأة وتفقد ذاكرتها في ما يتعلق بالخطاب النسوي، بل تجتزّئ الخطاب النسوي، فهي تعترف بها كامرأة ولا تعترف بها كفلسطينية، تعترف بها كفرد ولا تعترف بكينونتها وهويتها الجماعية.

في القدس... (أرشيف أ ف ب)

هذا الخطاب ليس خطابًا تحرريًا، وإنما خطاب قمعي مجزوء ويعاني من انفصام داخلي، وبالتالي نحن وجهّنا رسالتين، فمن ناحيةٍ دعمنا الإضراب للأسباب التي ذكرتها آنفا، ومن الناحية الأخرى، انتقدنا الجهات الداعية للإضراب التي تحمل خطابا مزدوجا يقوم بتجزئة قيمة العذاب وقيمة الحرية، وانتقدنا الدور الذي تلعبه هذه المنظمات عندما تشارك بنفسها في عملية قمع المرأة بصفتها فلسطينية.

التجمع كان واضحًا فهو لم يخلط الأوراق ولم يتّخذ موقفا سلبيا من الإضراب دون مبرر ودون مسوّغ، وفي نفس الوقت، لا يتبنّى موقف ومنطق الجهات الإسرائيلية الداعية للإضراب.

عرب 48: أنتم، وبعكس آخرين، تتقاطعون مع هذه المنظمات في القضية المدنية المتعلقة بالمرأة، وتختلفون معها في الوجه الوطني من القضية

زعبي: نتفق مع مطلب هذه المنظمات المتعلق بإهمال الدولة وتقاعس الشرطة، ونختلف مع إستراتيجيّة عملها، بل نراها خطيرة بكل ما يتعلق بمفاهيم العدالة والحرية، ونرى أنّها جزء من منظومة قمع.

فنحن، عندما نحمّل الشرطة المسؤولية، نعي أنّها شرطة إسرائيلية معادية لشعبنا، ولكن ذلك لا يعني أننا يجب أن نعفيها من مسؤوليتها، فالقضية مركبة أكثر، وأنا لا أستطيع أن أدير ظهري لأي مجهود عندما يتهم الجهات الصحيحة (الدولة والشرطة) ولا أستطيع أن أعفي نفسي من استخدام كافة الوسائل.

نحن نعرف أنّنا نتحرك في سياق فيه الشرطة إسرائيلية والمؤسسات إسرائيلية، لكن هذا معنى المواطنة الكاملة، أنا لا أستطيع أن أعفي نفسي من المسؤولية لكن دون أن أخسر أي جزء من الخطاب الوطني، الترجمة لـ"مواطنة كاملة هوية قومية" (مشروع التجمع) أن أطالب الدولة من منطلق بوصلة هويتي الفلسطينية، من منطلق موقعي كفلسطينية دون أن أتنازل عن حقوقي المدنية.

هذا المنطق هو الذي يوجّه عملنا داخل الكنيست، أيضًا، فبالرغم من وجود الخلافات والاختلافات مع "ميرتس" ومع حزب العمل، أستطيع أن أبني تحالفات عينية وتعاونا معهما حول هدف نتفق عليه، دون أن أسكت عن مواقفهما في القضايا الأخرى، فنحن لم نخسر من أن نتضامن في هذه المحطة العينية، دون أن نتنازل عن نشر وعي نقدي، فنحن لم نكتفَ بالقول نحن مع الإضراب، بل قلنا، أيضا، إننا لا نتفق مع المنظمات التي دعت إليه، وقد أصدرنا بيانين باللغتين العربية والعبرية أوضحنا فيهما هذا الموقف.

عرب 48: وماذا عن العامل الذاتي، وأقصد مسؤوليتنا كمجتمع عن مثل هذه الجرائم؟

زعبي: هناك معنى خاص للجرائم التي ترتكب ضد المرأة، وهو مستقل عن بعدي الجريمة العامة وردع الشرطة، وهو معنى مرتبط بمفاهيم تضرب عميقا في المجتمع ومرتبط بدونية المرأة.

وكما هو معروف، فإنّ كل منظومة عنف تعيد إنتاج نفسها، فأنتَ تذوّت العنف وتتعامل بشكل عنيف مع محيطك، فظروف الفقر والازدحام والتنافس والموارد البسيطة، كلّها عوامل مساعدة، ولكن عندما تكون أنت مقموعا، فإنّك تترجم ذلك، أيضًا، باستعمال العنف ضد الآخرين الذين هم أضعف منك.  

في القدس... (أرشيف أ ف ب)

لكن هناك، أيضًا، مفاهيم اجتماعية ترتبط بالتربية بالحرية بخطاب بعض الجهات الدينية الذي نسمعه أحيانا في المساجد وأحيانا في خطب بعض رجال الدين، نراه أحيانا في قرارات المحكمة الشرعية. مفاهيم اجتماعية ترتبط بقناعتنا بالمساواة وقناعتنا بمكانة المرأة، وهو موضوع يجب أن لا نقلل من أهميته، يضاف إلى ذلك صمت المجتمع عن جرائم قتل المرأة، سكوت أقرباء المرأة على العنف الموجه ضد المرأة وهو سكوت ينتهي بقتلها أو يتواصل وينشئ حياة عنيفة هي بمثابة قتل يومي دون أن تقتل جسديا.

المختلف بين جرائم قتل النساء هو أنّ الرجل يقتل مرة واحدة طعنًا أو بإطلاق النار عليه، ولكن المرأة تقتل فعليا أكثر من مرة، هو قتل من أكثر من طرف، من المجتمع الصامت، من أصدقاء المرأة وأقربائها الذين يسكتون على العنف الذي تتعرض له وليس من القاتل الحقيقي فقط.

عرب 48: ولكن جرائم قتل النساء التي تقع في الآونة الأخيرة هي جزء من حالة العنف والجريمة الذي يضرب مجتمعنا ويطال جميع فئاته؟

زعبي: الإحصائيّات تفيد بأنّ معظم حالات قتل المرأة لا تحدث على خلفية نزاع مالي ولا على خلفية تطور فجائي لخلاف أو نزاع كما يقتل الرجل، وليس على خلفية عصابات جريمة، بل إن هناك بنية اجتماعية، بنيةَ قيمٍ أو انعدام قيم تتعلق بقتل المرأة.

لكنني من الذين يقولون إنّه رغم كل ذلك لو كانت الشرطة تعمل بشكل رادع وحقيقي لانخفضت نسبة قتل النساء على الأقل إلى النصف، حتى لو كانت دوافع القتل مرتبطة بالتقاليد، لأن التقاليد لا تعفي الرجل من التفكير بالعقاب والخوف من العقاب وسواء كان دافع الجريمة اجتماعيا أو غير ذلك، فإنّ نجاعة الردع واحدة.

وأنا أدّعي أنه لو كانت الشرطة تعمل في المجتمع العربي، مثلما تعمل في الشارع اليهودي، لانخفضت نسبة الجريمة عندنا بـ70% لتصل إلى النسبة القائمة في الشارع اليهودي، أو كما هي نسبتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

عرب 48: لننتقل إلى السياسة، فنحن غداة انتخابات السلطات المحلية وعشية انتخابات الكنيست التي يتوقع أن تجري في أيار/مايو القادم، وهناك حراكات داخلية مرتبطة بالحدثين، منها ما يتحدث عن قلب الطاولة أو إعادة تركيب المشتركة وفق توازنات جديدة، مع تلميحٍ صريح لخفض نسبة التجمّع، وهناك من يقول صراحة "ما كان لن يكون"، ولا يدّخر جهدا في سبيل ترجمة ذلك إلى واقع ملموس.

زعبي: أعتقد أن من يتعامل مع المشتركة كتوليفة مقاعد لا يفهم منطق المشتركة ولا منطق العمل الوطني. ومن يتعامل مع المشتركة في سياق صعب، ليس سياقًا يمينًا فاشيًا فقط بل يسار يتناسق مع اليمين، أيضًا، سيستمر في التعامل مع مركب يدعى وحدة الأحزاب العربية.

من يتعامل مع المشتركة بمفهوم المحاصصة، لم يدخل المشتركة من منطلق رؤيته الوطنية أو بصفتها مشروعًا وطنيًا، ولا يهمه تطوير المشتركة كرافعة لنهوض سياسي، وهذا التعامل، بحدّ ذاته، هو تعامل خطير، تعامل يضر بالعمل الوطني ويحول السياسة إلى مشروع شخصي، هو يسفّه السياسة ويساهم في إبعاد الناس أكثر عن المجال السياسي وعن الأحزاب ويوسّع الفجوة بينهما.

وعلى كل من يأخذ السياسة بجدية أن يقوم بإجراء عملية فرز واضح بين هذا الخطاب وبين الخطاب الحزبي الوطني الذي يفهم المشتركة ويحرص عليها كخطاب سياسي وطني وليس كتوليفة مقاعد. وبالتالي، فإنّ أمام من يفكر على هذا النحو طريقين، إمّا المغادرة لأنه لا يفهم المشتركة كما نفهما وكما تفهمها الجبهة والحركة الإسلامية، وبالتالي سيعاقب من قبل الناخبين، وإمّا أن يخضع للمفاهيم الوطنية التي تحكم عمل المشتركة.

عرب 48: ولكن ما الخطأ في أن يطالب من يعتقد أنه ظلم سابقا أو أن قوته ارتفعت مقابل هبوط في قوة الآخرين بتحسين وضعه في التركيبة القادمة؟

زعبي: ليس ذلك ما يجري، ما يجري هو عملية بناء قوة وهمية، استعراضية وليست حقيقية. لا يستطيع أن يفرض على تيارات وأحزاب وطنية مفاهيم شخصية تدور حول مكانة شخصية، لا يمكن في هذا الوقت العصيب بناء الخطاب الوطني بقاموس شخصي يقوم على المنفعة.

هو يستطيع الانتقاد والمحاججة والمطالبة برفع سقف المشتركة، إذا كان يحمل مشروعًا سياسيًا صلبًا وواضحًا أكثر من المشتركة، وأنا كنت سأعطي الشرعية لمن ينتقد المشتركة على مضامين سياسية وأداء سياسي وطني، لكن ليس من ينتقد على محاصصات ومن يريد أن يفرض رؤية هي ليست رؤية خدمات، بل رؤية واسطات.

المفاضلة هي ليست بين معادلة الوطني والمدني أو اليومي، بل بين عمل سياسي وبين عمل واسطات لأفراد وربح شخصي واستعراضي وهو نهج يجب لجمه وتحجيمه.

عرب 48: من الواضح أن المشتركة أفقدت التجمع العديد من خصائصه ومميزاته، بعد أن حيّدت برنامجه المختلف والجاذب، ووضعته تحت سقف برنامج الحد الأدنى، الذي هو عمليا برنامج الجبهة، وإذا كانت المنافسة الحزبية قد حيّدت، فإنّها أخلت مكانها لمنافسة الشخصية التي يعتقد البعض أنها ملعَبُهْ وأنه الفائز فيها دون منازع

زعبي: من الطبيعي أن تفقد كل التيارات من بريقها الخاص ضمن الإطار الوحدوي العام، فأنت عندما تدخل الإطار الوحدوي لا تستطيع أن تمارس ذاتك مئة بالمئة، وستضطر لدفع ثمن لهذه الوحدة على حساب الهوية الحزبية الخاصة بك، هذا أمر بديهي ومحسوب في ميزان الربح والخسارة، وعلى الجميع أن يدفع ثمنًا مقابل أن تربح المصلحة العامة.

عرب 48: السؤال إذا كانت المصلحة العامة قد ربحت فعلا، بقدر ما خسرت الأحزاب من خصوصيتها وتميزها، وبقدر خسارة الساحة للحراك السياسي الداخلي، الذي خلّف فراغًا ملأته حالات فردية وأنماط من المخترة الشخصية؟

زعبي: جوابي هو كلا، ولكن ذلك لا يبرر التراجع عن المعادلة الوحدوية، إنما الحل هو أأن نفهم، كتيّارات سياسية تشكّل المشتركة، أن علينا إعطاء زخم وبعد سياسي أكبر للمشتركة، وألا نكون مجرد إطار تنسيقي يفتقر إلى الأرضية السياسية الصلبة والسقف السياسي المرتفع.

والسؤال "هل يوجد إجماع حول هذا الاستنتاج أم لا؟" هو سؤال مفتوح، ولكني أعتقد أننا جميعًا قد خسرنا من تفريغ المشتركة من النقاش السياسي، ما حصل أننا لم نكتف بالتنازل جميعنا عن جزء من خصوصيتنا، ولكننا لم نحرص على إبقاء جذوة النقاش السياسي مشتعلة وقد خسرنا جميعا نتيجة ذلك.

عرب 48: قد يكون ذلك صحيحًا ولكن ليس بالقدر نفسه، فأصحاب النهج الفردي ربحوا من تحول المنافسة إلى شخصية وأصحاب السقف المنخفض لم يخسروا برنامجهم، وإن كانوا قد خسروا من غياب السياسة أو تغييبها، ولكن بالنتيجة الخاسر الأكبر هو من كان يسعى إلى رفع السقف السياسي الوطني؟

زعبي: أعتقد أن التجمع تمتع بحرص زائد بعض الشيء على الوحدة، وذلك على حساب ممارسة نشاطه في القضايا التي تميزه، على غرار الاجتماع مع أهالي شهداء القدس مثلا، حيث كان من الممكن تكرار هذه النشاطات وتوسيعها دون أن يمس ذلك بالضرورة بوحدة المشتركة.

عرب 48: ولكن للأسف ذلك لم يحدث، بل تم التراجع عن الاجتماع بأهالي شهداء القدس

يبدو أننا دفعنا ثمن التجربة الجديدة في الوحدة، ثمن عدم وجود تقليد وحدوي سابق وعدم وجود قواعد مبلورة للوحدة وعدم معرفتنا بإمكانية المناورة بين خصوصيتك كحزب وبين المشتركة كإطار وحدوي، كنا نستطيع أن نوسّع حيز المناورة ولكننا نتحدث الآن بحرية بعد أربع سنوات تقريبا من تأسيس المشتركة، أتمنى أنه جرى خلالها إرساء تقاليد عمل مشتركة لم تكن قائمة مسبقا.

عرب 48: في كل الأحوال، فإنّ الفراغ السياسي الذي خلّفته المشتركة تم ملؤه بنهج شخصاني فرداني هو عودة إلى المخترة السياسية بطراز حديث، وهو ما برز خلال الانتخابات المحلية ويتقاطع مع الظاهرة التي كانت قائمة أصلا، وعزّزتها المشتركة على مستوى الكنيست؟

زعبي: على التيارات السياسية أن تدرك أن الفرز ليس في ما بينها فقط، بل بينها وبين هذا النهج المستفيد من تغييب النقاش والحراك السياسي الداخلي، وحتى التنظيمات السياسية التي غيّبت على حساب الأفراد، وهي بذلك قدمت خدمة كبيرة للنهج الفرداني الذي لا يقوم على العمل الحزبي المنظم.

مطلوب الاستفادة من التجربة السابقة في تعزيز الوحدة وإرسائها على قاعدة التوافق ولكن دون إلغاء التناقضات والاختلافات السياسية، بل إن هناك حاجة لتعزيز الحراك والنقاش وإعادة الحياة السياسية للشارع.

اقرأ/ي أيضًا | مقاعد وعقائد

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية