70 عاما على النكبة: معارك الجيش المصري بين الهدنتين (21/1)

70 عاما على النكبة: معارك الجيش المصري بين الهدنتين (21/1)
الملك فاروق مع ضباط الجيش المصري خلال معارك النكبة

الجزء الأول من معارك الأيام العشرة في النقب والساحل الجنوبي ١٩٤٨- من معركة بيت دوراس إلى معركة "نچبا"

استطاع الكيان الصهيوني أن يمتص الهجمة العربية منذ منتصف أيار/ مايو ١٩٤٨، وحتى بداية الهدنة الأولى في الحادي عشر من حزيران/ يونيو، والتي استغلها أحسن استغلال من أجل تطوير جهوزيته العسكرية، تنظيميا وبشريا وتسليحا، وصار يتحضر للجولة القادمة من المعارك، بروح قتالية عالية، وعقلية انتقامية معادية للعرب، الذين كبدوا الكيان الصهيوني الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات.

وقد أشار بن غوريون إلى ذلك في مذكراته، حيث أنه سجل ملاحظات حول "تدمير الجيش العربي" وبذلك ينتهي امر المملكة الأردنية الهاشمية، وكتب عن "مهاجمة لبنان وإقامة حكومة مسيحية"، وعن "قصف دمشق" وبذلك تبقى مصر لوحدها في المعركة. وأشار إلى وجوب "قصف عمان"، وإن استمرت مصر في الحرب "سنقصف بور سعيد، والإسكندرية، والقاهرة".

من الناحية العسكرية البحتة، كان الجيش الأردني هو الأخطر على تل أبيب، ولكن القيادة الصهيونية كانت تعرف أن الملك عبد الله وقائد جنده چلوب باشا غير معنيين باستمرار المعارك، حيث أنهم حققوا جلّ ما أرادوه من هذه الحرب. أما الجيش العراقي فهو أيضا يخضع لقيادة الاْردن، ولذلك لن يقوم بعمل كبير بعد انتهاء الهدنة. أما الجيش السوري في الشمال فهو قليل العدد والعدة، وحربه مع الكيان الصهيوني كانت عبارة عن معارك صغيرة نسبيا، بعيدة عن المدن الكبيرة ولَم يحقق فيها نجاحات كبيرة.

يبقى الجيش المصري، الذي أصبح الخطر الأكبر بالنسبة للقيادة في تل أبيب، فهو جيش كبير نسبيا، ويسيطر على مساحة نصف فلسطين تقريبا، ويحاصر أكثر من عشرين مستعمرة صهيونية في النقب، وفِي نفس الوقت يعتبر قريبا من تل أبيب ومن القدس، ولذلك وضعت القيادة العسكرية الصهيونية خططا هجومية شاملة على الجيش المصري، من أجل تنفيذها بعد انتهاء الهدنة الأولى.

محاولات حثيثة قبل دخول الهدنة الأولى

كانت القوات المصرية بعد تمركزها في أسدود، قد ولت شطر مستعمرة "نيتسانيم"، في السابع من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، واحتلتها بعد معركة ضارية ضد لؤاء "چڤعاتي" (أنظر الحلقة ١٩/٤ بعنوان "معارك الجيش المصري حتى الهدنة الأولى ١٩٤٨)، ولكن لواء "چڤعاتي" حاول استرداد المستعمرة في اليوم التالي، ولكنه فشل فشلا ذريعا، ثم انسحب مقاتلوه إلى تلة الفناطيس (تلة ٦٩)، ولكن القوات المصرية لاحقت الجنود الصهاينة، وكبدتهم هزيمة ساحقة وبضمنها خسائر فادحة بالأرواح.

في اليوم التالي الموافق للعاشر من حزيران/ يونيو، عملت القوات الصهيونية على وضع خطة عسكرية، تضمن لها التفوق في المعارك ما بعد الهدنة، وكانت هذه الخطة تشتمل على احتلال مركز شرطة عراق سويدان لضمان إبعاد القوات المصرية من الشارع الرئيسي إلى النقب ومن مستعمرة "نچبا"، واحتلال شرطة ومعسكر بير عسلوج من أجل السيطرة على طريق العوجا - بئر السبع، واحتلال قرية ياسور وقرية بطني غربي وذلك من أجل توسيع الطريق بين "يڤنه" و"بئر طوبيا"، واحتلال قرية جولس من أجل إتمام خط بيت دوراس - "نچبا"، واحتلال قرية الحسير من أجل ضمان التواصل بين مستعمرتي "جت" و"چال أون".

أوكلت مهمة احتلال مركز شرطة عراق سويدان وشرطة بير عسلوج على لواء النقب (هنيچڤ)، أما المهام الأخرى فكانت من شأن لواء "چڤعاتي". انطلقت قوات "چڤعاتي" في ليل يوم العاشر من حزيران/ يونيو، واحتلت الكتيبة الأولى قرية ياسور، والكتيبة الثامنة بطني غربي، والكتيبة الثالثة قرية جولس، والكتيبة الثانية قرية الحسير، والكتيبة السابعة قامت بعمليات مناورة ضد الجيش المصري لإلهائه عن الأهداف الرئيسية للعمليات العسكرية. نفذت هذه العمليات بدون مقاومة تذكر، إذ أن الجيش المصري لم يدخل إلى هذه القرى، وقد حاول الفلسطينيون أن يقاوموا بأسلحتهم البدائية، ولكن هيهات أمام قوة عسكرية مدربة، قامت بعد احتلال القرى بطرد الأهالي منها.

أما لواء النقب فقد هاجم شرطة عراق سويدان عند الساعة الثانية والنصف من صباح الحادي عشر من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وابتدأت المعركة بغطاء كثيف من النيران على الجنود المصريين، ثم ابتدأ خبيرو المتفجرات بمحاولة هدم جدران من المبنى لاقتحامه، وكان لقوة النيران تأثيرها على الجنود المصريين، ولذلك طلبوا النجدة، فوصلت إلى المكان قوة مشاة من الكتيبة التاسعة، ووحدة مدرعة، وطائرتان من نوع "سبيتفاير"، مما أدى إلى التغلب على المهاجمين وإلحاق الهزيمة بهم، بعد انسحابهم عند طلوع الفجر.

أما الكتيبة الثامنة من لواء النقب، فقد هاجمت مقر شرطة بير عسلوج في الساعة الرابعة والنصف صباح الحادي عشر من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، وابتدأ الهجوم بقصف بواسطة راجمات القذائف، فاستشهد على الفور عشرة جنود مصريين، ومن هول المفاجأة انسحب المقاتلون العرب من المكان، واستمر القصف والتقدم الصهيوني حتى احتلال مركز الشرطة بعد معركة حامية الوطيس استمرت لساعات، ولما دخل الجنود الصهاينة إلى الداخل، تم تفجير قنبلة كبيرة بواسطة شحنة كهربائية مما أدى إلى خسائر فادحة بالأرواح من قوات لواء النقب ("هنيچڤ"). 

أما الجيش المصري فقد قام بالسيطرة على نقاط مراقبة إلى الشمال من بير عسلوج، وبذلك منع القوات الإسرائيلية من السيطرة على طريق إمداداته، فقد فتح طريقا جديدا يلتف حول موقع شرطة بير عسلوج، بما سمي فيما بعد بطريق "بورما" المصرية. كذلك قامت القوات المصرية في الحادي عشر من حزيران/ يونيو بالسيطرة على مفرق كوكبة-جولس-مجدل-فلوجة، وبذلك منع التواصل بين القوات الإسرائيلية في النقب وبين قواتها شمالا.

تنظيم القوات خلال الهدنة

انضم إلى القوات المصرية الفاعلة في فلسطين، متطوعون من مصر والسودان، شكلوا معا كتيبة مشاة مؤلفة من ست سرايا، وكتيبة مقاتلة من السعودية فيها خمس سرايا مشاة وسرية احتياط، ومقاتلون من ليبيا واليمن، بالإضافة إلى الفلسطينيين الذين عمد الجيش المصري إلى تدريبهم، وزجهم في الحرب ضمن القوات المصرية، وبذلك تجاوز عدد القوات المصرية خمسة عشر ألفا من الجند.

تم تقسيم القوات على ثمانية أقسام، وكل قسم لديه قيادة أو رئاسة ويدافع عن منطقة معينة: قطاع أسدود و"نيتسانيم"، وقطاع المجدل، وقطاع عراق سويدان - الفالوجا - عراق المنشية، وقطاع بيت جبرين-الخليل-بيت لحم، وقطاع غزة ومنطقة خطوط المواصلات، وقطاع بئر السبع- بير عسلوج، وقطاع رفح والقاعدة المتقدمة، وقطاع العريش والقاعدة الأمامية. وكان كل قطاع يشمل كتائب بنادق مشاة، وقسم من كتيبة مدافع ماكينة، وقسم من كتيبة مضادة للدبابات والطائرات، ومهندسي ميدان وغيرها، وضمت في داخلها السعوديين والسودانيين وغيرهم من المتطوعين.

أما في الجانب الصهيوني، فقد تم التحضير لهجوم على الجيش المصري، يبدأ فورا بعد انتهاء الهدنة، وأطلق عليه حملة "أنفار" وهو اختصار لِـ"أنتي فاروق" أي ضد فاروق، وأوكلت مهمة تنفيذه على وحدات "چڤعاتي"  ولذلك تمركزت على النحو التالي: الكتيبة الخامسة مشاة تتمركز في الخط الواصل بين يبنه ("يڤنه") حتى بطاني غربي. الكتيبة الثالثة مشاة تتمركز في الخط الرابط بين "بئير طوبيا" - بيت دراس - جولس في الغرب، وبناء خط دفاعي من الجنوب للمستعمرات "نچبا" و"چالؤون" والقرى جت والحسير. الكتيبة الأولى مشاة تنتقل إلى تل الصافي في ليلة الهجوم. سرية مشاة وسرية آلية وسرية أسلحة مساعدة من الكتيبة الرابعة تتمركز في السوافير الشرقية. الكتيبة الثانية تعمل في منطقة الخليل وعليها احتلال القرى جلدية وكاستينا.

كان كل طرف يخطط لمفاجأة الآخر، بعد انتهاء الهدنة مباشرة، وذلك حتى يصبح زمام الأمور في يده، وهذا ما فعله الجيش المصري الذي كان سباقا إلى الهجوم وذلك قبل انتهاء الهدنة بيوم كامل.

الهجوم المصري على بيت دوراس

بيت دوراس هي قرية عربية تقع إلى الجنوب الشرقي من أسدود، وكان اليهود قد احتلوها في صباح يوم ١١ حزيران/ يونيو ١٩٤٨، في وقت دخول الهدنة الأولى حيز التنفيذ، وكان موقع هذه القرية مؤثرا على طرق مواصلات القوات المصرية، وكان يوجد حولها تجمعات للواء "چڤعاتي" في منطقة الصوافير الشرقية والصوافير الغربية، ولذلك صدرت الأوامر باقتحامها وطرد الجيش الإسرائيلي منها، وتطهير المنطقة حولها. كانت أوامر الهجوم المصري تقضي بأن يتم الهجوم على بيت دوراس قبل انتهاء موعد الهدنة بيوم كامل، وعلى أن يكون الهجوم ليلا أو قبل طلوع الفجر، على أن توكل المهمة للكتيبة السابعة والكتيبة السادسة بنادق مشاة من اللواء الثاني، وكانت الكتيبة السابعة مكونة من جنود سودانيين، ووضع تحت تصرف القوات المهاجمة، راجمتا قنابل عيار ٣ إنش، ووحدة مدفع رشاش، ومدفعين عيار ٦ أرطال.

في الساعة السابعة مساء من يوم السابع من تموز/ يوليو ١٩٤٨، تركت الكتيبة السابعة السودانية مهمة الحراسة لتلة الفناطيس (تلة ٦٩)، وانطلقت للهجوم على قوة "چڤعاتي" المتمركزة في بيت دوراس، وقامت خلال الليل بتطويق مواقع الجيش الإسرائيلي، ومن ثم ابتدأ الهجوم عند ساعات الفجر المتأخرة على القرية بغرض احتلالها، مما فاجأ السرية الصهيونية الموكلة بحراسة القرية، إذ أن جنودها اكتشفوا في الساعة السادسة صباحا أن الجنود المصريين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من خط الدفاع الصهيوني، فأطلقوا نيران مدفع رشاش على المهاجمين، مما اضطرهم إلى وقف التقدم لفترة قصيرة، قامت خلالها المدفعية المصرية بتنفيذ قصف مكثف على القوات الصهيونية. بعدها أقدم الجنود السودانيون بدون مساندة من المدرعات، التي لم تشارك في المعركة، وألقوا قنابل يدوية على القوة المدافعة، وتقدموا حتى وصلوا إلى المواقع الأمامية، واشتبكوا مع الجنود من وحدة "چڤعاتي" بالأسلحة البيضاء والقنابل اليدوية، ولما كانت الغلبة للجنود السودانيين، أطلق الضابط المسؤول عن الإشارة لقوات المدفعية المصرية، خطأً، علامة باللون الأحمر (شعلة حمراء) والتي تعني أن تقوم المدفعية بالقصف على موقع الشعلة، وذلك بدل أن يطلق الإشارة الخضراء والتي تعني التمكن من العدو. عندها قامت المدفعية المصرية بقصف مواقع الجنود السودانيين مما أدى إلى إصابة عدد منهم، كان أحدهم القائد المصري للعملية، والذي وقع في الأسر نتيجة إصابته تلك. وكان لهذا القصف أكبر الأثر في تغيير مجريات المعركة التي ما زالت مشتعلة في عدة مواقع مع تفوق مصري، وازدادت حدة المقاومة وسقوط شهداء من الجيش المصري بكثافة، مما أدى بالقوة المهاجمة إلى الانسحاب بعد قصفها براجمات القنابل، وصليها بالمدافع الرشاشة، وخلال الانسحاب وقع الكثير من الضحايا، مما أدى إلى نزول ثلاث سيارات نصف مجنزرة من تلة الفناطيس في الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحا، وفتحت القوات المصرية النار على القوات الصهيونية من بستان يقع في وسط الطريق بين التلة والقرية، وذلك بهدف التغطية على الانسحاب، ثم قامت المدفعية المصرية بقصف مكثف على القرية من الساعة الواحدة ظهرا، حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، دون أن يحقق هذا القصف أي إنجاز يذكر. خلال كل المعركة لم تتدخل القوة المدرعة المصرية المتواجدة في المنطقة، والتي كان باستطاعتها أن تقلب موازين القوى، وذلك لأنها تلقت أوامر مشددة بمنع قدوم أي نجدات عسكرية صهيونية من جهة "بئير طوبيا".

عند الساعة السادسة مساء، انتهت المعركة بفشل مصري ذريع بدون استعادة قرية بيت دوراس، واستشهاد ٣٨ جنديا وضابطا مصريا في المعركة وجرح العشرات منهم، وسيطر الصهاينة على كمية لا بأس بها من الأسلحة الرشاشة والذخيرة الحية.

ومن الواضح أن الفشل غير مبرر، مع أن أغلب القادة المصريين عزوا هذا الفشل إلى الإشارة الخاطئة، إلا أن عدم استعمال المدرعات والدبابات في المعركة، كان له أثر كبير على نتائجها، وكأن المصريين لم يتعلموا من جولة المعارك الأولى قبل الهدنة.

معركة جولس وإخفاق آخر

كان الهدف من الهجمات المصرية في اليومين الأولين للمعارك، هو توسيع سيطرة الجيش على المناطق المحاذية للمفرق القريب من شرطة عراق سويدان، وذلك للاستمرار في منع وصول الإمدادات للمستعمرات الصهيونية في النقب، من جهة، ولمنع الصهاينة من قطع الطريق عن خط إمدادات الجيش المصري من غزة من جهة أخرى. كان الجزء الثاني المكمل لمعركة بيت دوراس هو تحرير قرى الصوافير (الشرقية والغربية) بواسطة هجوم من قبل الكتيبة السادسة، ولكن فشل هجوم الكتيبة السابعة في معركة بيت دوراس، أدى إلى تغيير الخطة وإلغاء الهجوم على الصوافير، وبدل ذلك تسلمت الكتيبة السادسة أمرا بالهجوم على قرية جولس المحتلة وتحريرها من الجيش الصهيوني في صباح العاشر من تموز/ يوليو ١٩٤٨.

ابتدأ الهجوم في الصباح الباكر، بهجوم من المشاة بدون غطاء من المدرعات والطيران، وذلك على الرغم من طلب ضابط أركان الحرب جمال عبد الناصر ذلك، من قائد الكتيبة الذي رفض بشدة، وأمر بتنفيذ هجوم مباشر للمشاة. كان الجنود الصهاينة متأهبين للدفاع عن جولس، كونهم أحسوا في الليلة الفائتة بالمستطلعين المصريين الذين كانوا يجمعون المعلومات عن مواقع تمركز القوات الصهيونية.

سقط عدد كبير من الشهداء، الذين هاجموا بصدور عارية وبدون تغطية مدفعية، حتى تقدمت أربعة مدافع هاون بعد مدة من بدء المعارك وصارت تقصف الصهاينة بنارها. كان الهجوم من جهتين الجهة الغربية وهدفها تضليل الجنود الصهاينة عن الهجوم الرئيسي من المنطقة الجنوبية، وفِي هذه الناحية، أي الجنوبية، كان الجنود يتقدمون حسب الخطة المرسومة، أمام تراجع قوة "چڤعاتي" المدافعة عن القرية. لكن وبسبب كثرة الشهداء من المشاة المهاجمين، أمر قائد الكتيبة بانسحاب السرية المهاجمة من الناحية الغربية بدون تنسيق مع القوة الأخرى، مما أدى إلى اشتداد الهجوم على القوة الرئيسية وتغير مجرى المعركة، مما اضطر قائدها إلى إصدار أمر بالانسحاب تحت وقع القصف الصهيوني الشديد، وسقوط الكثير من الشهداء.

بعد فشل الهجوم بساعة، وصل أمر جديد لقيادة الكتيبة السادسة بمعاودة الهجوم على جولس مرة أخرى، ولكن بعد الاطلاع على صور جوية، تبين أن جولس موجودة في سفح تلة، بينما معسكر جولس موجود على أعلى التلة، ولذلك فان احتلالها سيكون بمثابة مصيدة للجنود المصريين، قررت القيادة المصرية إلغاء فكرة احتلال جولس.

وكانت هذه مرة أخرى في حرب ٤٨، يخوض فيها الجيش المصري معركته بدون تحضير ملائم وبدون تخطيط سليم.

الهجوم المصري يحقق نجاحات في كوكبة والحليقات

في مساء الثامن من تموز/ يوليو ١٩٤٨، هاجمت سرية سعودية، تابعة للجيش المصري، التلال المحيطة بقرية بيت طيما الواقعة جنوب شرقي المجدل، لمنع احتلال القرية، التي كانت مركزا للمناضلين الفلسطينيين من المنطقة. كانت التلال الجنوبية لبيت طيما مشرفة على قرية كوكبة وقرية الحليقات.

في فجر اليوم التالي وفِي الساعة الثانية صباحا، هاجمت السرية الثالثة من الكتيبة الثانية مشاة المصرية بمشاركة السرية السعودية الآنفة الذكر قرية كوكبة، مستعينة بسرية دبابات وأربع مصفحات. تقدمت الدبابات والسيارات المصفحة وقامت بالالتفاف حول القرية من الشمال والشرق، فانسحبت القوة الصهيونية من لواء "هنيچڤ" تحت وقع الهجوم المصري، وتمركزت في التلال المرتفعة المشرفة على بلدة الحليقات. في الساعة الخامسة والنصف صباحا، تقدمت سرية الدبابات والسيارات المصفحة فهاجمت الكتيبة الصهيونية بمساندة السرية الثالثة والرابعة من الكتيبة الثانية معززة بنيران المدفعية من الغرب والشرق، فأجبرتها على الانسحاب باتجاه مستعمرة سمسم بعد قتال استمر لساعتين، فدخلت القوات المصرية إلى الحليقات وقضت على المقاومة الصهيونية فيها.

استمر الهجوم المصري، من أجل احتلال تلة الخيش (تلة ١١٣)، الواقعة على تقاطع الطرق المؤدي إلى عراق سويدان، وذلك لإحكام سيطرة الجيش المصري على الطريق من أسدود إلى الفالوجا، ومن المجدل إلى الفالوجا، وكذلك فإن السيطرة على هذه التلة سيكون مهما من أجل الاستيلاء على مستعمرة "نچبا". انطلقت السريتان الأولى والرابعة من كتيبة المشاة التاسعة مع سريتي دبابات، في الساعة التاسعة صباحا من يوم التاسع من تموز/ يوليو ١٩٤٨، من عراق سويدان وهاجمت تلة الخيش من جهة الشرق، بعد قصف كثيف بالهاونات والمدفعية، وهذا القصف عمل ستارا من الدخان ساعد في تقدم الدبابات وخلفها المشاة، وبعد معركة قصيرة انسحبت القوات الصهيونية من التلة، بعد تكبدها خسائر فادحة، ثم تقدم المشاة واحتلوا سلسلة مواقع شمال تلة الخيش، وذلك لستر عملية التعزير ومقابلة أي هجوم مضاد.

الجيش المصري يسيطر على مستعمرة "كفار داروم"

ولّت الكتيبة الثالثة بنادق مشاة وجهها إلى مستعمرة "كفار داروم"، الواقعة على جانب طريق رفح غزة مقابل دير البلح، والتي فشل الجيش المصري في احتلالها منذ بداية المعارك، أي ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨. كانت هذه المستعمرة المحصنة قد عزلت تماما عن باقي المستعمرات، وضيق المصريون الحصار عليها، ومنعوا المؤن من الوصول إليها. تحركت الكتيبة في منتصف ليلة ٨-٩ تموز/ يوليو ١٩٤٨، بعد أن تمت خلال يومي ٧ و ٨ عمليات الاستكشاف والتجهيز للهجوم، وذلك حتى لا يقع الجيش المصري في نفس الأخطاء التي وقع فيها قبل الهدنة الأولى (انظر الحلقة ١٩/٤ - معارك الجيش المصري حتى الهدنة الأولى).

كانت ساعة الصفر للهجوم في الخامسة والنصف صباحا، وابتدأت المعركة بقصف مدفعي شديد بقذائف ستة أرطال، وقذائف هاون ٣ انش، واستعمل في الهجوم أيضا، مدفعان "بوفورز" ٤٠ مم ومدفعية ميدان خفيف ٣.٧ إنش. استمر القصف المدفعي حتى الساعة السادسة وعشر دقائق، عندها نادى الجيش المصري بمكبرات الصوت على الجنود الإسرائيليين طالبا منهم الاستسلام خلال عشر دقائق، ولما لم يتلقَ الجيش المصري ردا فتحت المدفعية قياس ٣ إنش نيرانها حتى السابعة صباحا، ثم تقدمت المدفعية عيار ستة أرطال من جهة دير البلح، حتى مسافة ٢٥٠ مترا من غرب المستعمرة، وكذلك الأمر من الجهة الشرقية حيث تقدمت المدفعية من نفس العيار إلى مسافة مماثلة من المستعمرة، ثم فتحت نيرانها حتى الساعة السابعة وعشرين دقيقة، عندها تقدمت فرقة المشاة وفتحت ثغرة في حاجز الأسلاك الشائكة، انطلق من خلالها الجنود المصريون الذين حالما سيطروا على أحد مباني المستعمرة، بدون أية مقاومة، أطلقوا إشارة النجاح عند الساعة الثامنة صباحا.

عند دخول الجيش لم يعثر على جندي صهيوني واحد، إذ أنهم تسللوا من المستعمرة قبل الهجوم بليلة واحدة تحت جنح الظلام ولاذوا بالفرار. واعتبر بعض القادة المصريين ان إطلاق أكثر من مئتي قذيفة كان بمثابة إسراف كبير في الذخيرة، وسببه عدم مشاركة المدرعات والدبابات في المعركة مما يوجب قصفا شديدا.

تخطيط صهيوني لهجوم مضاد (حملة "أنفار")

كانت القوات الصهيونية تخطط لهجوم ضد الجيش المصري، حالما تنتهي الهدنة الأولى، تحت اسم حملة "أنفار" (اختصار أنتي فاروق، أي ضد فاروق)، ولكن الجيش المصري فاجأ بهجومه المبكر ،كما تقدم، فتحول أمر الحملة إلى هجوم مضاد على الجيش المصري، على أن يبدأ التنفيذ في صباح التاسع من تموز/ يوليو ١٩٤٨.

كانت الخطة الصهيونية للهجوم على النحو التالي: لواء "هنيچڤ" يهاجم مقر شرطة عراق سويدان ويحتلها من المصريين، وينتظر وصول قوات "چڤعاتي" حتى تبدل القوات المحتلة، الكتيبة الأولى للواء "چڤعاتي" تهاجم قرية تل الصافي وتحتلها، وفِي حالة عدم النجاح تنسحب الكتيبة إلى "كفار مناحم" أو "كدما". واحدة من سرايا الكتيبة الثانية من نفس اللواء تنضم إلى الكتيبة الرابعة في الهجوم، والأخرى تبقى في الصوافير لحراسة طريق عبديس-جلدية وطريق جولس-ختة. الكتيبة الثالثة تقوم بأعمال حراسة من بيت دوراس حتى تلة الفناطيس، ومن المجدل حتى جولس، وتخرب الطرق بين الفلوجة وبيت جبرين وتضع فيه الألغام، وتقصف عراق المنشية، وتحتل عبديس عن طريق قوة تخرج من مستعمرة "نچبا". أما الكتيبة الرابعة فتهاجم قرية عراق سويدان وقرية بيت عفة وتحتلهما، وبعد احتلال القريتين تستلم مركز شرطة عراق سويدان من قوة لواء "هنيچڤ" التي عليها احتلاله. أما الكتيبة الخامسة من لواء "چڤعاتي" فتقوم بمضايقات للجيش المصري عَلى طول الجبهة من أجل الضغط على الجيش المصري وإرباكه.

وتم توفير أربعة أقسام مدفعية للهجوم على النحو التالي: القسم رقم ١ مكون من ٤ مدافع عيار ٦٥ مم، ويعمل مع الكتيبة الثالثة من "بئر طوبيا"، ويقوم بقصف المنطقة الواقعة بين محطة القطار في أسدود حتى تلة الفناطيس (تلة ٦٩). القسم رقم ٢ مكون من ٣ مدافع عيار ٦٥ مم ويعمل مع الكتيبة الخامسة، ويتمركز في "چان يڤنه" ويقصف الشارع الواصل بين يبنه واأسدود. القسم رقم ٣ مكون من راجمتي قنابل عيار ١٢٠ مم يخدم الكتيبة الثالثة ويتمركز في قرية جولس ويقصف غرب طريق بيت دراس حتى مفرق المجدل-فلوجة. القسم رقم ٤ مكون من مدفعي ٢٠ مم مضادة للدبابات يعمل مع الكتيبة الثالثة ويقصف بأحد المدافع شارع جولس-مجدل وشارع جولس كوكبة، أما المدفع الثاني فيقصف الطرق المؤدية إلى بيت دوراس.

فشل الهجوم الصهيوني على عراق سويدان

في الثامن من تموز/ يوليو ١٩٤٨ وعند الساعة ٢٣:٤٥، وصلت قوات لواء "هنيچڤ" بالسيارات على بعد خمسة كيلومترات من مركز شرطة عراق سويدان، وخلال أربع ساعات أكملت القوة الصهيونية تمركزها في المنطقة، وانقسمت إلى قوة تغطية نارية وقوة مهاجمة ابتدأت بالتقدم راجلة باتجاه مركز الشرطة. بعد نصف ساعة أحس المصريون بالقوة المتقدمة وأمطروها وابلا من رصاص مدافعهم الرشاشة، وفِي المقابل قامت قوات "هنيچڤ" بإطلاق النيران بكثافة كبيرة على المصريين، ونشبت معركة حامية بين الطرفين، وكل منهما يلقي على الآخر ما لديه من ذخائر وقذائف. خلال هذه المعركة تسللت القوة الصهيونية المهاجمة حتى وصلت إلى جدار المركز والأسلاك الشائكة من حوله، وابتدأت القوة بإحداث ثغرة بالجدار الأول، ثم الجدار الثاني وما أن وصلت إلى الجدار الثالث حتى أمطرتهم القوات المدافعة بوابل رصاص مدفعها الرشاش المنصوب على رأس برج المركز، فقتل البعض من القوة المهاجمة، وعند وصولها إلى الجدار الرابع سقط منها عدد آخر، وكانت تعتقد انه الجدار الأخير، ولكن المصريين كانوا قد وضعوا جدارا خامسا، لم تستطع القوة من اقتحامه بسبب قوة النيران المصرية، التي أوقعت فيها خسائر فادحة، ومن جانب آخر ابتدأت المدفعية المصرية بقصف القوات التي تطوق المنطقة وتطلق عليها النيران بكثافة.

ابتدأ الفجر بالبزوغ، وفقدت القوة الصهيونية عنصر المفاجأة، فاضطرت إلى إصدار أمر بالانسحاب، وإلا كانت ستواجه القوة المصرية في وضح النهار، مما سيكبدها خسائر فادحة جدا، لا قدرة لها عليها، وبذلك فشل الجزء الأول من الحملة.

في نفس الليلة دخلت السرية أ من الكتيبة الرابعة من لواء "چڤعاتي" إلى قرية عراق سويدان بعد منتصف الليلة بنصف ساعة، ثم ابتدأت هجومها بعد ساعتين، إذ أغلقت الفصيلة الثالثة الطريق إلى الفالوجا، ودخلت الفصيلتان الأولى والثانية إلى القرية، وواجهتا مقاومة ضعيفة في أطراف القرية، ومقاومة شديدة نوعا ما في مركز القرية، ولكن ذلك لم يمنع احتلال كل القرية عند الساعة الرابعة والنصف صباحا. لكن فشل الهجوم على مركز الشرطة من قبل لواء "هنيچڤ" أدى بالقوة المحتلة إلى الانسحاب من القرية عند الساعة السادسة صباحا، خوفا من هجوم مصري مضاد، وعادت القوة إلى مستعمرة "نچبا"، مؤكدة على فشل الجزء الأول من الحملة تماما.

احتلالات صهيونية ونجاحات

في نفس الليلة، قامت السرية من الكتيبة الثانية، التي انضمت إلى الكتيبة الرابعة، باحتلال قرية بيت عفة، بعد مقاومة ضعيفة من مناضلين فلسطينيين، حيث لم تتواجد فيها قوة مصرية نظامية، وذلك رغم أن قوة مصرية، خارج القرية، كانت قد اعترضت القوة المهاجمة وأمطرتها وابلا من أسلحتها، وقتلت وجرحت البعض منها، إلا أن قائد القوة قرر أن يبقي قسما منها متمترسا في نفس المكان، بحيث يجذب هذا القسم كل النار المصرية، بينما تراجعت قوة أخرى إلى الخلف، وهاجمت القرية من الناحية الشرقية، وبذلك استطاعت مفاجأة المدافعين عن القرية، فاحتلتها بالكامل خلال فترة قصيرة، وابتدأت في تحسين مواقعها الدفاعية، وبناء نطاق حول القرية من الأسلاك الشائكة والألغام.

وفِي نفس الليلة أيضا، هاجمت السرية أ من الكتيبة الثالثة، القوات المصرية المتمركزة في التلال المحيطة بقرية عبديس، بهدف احتلال هذه التلال الإستراتيجية، التي تشرف على المنطقة وتؤمن قرية عبديس وبيت عفة. واجهت القوة المهاجمة مقاومة مصرية شديدة، وتكبدت خسائر فادحة، إلا أنها نجحت في احتلال ثلاث تلال، وتمركزت فيها بعد أن طلبت الإمدادات من القوات المتواجدة في "نچبا"، وكذلك حصلت على أسلحة وذخائر كثيرة تركتها القوات المصرية بعد انسحاب قسم منها بشكل سريع من التلال، وذلك بسبب مفاجأتها من القوات الصهيونية المهاجمة.

تتمة للحملة وفي نفس الليلة، انطلقت سريتان من الكتيبة الأولى من وحدة "چڤعاتي" من مستعمرة "كفار مناحيم"، واحتلت قرية تل الصافي، وطردت أهلها منها، وأسرت عددا من المقاتلين الفلسطينيين، المتمركزين في القرية وكان عددهم مئتين وخمسين مناضلا. ابتدأ الهجوم عند الساعة الثانية صباحا، وتم احتلال القرية بعد عدة ساعات قليلة، لأن القوة المدافعة تفاجأت تماما، حيث أن القوة الصهيونية تقدمت حتى البيوت الأولى من القرية، بدون إطلاق رصاصة واحدة، مستغلة جنح الظلام، ثم فتحت نيران المدفعية على القرية، وابتدأ المشاة بقتل كل من تسول له نفسه الدفاع عن القرية، وتم تهجير كل سكانها قبل أن يبزغ الفجر.

شكل احتلال قرية تل الصافي، ضربة قوية للفلسطينيين، حيث قامت قوات "چڤعاتي" بتهجير أكثر من عشرة آلاف فلسطيني من القرى أدنبا ومغلس ومسمية الكبيرة والمسمية الصغيرة وتينة وصميل وزيتا وبعيلين وبرقوسيا وغيرها. وكذلك ساعد احتلال قرية تل الصافي على فك الحصار المصري- الفلسطيني عن المستعمرات "كفار مناحيم" و"كدما" و"چت" و"چلؤون".

معارك ضارية والمصريون يحضرون لهجوم مضاد

مع بزوغ يوم التاسع من تموز/ يوليو ١٩٤٨، نفذ العرب الفلسطينيون هجوما مضادا على القوة الصهيونية المتواجدة في تل الصافي، وابتدأوا بقنص جنودها، وكانوا قد حضروا من قرية عجّور والتي تبعد بضعة كيلومترات عن قرية تل الصافي، ولكن قوات "چڤعاتي" نجحت في السيطرة على الموقف، وصدت المناضلين الفلسطينيين. في الساعة الواحدة ظهرا، نفذ المناضلون، وكان عددهم حوالي سبعين مسلحا، هجوما آخر ونجحوا في اختراق القرية وقتل خمسة من الجنود الصهاينة، ولكن قائد القوة استدعى تعزيزات من "نچبا"، واستطاعت هذه أن تقتل عددا كبيرا من الفلسطينيين، مما أدى إلى انسحابهم إلى خارج القرية باتجاه قرية عجور.

في مرتفعات عبديس استمرت المعركة بين الجيش المصري المتبقي عليها، أي المرتفعات، والقوات الصهيونية المهاجمة، التي تكبدت خسائر فادحة بالأرواح بسبب تعرضها لوابل من رصاصات المصريين، وقامت ثلاث طائرات من نوع "سبيتفاير" بمهاجمتهم بأسلحتها الرشاشة، فوقع البعض منهم بين قتيل وجريح. بعدها قدمت فرقة دبابات من مركز شرطة عراق سويدان متبوعة بقوة من المشاة، متجاوزا لقرية بيت عفة من جهة الشرق، ولما أصبحت قريبة من مرتفعات "عبديس"، فتحت الدبابات نيرانها من المدافع الرشاشة، بحيث أن الجنود الصهاينة لم يستطيعوا أن يخرجوا من خنادقهم، واستمر القصف وإطلاق الرصاص حتى بعد الظهر، عندها قدمت النجدات من مستعمرة "نچبا"، وكانت الدبابات المصرية قد وصلت إلى مسافة ٥٠٠ مترا فقط من جنود "چڤعاتي"، وأصبح وضعهم خطيرا، ولذلك ألقوا بكل نيرانهم، مستعينين بالنجدة التي وصلتهم، على الدبابات والمدرعات المتقدمة، مما أدى إلى اشتعال النار في إحداها، فتراجعت إلى الخلف وبعدها انسحبت كل المدرعات، منهية هجومها الذي كان قاب قوسين أو أدنى من أن يتكلل بالنجاح.   

فشل المصريون في إبقاء مرتفعات عبديس في أيديهم،  كذلك فإن التواجد الصهيوني في قرية بيت عفة، التي احتلت في ذات اليوم، يعتبر تهديدا لقواتهم المتواجدة في عراق سويدان، ولذلك صدرت أوامر قائد اللواء الرابع إلى الكتيبة الثانية مشاة، باسترداد بلدة بيت عفة، ومن ثم استرداد مرتفعات عبديس، ولذلك أضيفت سرية من مشاة الكتيبة السابعة إلى الكتيبة الثانية، وفرقة دبابات وفرقة سيارات مدرعة.

كانت الخطة المصرية للهجوم تتلخص في هجوم سريتين للمشاة، سرية الكتيبة السابعة في اليمين معززة بفرقة سيارات مدرعة، وسرية الكتيبة الثانية في اليسار ويحمي جانبها الأيسر فرقة سيارات مدرعة، وكان وظيفة هذا الفرقة أيضا هو قطع الطريق على القوة الصهيونية من الانسحاب إلى مستعمرة "نچبا". وكذلك كان على فرقة دبابات أن يمشي في المقدمة، وخلفه سريتا مشاة.

نجاح في بيت عفة وإخفاق في مرتفعات عبديس

في التاسعة صباحا من يوم ١٠ تموز/ يوليو ١٩٤٨، تقدمت القوة المصرية باتجاه قرية بيت عفة، وحاولت القوة الصهيونية وقف التقدم المصري، بواسطة إطلاق كثيف للنيران، ولكن هذه النيران لم يكن لها تأثير كبير على القوات المصرية، والتي اقتحمت بيت عفة عند الساعة الثانية عشر ظهرا، بعد أن كبدت القوة الصهيونية خسائر فادحة بالأرواح. وبعد أن أتم الجيش المصري سيطرته على القرية، قرر قائد الكتيبة استغلال هذا النجاح، وذلك بإكمال هجومه المضاد ليستعيد السيطرة على بلدة عبديس، والمرتفعات القريبة منها.

في الساعة ١٢:٤٠ تقدمت القوة المصرية، واستولت على قرية عبديس بدون مقاومة كبيرة. تمركزت القوة في البلدة وأصدر قائد الكتيبة الثانية ببدء الهجوم على مرتفعات عبديس، على أن يتم الهجوم بواسطة سرايا المشاة، تتقدم تحت ستار القصف الشديد للقوات الصهيونية بمدافع الهاون، وأما الدبابات والعربات المدرعة فكانت تشغل المدافعين بنيرانها الكثيفة.

وبعد ثلاث ساعات من القصف الشديد، تقدمت القوة المصرية فتعرضت لوابل شديد من رصاص المدافعين، مما أوقع فيها عددا كبيرا من الشهداء، فاضطرت إلى الانسحاب إلى بيت عفة، واستمرت في الدفاع عنها في نفس الليلة، مانعة احتلالها من قبل لواء "چڤعاتي".

بعد الفشل في استعادة المرتفعات، صدرت الأوامر المصرية باستعادتها مهما كلّف الثمن، ولذلك ابتدأ هجوم آخر عند الساعة ٠٧:٣٠ صباحا، من يوم ١١ تموز/ يوليو ١٩٤٨، تقدمت نفس الكتيبة المصرية من الهجوم الأول، مدعمة بسرية سودانية لتعويض خسائرها البشرية من اليوم السابق، وقامت بتنفيذ نفس خطة يوم أمس: قصف شديد حتى الساعة ١٠:٣٠، ثم تقدمت قواة المشاة والتحمت مع المدافعين، ورغم أنها كبدتهم خسائر فادحة إلا أنها اضطرت إلى الانسحاب مرة اخرى، بعد سقوط عدد كبير من الجنود المصريين.

أعادت القوة المصرية الكرّة في الساعة ١٨:٠٠، وتقدمت قوة المشاة تحت غطاء ناري شديد من المدرعات والدبابات المصرية، وهاجم جنودها قوات "چڤعاتي" بالرشاشات، وتحت ستار الدخان وصل المصريون إلى مسافة ١٠٠ م من المدافعين، الذين فتحوا عليهم النار بكل قوة، فأصيب عدد كبير منهم، مما اضطرهم إلى الانسحاب عند الساعة ١٩:٠٠، إلى بيت عفة وتمركزوا فيها مرة أخرى.

معركة "نچبا" وهزيمة كبيرة

كانت مستعمرة "نچبا" هي مركز العمليات الصهيونية لوحدات "چڤعاتي"، ومنها انطلقت أغلب الهجمات على القوات المصرية، ولذلك قرر اللواء أحمد المواوي، قائد القوات المصرية في فلسطين، أن يحتل الجيش المصري هذه المستعمرة وبذلك يسيطر على الموقف في أرض المعركة، حيث أن وضع القوات المصرية ساء في الأيام الأخيرة، بسبب كثافة المعارك وقلة الإنجازات.

كانت الخطة المصرية تقضي بتقدم الدبابات امام المشاة، حتى تصل إلى الأسلاك الشائكة، ثم يقتحم المشاة المستعمرة من جهة الجنوب وجهة الغرب، وفِي هذه الأحيان تقوم سرية سعودية بهجوم مخادع من الناحية الشرقية، وتقوم سرية مدرعة بحماية الجانب الأيسر للقوات المصرية، وفِي نفس الوقت تعزل المستعمرة، بينما تقوم سرية مدرعات أخرى بقطع طريق جولس- كوكبة، وبذلك تمنع أي قوة معادية من التقدم من هذه الناحية. كذلك تقوم هذه السرية بإطلاق نيرانها على مستعمرتي "جات" و"چالوت"، وكذلك يتم قصفها بمدافع الهاون من أجل إيهام الصهاينة بأن الهجوم موجه إلى هاتين المستعمرتين.

ابتدأ الهجوم في الساعة ٠٦:٠٠ صباحا، في يوم ١٢ يوليو/ تموز ١٩٤٨، بقصف شديد من المدفعية، وتقدمت الدبابات المصرية باتجاه المستعمرة. عند الساعة ٠٧:٠٠ أحست القوة الصهيونية بتقدم من تلة ١٠٥، وفِي الساعة ٠٧:٣٠ اكتشفت القوة المتقدمة من شرطة عراق سويدان وتلة الخيش (تلة ١١٣). في الساعة ٠٨:٠٠ اشتركت الطائرات المصرية في الهجوم، وصارت تأتي أزواجا وتطلق قنابل حارقة على المستعمرة.

تقدمت الدبابات والمدرعات المصرية حتى مسافة مناسبة لتطلق نيران رشاشاتها وقذائف مدافعها بكل قوة وبدون توقف.

في الساعة ٠٨:٤٥ تم تطويق المستعمرة بالكامل، واشتد وقع النيران المصرية، واستعملت المدفعية المضادة للدبابات من أجل تدمير التحصينات الصهيونية، ثم ابتدأ قصف شديد بمدافع عيار ٦ أرطال، وراجمات القنابل عيار ٣ إنش.

عند الساعة ٠٩:٠٠ استطاعت الكتيبتان الثانية والثالثة المصرية، ورغم الخسائر الفادحة بالأرواح، من السيطرة على التلال المطلة على مستعمرة "نچبا" من الجنوب، ونصب الجنود المصريون مدافعهم الرشاشة وراجمات القنابل والمدفعية المضادة للدبابات، وفتحوا النار بكثافة على جنود المستعمرة، وكان الهدف من هذا القصف هو التمويه عن هجوم الكتيبتين الرابعة والأولى، واللتين هاجمتا من الشرق والغرب.

في الساعة ١٠:٠٠ ابتدأت المرحلة الأساسية للهجوم، ثلاث كتائب أطلقت نيران مدفعيتها ومدرعاتها ودباباتها بقوة، وانطلقت الكتيبتان المقتحمتان، الاولى والرابعة،  واقتربتا من الأسلاك الشائكة. عند الساعة ١١:٠٠ توقفت المدفعية وهاجم المشاة المستعمرة، منطلقين حتى مسافة ٥٠ مترا من جدار المستعمرة، حتى صاروا في مرمى المدافعين الذين اصلوهم بنيرانهم، وقتلوا عددا كبيرا منهم. صار الجنود المصريون يهجمون أفواجا أفواجا، محاولين اقتحام المستعمرة دون جدوى، متكبدين خسائر فادحة جدا، اضطرتهم إلى الانسحاب عند الساعة ١٣:٣٠.

استمر القصف المدفعي المصري للتغطية على الانسحاب، وعند الساعة ١٦:٠٠، هاجم المصريون المستعمرة مجددا من الناحية الشمالية الغربية، ولكنهم واجهوا مرة أخرى، بصدورهم العارية، نيران المدافعين فانسحبوا عند الساعة ١٨:٠٠، بعد سقوط أكثر من ٣٠٠ جندي مصري بين قتيل وجريح، في إحدى أكبر الهزائم المصرية في المعارك بين الهدنتين.

منذ هذه اللحظة، وبعد هذه الهزيمة الفادحة تحول مجرى الحرب تماما، بحيث انتقلت المبادرة إلى الصهاينة، اللذين حسنوا مواقعهم في أرض المعركة، وابتدأت الذخيرة المصرية بالنفاد، بسبب الكثافة النارية في كل معركة هجومية قام بها الجيش المصري، خاصة معركة "نچبا" والتي أطلق فيها المهاجمون آلاف القذائف من شتى المقاييس والأحجام.

(يتبع....)


المصادر:

١. "أفراهام إيلون"، لواء "چڤعاتي" في مواجهة الغازي المصري، إصدار الجيش الإسرائيلي؛
٢. لواء دكتور إبراهيم شكيب، حرب فلسطين ١٩٤٨، رؤية مصرية؛
٤. أحمد خليفة، حرب فلسطين ١٩٤٧-١٩٤٨، الرواية الإسرائيلية الرسمية، مترجم عن تاريخ "الهاغاناه"؛
٤.  "بيني موريس"، ١٩٤٨ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛
٥. مجلة "معرخوت"، العدد ٢٦٣-٤، حزيران / يونيو ١٩٧٨، معارك الأيام العشرة؛
٦. جمال عبد الناصر، كلمة صريحة، موعد في الأرض المقدسة؛
٧. ألون قديش - محرر، حرب "الاستقلال" ١٩٤٧-١٩٤٩، نقاش جديد. (مقال داڤيد طال، حسم عسكري في ظل صراع دبلوماسي)؛
٨. د. رفعت سيد أحمد، وثائق حرب فلسطين - الملفات السرية للجنرالات العرب؛
٩. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛
١٠. لواء "هنيچڤ" في المعركة، إصدار "معرخوت" - الجيش الإسرائيلي.