حُرمت من والدها حيا وميتا

حُرمت من والدها حيا وميتا
سلوى قبطي- سالم ووالدها الشهيد (تصوير "عرب 48")

قدمت سلوى قبطي- سالم، من قرية كفر كنا، أول من أمس الأحد، التماسا إلى المحكمة العليا، طالبت فيه بالسماح لها بزيارة قبر والدها في المقبرة المسيحية في قرية معلول المهجرة، الواقعة في قاعدة عسكرية ويمنع الجيش أهالي معلول من زيارة أقربائهم باعتبار المقبرة منطقة عسكرية مغلقة.

وقدمت الالتماس المحامية سوسن زهر من مركز "عدالة" الحقوقي، وذكرت فيه أن من حق سلوى قبطي- سالم زيارة قبر والدها الذي لم تره في حياتها إلا من خلال الصورة، فقد فقدت الملتمسة والدها قبل مجيئها إلى العالم بأربعة أشهر. وكانت والدتها حاملا فيها عام 1948 حين استشهد والدها برصاص العصابات الصهيونية، وهو في طريقه إلى مكان عمله في مدينة حيفا.

وخلال تلك الفترة دخلت العصابات الصهيونية قرية معلول، وقامت بتهجير سكان القرية الذين لجأ معظمهم إلى قرية يافة الناصرة، ومدينة الناصرة، وفيها ولدت سلوى قبطي بعد استشهاد والدها بأربعة أشهر، وقد رأت النور في منزل يعيش مأساة التهجير والقتل، ونشأت وترعرعت في منزل جدها الذي كانت تعتقد أنه والدها.

موقع "عرب 48" زار سلوى قبطي- سالم في بيتها صباح اليوم، الثلاثاء، رحبت بنا وهي تجلس على كرسي متحرك بعد أن أنهكها المرض، وهي في السبعين من العمر، دون أن يتحقق حلمها الذي بدأ منذ سنوات طويلة، بزيارة قبر والدها الذي يبعد عنها مسافة سبعة كيلومترات، وهي تعرف مكانه بالتحديد، لكنها محرومة من زيارته ومحظور عليها الوصول إليه بسبب أوامر عسكرية تفرضها السلطات الإسرائيلية.

تحدثت سلوى قبطي- سالم لـ"عرب 48" بألم وحزن، وقالت إنه "يحق لليهودي السفر إلى بولندا وزيارة معسكرات الإبادة والمحرقة اليهودية، وفي الوقت نفسه هم يحرمونني من زيارة قبر والدي وأقاربي من الدرجة الأولى، لا بل إنهم يدنسون التراب الذي يضمهم ولا يحترمون رفات الموتى. لقد حوّلوا المقبرة إلى مكان مهمل بشكل لا يقبله العقل ولا يمكن حتى الوصول إليه بسبب الأسلاك الشائكة والحفريات التي جرت فيه".

وأضافت: "أنا والنكبة توأمان، ومعلول هي توأم روحي فهي القرية التي ولد فيها أبي وأمي وأجدادي ودفن فيها أعز أقاربي. عندما يولد الطفل عادة ما يستقبلونه بالابتسامة، لكنني ولدت وسط بحر من الدموع، جاءت ولادتي بعد أسبوعين من تهجير أهلي من معلول وكان حلم العودة ما زال يراودهم. معلول هي القرية التي داس والدي على ترابها واستنشق هواءها، معلول روح قلبي".

الشهيد سالم قبطي
والد سلوى قبطي- سالم

منذ أن بدأت الحركة الوطنية مشروع زيارة القرى المهجرة تحت شعار "يوم استقلالهم يوم نكبتنا" كانت سلوى قبطي- سالم ترافق الراحل توفيق زياد إلى قرية معلول، كانت دائما تقول للجميع إن والدها دُفن فيها، وكان زياد يحاول عبثا المطالبة بالسماح لها بالوصول إلى قبر والدها، لكن السلطات الإسرائيلية كانت ترفض وتسمح لهم فقط بالوصول إلى البيادر، كانوا يجلسون على أطلال القرية ويرددون الأغاني الوطنية والشعبية والتراثية.

لم تترك سلوى قبطي- سالم بابا إلا وكانت تطرقه من أجل السماح لها بزيارة قبر الوالد والأقارب، وقالت: "في العام 2015 توجهنا إلى المسؤول عن المنطقة العسكرية من أجل السماح لنا بالوصول إلى ضريح والدي، وتوجهت إلى هناك برفقة خالي صبحي منصور البالغ من العمر اليوم 93 عاما، والذي يعرف تماما مكان قبور العائلة، لكننا ذهلنا من مشهد الخراب، لقد عاثوا فسادا في المقبرة ودنسوها لدرجة أننا لم نستطع الوصول إلى القبر بسبب الحفريات التي أظهرت بعض عظام الموتى، والأسلاك الشائكة التي حالت دون وصولنا إلى التلة التي عليها دفن والدي، ومن بعيد قال لنا الضابط إن تلك التلة هي المقبرة، ووعدنا الضابط بأن يتم تسهيل عملية الوصول إلى المقبرة خلال شهرين، ولم يجد أي جديد منذ خمس سنوات". 

استشهاد والد سلوى

استشهد والد سلوى، سالم قبطي، بتاريخ 1948.3.24، كان عمره 25 عاما، وهو في طريقه إلى مكان عمله في سكة القطارات بمدينة حيفا. كان قبطي يسافر على "الدربية" في حافلة تقل عمالا حين داهمهم الجنود وأطلقوا وابلا من الرصاص على الحافلة، أسرع قبطي إلى مقدمة الحافلة خشية أن يصاب السائق، لكي يتولى قيادة الحافلة مكانه إلا أن رصاصة أصابته، نقل على إثرها إلى مستشفى "رمبام" وهناك أعلنت وفاته.

سلوى تحمل صورة والدها الشهيد (تصوير "عرب 48")

في تاريخ 1948.7.15 اقتحمت القوات الإسرائيلية معلول، في حين خرج سكانها خشية تنفيذ مجازر في القرية، معظم أهالي القرية توجهوا إلى يافة الناصرة، والبعض منهم إلى لناصرة، بينهم والدة سلوى التي أنجبتها في تاريخ 1948.7.31 أي بعد أسبوعين من مغادرة أهلها للقرية.

لم تنقطع العلاقة بين سلوى وقريتها معلول منذ كانت جنينا في أحشاء والدتها، قالت: "نشأت على قصص معلول وعلى الحكايات التي كنت أسمعها من جدي، كنت أعتقد أن جدي هو والدي، لكن بعد أن بدأت بالنضوج تم إبلاغي بأن والدي في السماء، وأنا عازمة على بذل الغالي والنفيس من أجل زيارة قبر والدي، هذا مشروع عمري وحياتي، ورغم عجزي سأتحدى كل العوائق وكل المصاعب مهما بلغت، في سبيل تحقيق هدفي". 

سلوى تنتظر السماح لها بزيارة ضريح والدها الشهيد (تصوير "عرب 48")

وأضافت: "لقد أودعت سري في بئر القرية، وأوصيت البئر برواية قصتي بعد موتي وحفظ صدى صوتي للأجيال القادمة، إذا ما انتهى عمري ولم أتمكن من زيارة قبر والدي".

لقد جاء الالتماس إلى المحكمة العليا ليس فقط لكي يسمح لسلوى بزيارة قبر والدها، بل من أجل إعادة صيانة المقبرة وترميم ما أفسد فيها، في الوقت الذي ترفض السلطات تحمل مسؤولية هذا الحظر.

وأكدت سلوى أنه "لا نعرف من هي الجهة التي تمنعنا من زيارة المقبرة، فالمؤسسة العسكرية تتهرب من المسؤولية وتدعي أن الدخول إلى منطقة عسكرية مغلقة يحتاج إلى تصريح من وزير الأمن، ووزير الأمن بدوره يرفض الرد على توجهات العائلة، ولا يوجد هناك طرف على استعداد لتحمل مسؤولية هذا المنع، وهذا هو ما دفعني إلى تقديم الالتماس".