الهدم في قلنسوة: صراع وجود وليس مناطق نفوذ فحسب

الهدم في قلنسوة: صراع وجود وليس مناطق نفوذ فحسب
أم إسماعيل: هذه أرضنا وهذا بيتنا

كثيرة هي المدن والقرى العربية في البلاد التي اقتحمتها جرافات هدم لجان البناء والتنظيم، وقليلة تلك التي لم تعش مسلسل الهدم، بيد أن لمدينة قلنسوة تجارب وحكايات مختلفة، حيث لم يكن مشهد الهدم غريبا عن المدينة التي تعيش في هذه الأيام حراكا شعبيا تصديا لإخطارات الهدم الفورية الصادرة بحق عدد من المنازل في الجهة الشرقية للمدينة بذريعة البناء غير المرخص.

محمد عودة حاول إضرام النار بنفسه عقب تلقيه بلاغا بإخلاء منزله تمهيدا لهدمه. (عرب 48)

وفي حكاية قلنسوة فإن ركام الهدم في الأحياء السكنية الغربية من المدينة ما زالت شاهدة وحاضرة على نهج وسياسة المؤسسة الإسرائيلية مع البلدات العربية بكل ما يتعلق بالتضييق والحصار ومصادرة الاحتياطي الأخير من الأرض، في وقت يغيب التخطيط ومماطلة دوائر ولجان التنظيم منذ عقود في المصادقة على الخرائط الهيكلية ورفض توسيع مسطحات النفوذ والعمران.

شكل مطلع كانون الثاني/ يناير 2017 مرحلة مفصلية بكل ما يتعلق بأزمة السكن والاكتظاظ في مدينة قلنسوة، إذ اقتحمت قوات الشرطة الأحياء الغربية منها وحولتها إلى ثكنة عسكرية في مشاهد تأبى أن تفارق الذاكرة الجماعية لسكان المدينة، إذ تم هدم 11 منزلا ومنشأة زراعية بذريعة البناء دون تراخيص.

منازل ومنشآت صناعية وتجارية بالجهة الشرقية لقلنسوة أقيمت على أراض زراعية ترفض لجان التنظيم ضمها لمسطح البناء. (عرب 48)

قلنسوة حالها كسائر البلدات العربية، فمنذ النبكة عاشت مصادرة الأرض وعانت التضييق، إذ بلغ مسطح نفوذها وامتدت أراضيها على مساحة 25 ألف دونم، وبعد 70 عاما من سياسات المصادرة والاقتلاع تقلصت مناطقة نفوذ المدينة البالع تعدادها السكاني 23 ألفا، إلى 8 آلاف و400 دونم، فيما يتهدد الهدم 600 منزل شيدت بغالبيتها قبل سنوات طويلة، وبقيت خارج مسطح البناء، علما أن التوسعة الأخيرة للخريطة الهيكلية صودق عليها في العام 1998، حين بلغ عدد سكان المدينة 14 ألف نسمة. 

هدم وتشريد

يعكس هذا الحال الذي عصف بـ11 عائلة حال عشرات العائلات أو ربما مئات العائلات والشبان الذين يسعون للاستقرار وبناء الأسرة وأن يكون لهم منزل. ولعل السبعينية مريم واوية المعروفة بأم إسماعيل تجمل ما تعرضت له قلنسوة منذ النكبة إلى يومنا هذا، فتجربتها مع الهدم والتشريد لم تكن وليدة الألفية الثانية، فمنذ سنوات بل عقود عاشت الهواجس وتخطت الحواجز، حيث استقرت وزوجها بغرفة واحدة، حرثت وزرعت الأرض إلى جانب زوجها في مع معركة صمود تأبى أم إسماعيل إلا حسمها.

تعيش أم إسماعيل وأولادها السبعة على أمل الاحتفال والفرح بشقيقهم الأصغر، لكن الإخطار الذي وصلهم في آذار/ مارس 2017، نغص عليهم عيشتهم وفرحتهم، وأدخلهم في دوامة الصراع على المسكن.

تقول أم إسماعيل لـ"عرب 48": "بدأت حياتي مع زوجي بغرفة واحدة فقط كانت كل منزلنا، وحرمت نفسي من كل شيء لتربية أولادي، عملنا سنوات طويلة، واشترينا أرضا وقمنا ببناء المنازل للأولاد، واليوم يريدون هدم منزل ابني الصغير، فهذه أرضنا وهذا منزلنا، وسنموت من أجل الدفاع عنه وحماتيه من الهدم".

بدت السبعينية متعبة إذ أنهكتها وأتعبتها الأمراض، لكنها متسلحة بعدالة قضيتها بالدفاع عن منزل نجلها، حيث تصر على المشاركة في الفعاليات الاحتجاجية والشعبية المتواصلة في البلدة للأسبوع الثالث. ورغم كبر سنها لكنها تسير بخطى ثابتة وبمعنويات عالية على إحراز النصر، وفي عينيها جواب واحد لا غير بالرد على إخطار الهدم: "من حق أولادي الفرح والاستقرار، لن نركع إلا لرب العالمين، وفي معركة الدفاع عن منزلنا يا قاتل يا مقتول".

غضب الأهالي في قلنسوة. (عرب 48)

هواجس ومعاناة

وفي حين يعيش مئات السكان من أهالي قلنسوة في الأحياء السكنية في الجهة الجنوبية، إلا أنهم يواجهون تحديات وبيروقراطية لجان التنظيم والبناء، إذ تتبع الأراضي التي يقطنون فوقها لنفوذ بلدية الطيبة، بحيث أن الصراع مع مؤسسات الدولة ليس على رخصة بناء وحسب، بل على الحدود والنفوذ، ما يعمق معاناة ومأساة مئات السكان، فيما يواجه العشرات منهم خطر الهدم لمنازلهم.

بحجة البناء غير المرخص وإشكالية مناطق النفوذ تواجه عائلة خطيب خطر التشريد، إذ صدرت إخطارات هدم بحق 4 منازل للعائلة التي شيدت فوق أراض بملكية خاصة.

 يقول إياد خطيب: "منذ العام 2017 قدمنا طلبات وخرائط مفصلة لترخيص منازلنا، لكن دائما ترفض طلباتنا بحجج واهية، تارة بسبب البيئة والطبيعة؛ وأخرى بسبب مناطق النفوذ والحدود؛ وأخرى لقرب المنازل من شارع عابر إسرائيل، فعشرات المنازل في الحي مهددة بالهدم".

وأوضح خطيب لـ"عرب 48"، أن سكان الحي وبالتعاون مع بلدية الطيبة قدموا التماسا للمحكمة لإلغاء أوامر الهدم، وإلزام لجان التنظيم والبناء بالمصادقة على الخرائط التفصيلية، وإدخال جميع المنازل لمسطح البناء، وإنقاذها من شبح الهدم، لكن الجهاز القضائي كما المؤسسات التخطيطية يماطل في الحسم وإصدار قرارات تنصف السكان وحقهم بالعيش الكريم فوق أراضيهم وفي منازلهم.

النشء والأطفال يشاركون بالحراك الشعبي الرافض للهدم. (عرب 48)

ويخشى خطيب، وهو متزوج وأب لطفلين، أن يجد ذاته مشردا دون مأوى في حال أصرت لجان التنظيم والبناء على الهدم ورفضت طلبات المصادقة على الخرائط التفصيلية. ويسرد معاناة العائلات في الأحياء السكينة الجنوبية التي تعيش هواجس التشريد في الوقت الذي يأبى شبح الهدم مفارقة منازلها، لافتا إلى أن العائلات باتت تعيش أوضاع معيشية صعبة بسبب تراكم الديون جراء الغرامات الباهظة والمصاريف في سبيل إنقاذ منازلها، فيما الأطفال يعيشون هواجس وأوضاعا نفسية سيئة متسائلين: "هل ستهدم منازلنا؟".

(عرب 48)

إخطار وإنذار

لا يختلف حال المواطن محمد عودة عن حال عائلة خطيب والمواطنين الذين يعيشون في الأحياء السكنية بالجهة الشرقية من المدينة والممتدة على مساحة 1600 دونم زراعية ومنطقة صناعية وتجارية على مساحة 400 دونم، إذ يعيش السكان في المنطقة حالة من القلق والخوف عقب إخطارات الهدم الفورية الصادرة بحق 3 منازل في المنطقة، مع دخول قانون "كيمنتس" قبل أسابيع حيز التنفيذ، إذ يوسع القانون صلاحيات لجان التنظيم والبناء بالهدم وفرض الغرامات بذريعة البناء دون تراخيص، وذلك دون اللجوء للمحاكم.

من مظاهرات قلنسوة ضد الهدم (عرب 48)

لم تجد طلبات الترخيص نفعا كما المسار القضائي الذي جمد أمر هدم منزل عودة لعدة أسابيع بعد أن طالبتهم الشرطة قبل أيام إخلاء المنزل وهدمه ذاتيا وإلا ستوفر الحماية لجرافات لجان التنظيم للهدم وتحميل العائلة غرامات وتكاليف الهدم والحراسة التي قد تصل مئات آلاف الشواقل، حيث حاول صاحب المنزل إضرام النار بنفسه حين تلقى الإنذار من الشرطة خلال مشاركته بالتظاهرة التي نظمها الحراك الشبابي بالمدينة.

سرد عودة، وهو متزوج وأب لثلاثة أولاد في حديثه لـ"عرب 48" الهواجس التي تعيشها عائلته منذ إخطارها بالهدم لأول مرة بالعام 2017، إذ اضطر لتشييد منزل لأسرته ووالدته، وآخر لشقيقه فوق أرض عائلته، حيث ورث الأرض الزراعية أبا عن جد، قائلا: "هذه الأرض بملكيتنا قبل قيام إسرائيل، صحيح الأرض زراعية، لكن الناس وبسبب الضائقة السكنية وانعدام مسطحات البناء اضطرت للبناء فوق أراضيها الزراعية".

قلنسوة. (عرب 48)

وأضاف عودة: "المشكلة بالمخطط وليس بالمواطن، لقد دفعت مبلغ 150 ألف شيكل لتحضير خارطة مفصلة ومصاريف قضائية لاستصدار رخصة بناء، لكنهم يرفضون ويصرون على الهدم، لا أملك 2 مليون شيكل لشراء نصف دونم للبناء، وهذا حال مئات العائلات والأزواج الشابة في قلنسوة، وفي الجهة الشرقية لوحدها هناك 300 منزل شيدت فوق الأراضي الزراعية".

وحول صعوبة الحصول على تراخيص للبناء من لجان التنظيم يقول عودة: "عملت لسنوات لبناء المنزل كغيري من أهالي المدينة، شيدنا المنازل فوق أراضينا، وليس فوق أراضي الدولة، لكن لا تراخيص، ولا توسيع مسطحات بناء، ولا مصادقة على خرائط مفصلة، وبالمقابل نرى التجمعات السكنية اليهودية الكيبوتسات تتمدد وتتوسع وتشهد بناء منازل وأبراج سكنية وتحاصر قلنسوة والطيبة والطيرة".

قلنسوة. (عرب 48)

وناشد عودة المجتمع العربي التجند ورص الصفوف في معركة الدفاع عن الأرض والمسكن والمنازل التي يحوم حولها شبح الهدم، مؤكدا أنه كسائر العائلات في المدينة تعيش الهواجس وحالة من الخوف في ظل الترقب، قائلا: "لا نعرف مصيرنا، اليوم نحن في قلنسوة وغدا جيراننا في الطيبة والطيرة ومستقبلا أبناء شعبنا في النقب الجليل، لكنني أعرف بأنني سأحمي بيتي حتى لو كلفني ذلك حياتي".