ما وراء الأرقام الإسرائيليّة الرسميّة للتجنيد في النقب؟

ما وراء الأرقام الإسرائيليّة الرسميّة للتجنيد في النقب؟
يتحضرون للانضمام للجيش

مر خبر التحاق 30 شابًا عربيًا من النقب، بدورة تحضيرية تسمى "تطوير المهارات، الاندماج في المجتمع الإسرائيلي والتجهيز للالتحاق بالجيش الإسرائيلي" مرور الكرام، ولم يثر الضجة المعتادة ولم يشغل الإعلام العربي كثيرًا، حتى أنه لم يثر النقاش الاجتماعي المعهود لهكذا قضية.

يظهر في الصورة المرفقة شبان في مرحلة الدراسة الثانوية بالألوان العسكرية وفي حالة من الاحتفال بانضمامهم للدورة العسكرية، يرافقهم شيوخ باللباس العربي إلى جانب ضباط في الجيش الإسرائيلي، والقصد من هذا الإعلان واضح، محاولة لتصدير نسخة القبول الاجتماعي في النقب للتجنيد العسكري البعيدة عن الصحة.

وعند الخوض في خبر التحاق "الشبان البدو الـ30" في الدورة التحضيرية العسكرية يفهم أن المجموعة تضم شبانا من العرب البدو في منطقتي الشمال والجنوب، ولكن تم توجيه النص الإعلامي الصادر عن الجيش الإسرائيلي حول الدورة التحضيرية، للعرب في النقب فقط.

حملات ترويجية للجيش الإسرائيلي تستهدف الشبان العرب بالنقب

وبحسب المعلومات المتوفرة فإن عدد المنتسبين للخدمة العسكرية من عرب النقب في عام 2013 بلغ نحو 130 فردا، وفي عام 2015 انخفضت إلى 89 فردا، بينما في عام 2016 كانت 110 أفراد فقط والتي نشرت في تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي - 2018 ولم تصدر إحصائيات تختص بأعداد المنتسبين للجيش من عرب النقب لوحدهم بعدها.

يعرف أهل النقب جيدًا أن حلم السلطات الإسرائيلية هو تحويل شباب النقب إلى احتياطي بشري عسكري، وتجنيد عرب النقب هو أحد الأهداف المعلنة حسب الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي، والسؤال هو كيف تسوق إسرائيل الخدمة العسكرية للشباب العرب بالنقب في المرحلة الحالية؟

الحرب النفسية

يرى مراقبون أن عمل مؤسسات التجنيد الإسرائيلية يعتمد على مفهوم "الحرب النفسية" لدفع أبناء المجتمع العربي في النقب للتصديق بطبيعية التجنيد للجيش الإسرائيلي وصناعة حالة "الجندي البدوي في الجيش الإسرائيلي"، ويستذكر نشر الجيش الإسرائيلي، نهاية العام الماضي، إحصائيات تتعلق بعدد المجندين ممن سماهم بـ"الطائفة البدوية" جمع فيها بين المواطنين العرب من النقب، والعرب من بدو الشمال أي (العرب البدو سكان قرى شمالي البلاد)، أواخر أيلول/ سبتمبر من العام الماضي سُجّل حسبها العام 2017 ارتفاعًا بنسبة 30% في عدد المجندين الجدد من "الطائفة البدوية" (على حد تعبير الجيش) عن العام الذي سبقه، حيث تجند 475 بدويًا في عام 2017 مقابل 375 في عام 2016 و 354 في عام 2015.

ويستدل من الإحصائيات الجديدة حول أعداد المجندين العرب البدو في الجيش الإسرائيلي، أنه طرأ ارتفاعا في عدد الضباط حيث وصل إلى 92 ضابطا عربيا بدويا في عام 2017.

التجنيد بغطاء "القيادة الشابة"

تستثمر السلطات الإسرائيلية موارد وميزانيات كبيرة في محاولة لزيادة نسبة المجندين للخدمة العسكرية في أوساط الشباب العرب من النقب، خلال السنوات الأخيرة، وتتلقى مؤسسات تروج للتجنيد العسكري تحت غطاء "القيادة الشابة"، دعمًا حكوميًا كبيرا، كما تخصص لها المنشآت والتصاريح الحكومية الملائمة لاختراق منظومة المدارس العربية ولكسر الحواجز بين الشباب العربي في النقب والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويذكر منها "الشبيبة العاملة والمتعلمة" و"مدرسة نيتسانا الداخلية" ومشروع "نجوم الصحراء".

متعاقدو الرؤوس

جلس وحيدًا على طاولة في المحطة المركزية في مدينة بئر السبع، كانت نظرات الفتى سامي، غريبة، بالصدفة تلاقت عيني مع الفتى الصغير، الذي بلغ الـ18 لتوه، في البزة العسكرية الإسرائيلية ضائعًا ومستغربًا، اقتربت وطلبت منه الإذن بالجلوس.

كان سامي وهو من إحدى القرى مسلوبة الاعتراف في منطقة شارع 40 والتي تعاني مخططات التهجير والملاحقة المستمرة للمواطنين العرب، ضائعًا وغريبًا على نفسه، دارت بيني وبينه المحادثة التالية عند سؤاله كيف وصل إلى هنا؟

"ما في شي اسويه عندنا قالوا بتاخذ دلم (قسيمة بناء) وبيبطل مصروفك على أهلك!

من الي قالوا؟
الي يجيبونا للجيش.

كيف بيجيبوكو للجيش؟

بيحكي مع أهلك وبيجي عندك عالبيت، حتى أهلي كانوا محتاجين وأقرضهم دراهم، أبو رشدي ومن خاطره فتت الجيش.

في أي وحدة حطوك؟

(غشاشيم- قصاصي الأثر)

بتعرف ايش بيسوي قصاص الأثر في الجيش يا سامي؟

أه بعرف

ايش؟

بيموت أول واحد". 

خلال الحديث مع سامي مر شابان آخران من معارفه، تبين أنها المرة الأولى التي يرانه فيها بالبزة العسكرية، سلم الشابان على سامي وخاطباه بجملة، "في النهاية أقنعك أبو رشدي بالانضمام للجيش".

استطاع "أبو رشدي" وهو أحد مسوقي التجنيد للجيش الإسرائيلي إقناع أهل "سامي" بضمه إلى صفوف الجيش الإسرائيلي، ويفهم من المحادثة التي جرت بين سامي وصديقيه أنه حاول معهما أيضًا، استخدم "أبو رشدي" علاقته الشخصية بأهل "سامي" بالإضافة إلى نثر الوعود بالمسكن والراتب وغيرها.  

من محادثات مع شبان عرب، من قرى النقب مسلوبة الاعتراف، بالإمكان فهم مدى انتشار "متعاقدي الرؤوس" العاملين في الخفاء على تجنيد أبناء النقب في الجيش الإسرائيلي في القرى مسلوبة الاعتراف ذات الأوضاع الحياتية الصعبة. قد يكون الداعي إلى التجنيد ضابطًا في الجيش أو ضابطًا سابقًا أو جنديًا سابقًا، وقد لا تكون له أية علاقة معروفة بالجيش الإسرائيلي، وبينهم شيوخ وقضاة عشائريون.

يتم استغلال واقع المعاناة في قرى الصمود وعدم وجود فرص واستثمار في أوساط شباب النقب، لبيع الأكاذيب والوعود بحياة أفضل عبر الخدمة في الجيش الإسرائيلي، ويظهر هذا جليًا في الوعد الأول الذي يطلقه دعاة التجنيد دائمًا وهو "إذا انضممت إلى الجيش لن يتم هدم منزلك"!

كذب المؤسسة مقابل الرفض المجتمعي

وبعيدًا عن البعد القومي لمسألة التجنيد المرفوضة بشكل قاطع، بانت أكاذيب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية جلية في النقب، فعلى مدار السنوات الماضية تلقى الجنود العرب البدو المسرحين من الخدمة العسكرية، أوامر استدعائهم للاحتياط العسكري وأوامر هدم منازلهم في نفس سلة البريد، وتعرض العرب للتمييز داخل الجيش الإسرائيلي وخارجه، كما اختير لهم العمل في وحدات معينة أهمها للمعرفة هي وحدة (قصاصي الأثر) وهي مكونة من "شبان عرب بدو ورثوا مهارات التعقب وقص الأثر من تراث آبائهم وطورها لهم الجيش الإسرائيلي" حسب تعريفه.

ويعرف في العمليات العسكرية دور قصاص الأثر بأنه أول فرد في الكتيبة العسكرية، وعليه تقع مسؤولية تقدم المجموعة وتفحص المحيط لدخول المدرعات، وبالتالي يعرف قصاص الأثر بكونه "أول من يقتل في المعركة".  

يرفض المجتمع العربي في النقب التجنيد في الجيش الإسرائيلي ولا يقبله، وسجلت العديد من المشاهد التي أثبتت هذا الموقف في قرى النقب ومنها، رفض أداء الصلاة على الجنود العرب من النقب الذين قتلوا في العدوان على غزة، وعدم اعتراف العديد من العائلات بأن لهم أبناء خدموا أو قتلوا في الجيش، ورفض تزويج الجنود بسبب خدمتهم العسكرية وغيرها.

وعلى الرغم من المعارضة الشعبية للتجنيد العسكري، لا توفر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية جهدًا في محاولات التجنيد، وتستمر خفافيش التجنيد وعملاء الجيش الإسرائيلي في محاولات سرقة الشبان العرب إلى الجيش الإسرائيلي، ولكن يبدوا أن الرفض الجماهيري لا يصبو لحجم التحدي والاستثمار من طرف الجيش والمؤسسة العسكرية، حيث يلاحظ رؤية مشهد شباب عرب صغار يرتدون البزة العسكرية، في المرافق العامة، وهنا يطرح السؤال، من يحارب التجنيد في الزوايا المظلمة والقرى المنسية الغارقة في الفقر والمعاناة؟