مقابلة | هوّاري تبحث العمل النسوي الإسلامي في الداخل ومقاربته عربيًا

مقابلة | هوّاري تبحث العمل النسوي الإسلامي في الداخل ومقاربته عربيًا
هوّاري

  • النشاط النسائي بمجمله هو جزء من حراك سياسي لأقلية مقطوعة ومقموعة
  • بخلاف العالم العربي يشدّد النشاط النسائي الإسلامي عندنا بالأساس على المجتمعي والدعوي
  • كذلك الأمر بالنسبة للتشارك والتفاعل بين الناشطات "الإسلاميّات" و"العلمانيّات"

هل يصح استعمال مصطلح "نسوي" في سياق النشاط النسائي الإسلامي؟ وهل "النسوية" هي ترجمة حرفية وفعلية لـ"الفمينزم" الغربي الليبرالي؟ وماذا عن مدرسة "الفمينزم" الشرقي، التي خرجت عن هيمنة القيم الغربية على موضوع تحرير المرأة ومساواتها؟

بغض النظر عن إجابات تلك الأسئلة، فإنّ النشاط النسائي الإسلامي في فلسطين والعالم العربي، ما يقع منه إلى جانب الحركات الإسلامية أو المستقلّ نسبيًا أو كليًا عنها، هو ظاهرة قائمة آخذة بالاتساع، وقد خاضت المرأة الفلسطينية تحت هذا اللواء (الإسلامي)، وما زالت، نضالاتٍ مشهودةً وقدّمت عشرات المناضلات والمعتقلات والاستشهاديات.

ولإلقاء مزيدٍ من الضوء حول هذا الموضوع، التقينا الناشطة السياسية والنسوية عرين هواري، التي اختارت بحث "النشاط النسائي الإسلامي وعلاقته بالدين والدولة" في إطار أطروحة الدكتوراه التي تعمل على إعدادها في جامعة بئر السبع، وأجرينا معها هذا الحوار.

عرب 48: مثير هذا الموضوع، خصوصًا عندما يبحث من قبل نسوية معروفة مثلك، هل يشمل العمل النسائي الإسلامي كل فلسطين أم يقتصر على الداخل فقط؟

هواري: البحث يقتصر على الداخل الفلسطيني، ويشمل أساسًا الحركتين الإسلاميتين الشمالية والجنوبية والنساء اللاتي يعرفن أنفسهن "نسويات إسلاميات" في "جمعية نساء وآفاق"، ولكن البحث النظري يمتد لدراسة "الدين والدولة والجندر" في فلسطين والعالم العربي عمومًا، منذ أواخر القرن التاسع عشر، بداية مشروع الحداثة، وحتى اليوم.

ولا يتطرّق البحث للمرأة الإسرائيلية، لأنني لا أقارن أنفسنا بالإسرائيليات بل بالعالم العربي، الذي يشكّل امتدادنا وعمقنا الطبيعييّن، والشرق الأوسط عمومًا ببعده الإسلامي، وصولا إلى أقليات إسلامية خارج الشرق الأوسط، أيضًا.

أما لماذا الدولة، أيضًا، لدى دراسة العلاقة بين الدين والمرأة، فلأن الدولة موجودة وحاضرة بقوة في هذه العلاقة، ولا يمكن مناقشة مواضيع من هذا النوع دون طرح سؤال الدولة شئنا ذلك أم أبينا.

عرب 48: لقد ارتبطت "النسوية" بالحركات العلمانية الغربية أساسا وطبعت بهذا الطابع، وجرى تسويقها على أنّها نقيض للدين والتراث والتقاليد السائدة، حتى صار من الغريب الجمع بينها وبين تلك المركبات، خاصة الحديث عن "النسوية والإسلام" أو "النسائية والإسلام" مع الفرق بالمعنيين، كما تتوخين؟

هواري: هناك هيمنة للحركة النسوية العلمانية لأنها هي من بدأت وصكّت مصطلح "الفمينزم" الذي ارتبط بها، ولكن منذ تسعينيات القرن الماضي بدأنا نشهد إصدارات أخرى لناشطات نسويات يعرفن أنفسهن "إسلاميات"، وحتى لو أن بعضهن لم يسمين أنفسهن "نسويات" ولكن يطالبن بالعدالة والمساواة، وهناك، أيضًا، من بدأن بإعادة النظر في نشاط النساء داخل الحركات الإسلامية، في ما يمكن اعتباره خروجًا على الفقه السني الذي كان سائدًا، والذي كرّس الأبوية والذكورية وتكرار ما يقوله الرجال.

مشاركة النساء في الثورة الإيرانية شكّل نقطة تحول للعمل النسوي الإسلامي (أ ب)
مشاركة النساء في الثورة الإيرانية شكّل نقطة تحول للعمل النسوي الإسلامي (أ ب)

أولئك النسوة بدأن بقراءة مختلفة لنشاطهن ومكانتهن وطبيعة دورهن داخل الحركات الإسلامية وطبيعة دورهن في المجتمع، وطرح أسئلة حول ماهية علاقتهن مع النساء وعلاقتهن مع أنفسهنّ واستيعاب حقيقة أنهن حاملات لوكالة اجتماعية ولمشروع وليس فقط يكررن ما يملى عليهن.

عرب 48: من الواضح أن هناك فوارق قد تصل حد التناقض، بين النساء المنتميات للحركات الإسلامية وينشطن في إطارها وبين النسويات ذوات المرجعية الإسلامية، إنّ صح التعريف؟

هواري: المرجعية هي الإسلام لدى المجموعتين، ولكن النساء اللاتي يعرفن أنفسهن كحركات إسلامية عادة مرجعيتهن الإسلام التقليدي الذي لا يتعدى المذاهب الأربعة أو المذهب المركزي المسمى بـ"الإثني عشري" في الحالة الشيعية، في المقابل، فإنّ النساء اللاتي يعرفن أنفسهن نسويات إسلاميات يعدن قراءة النصوص المقدسة كلها وتفسيرها بشكل جديد، ويقلن إنّ هذه النصوص تعرضت لنوع من الهيمنة، سنية أو شيعية، ويجب تحريرها من هذا الأسر وإطلاقها إلى فضاء الواقع، إضافة إلى فتح أبواب حرية التفسير والاجتهاد، خاصة وأنّ الفقهاء أنفسهم، بمن فيهم أصحاب المذاهب الأربعة في الإسلام السني، لم يدّعوا أنهم منزّهون عن الأخطاء وكانوا يقدمون اجتهادًا في عصرهم وسياقهم.

عرب 48: يحضرني في هذا المقام اسم فاطمة المرنيسي، وخاصة كتابها "الحريم السياسي"، الذي تناولت فيه دور المرأة في فجر الإسلام وقربها من مركز اتخاذ القرار؟

هواري: في كتابها "سلطانات منسيات" تستحضر المرنيسي 14- 15 قائدة أو ملكة أو رئيسة من التاريخ الإسلامي كدليل مادي على المكانة التي تمتعت بها المرأة والدور الذي لعبته في هذا التاريخ، وتقول إنّ المسلمين هم من طمسوا هذه المكانة وصادروا هذا الدور، وليس الدين.

كذلك تعيد المرنيسي قراءة التاريخ الإسلامي وتبرز الدور الأساسي الذي لعبته أمهات المسلمين، وخاصة السيدتان خديجة وعائشة رضي الله عنهما، في عملية صناعة القرار وتطور الحدث الإسلامي.

وتمتاز المرنيسي بانفرادها عن غيرها بالاشتغال بالحديث النبوي الشريف، في حين أنّ الغالبية اشتغلت بإعادة قراءة النص القرآني الكريم، بصفته النص المقدس المركزي، وهي تكشف أن الغالبية العظمى من الأحاديث التي تنتقص من مكانة المرأة ودورها هي أحاديث ضعيفة وغير صحيحة (جدير بالذكر أن جامعي الحديث كانوا قد جمّعوا مئات آلاف الأحاديث ثبتت صحّة الآلاف منها فقط).

أحد الأمثلة هو الحديث الذي يقول "ما أفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة"، الذي تشكك فيه المرنيسي من ناحية المضمون ومن ناحية السند، وكما هو معروف، فإنّ صحة الحديث تعتمد على المتن والسند، كذلك الأمر بالنسبة للحديث الذي يقارن بين المرأة والكلب ويفيد بأن كليهما يقطع الصلاة.

عرب 48: يمكن القول إنّ إعادة قراءة النصوص الدينية (قراءةً نسويةً إن صح التعبير) يُعتبر نقلة في الفكر النسوي العربي وعودة إلى الجذور الشرقية بعد فترة طويلة من الغربنة؟

هواري: هذا التوجه بدأ في إيران غداة الثورة الإسلامية وأحدث نقاشات جميلة ومثيرة بين النسويات الإيرانيات، سواءً اللاتي اعتمدن الإسلام أو اللاتي رفضن اعتماد الإسلام، أو من سعين إلى التغيير من داخل النظام الإسلامي أو من لم تؤمن بالتغيير من داخل هذا النظام، وهو نقاش انتقل لاحقا إلى مصر والمغرب العربي.

من هنا بدت مهمة هذا التيار شق الطريق بين "الفمنيزم" الغربي ومرجعيته الليبرالية العلمانية وبين المرجعية الإسلامية التقليدية.

عرب 48: عودة إلى الداخل الفلسطيني، ماذا وجدت في الميدان؟

هواري: وجدت أولا أن داخل الحركتين الإسلاميتين هناك "أطرًا نسائية" وأن نشاط النساء يتركّز، أساسًا، في تلك الأطر وليس في النشاط العام، بمعنى مجلس الشورى والمكتب السياسي وغيرها من هيئات التنظيم المسؤولة عن صنع القرار السياسي، وثانيا أنّ نشاط تلك الأطر يتركز في العمل المجتمعي ( أطفال، أسرة) والدعوي، على غرار مجلة "إشراقة" التي كانت تصدرها، وإضافة إلى جمعيات تنشط من أجل الأقصى بشقي الحركة الشمالي والجنوبي، وكذلك الأطر الطلابية "اقرأ" و"القلم" ومؤسسة "جسور" التابعة للحركة الجنوبية ومراكز الأطفال مثل "حضانات الأرقم".

وهذا النمط من العمل النسائي الملحق بعمل الحركة وليس العمل من داخلها، هو بخلاف لما هو قائم في العالم العربي، من مشاركة نسائية "على قدم المساواة" إنّ صح التعبير.

تونسيات من حركة النهضة يشاركن في تظاهرة بتونس (أ ب)
تونسيات من حركة النهضة يشاركن في تظاهرة بتونس (أ ب)

عرب 48: ولكن وجود أطر نسائية إسلامية يكسر الفكرة النمطية السائدة بأن العمل النسائي هو حكر على الحركات والأحزاب العلمانية؟

هواري: صحيح، ولكن عندما أردت التواصل مع رائدات هذا العمل ذهبت إلى الرجال، لأني لا أعرفهن وأنا الناشطة النسوية، وهذا، أيضًا، بخلاف للعالم العربي حيث تجري هناك نقاشات بين النساء العلمانيات والإسلاميات، وهناك مؤسسات يشتركن فيها ويعملن على قوانين بشكل مشترك، يتحاورن ويختلفن ويتفقن عبر المنابر المختلفة، فمثلا هناك كتاب مشترك صدر لنوال السعداوي وهبة رؤوف عزت، عن "المرأة والدين والأخلاق".

وهذا مرتبط مرة أخرى بكوننا أقليّة مقطوعة ومقموعة، مرّت بالنكبة وخضعا لحكم عسكري وحوصرت وهمشت لعقود طويلة.

عرب 48: وعندما وصلت إلى هذا القطاع ماذا وجدت؟ 

هواري: كما قلت، العمل النسائي الإسلامي ينحصر في النشاط المجتمعي والأسري ( أطفال، أسرة، حضانات) وعمل دعوي، لم يقترب حتى من المطالبة بصنع القرار وهو أقل من الحالة السائدة في العالم العربي وفي الضفة والقطاع.

لقد التقيت لغرض البحث مع 15 امرأةً، سبع نساء من كل حركة وواحدة من حزب "الوفاء والإصلاح"، أجمعن كلهن على أهمية دور المرأة في الحيز العام وعلى ضرورة مشاركتها في المجال العمومي، هناك امرأة قالت: "أنا مسلمة، إذًا أنا ناشطة في الحيز العام، هذه وظيفتي وهذا واجبي تجاه شعبي وأمتي وديني". هن يرين في ذلك "مشروعًا"، رغم أنهن، بتفاوت، يؤمنّ بالفصل بين الرجال والنساء وبأدوار مختلفة للنساء، وبعضهن يؤمنْ أنَّ المواقع السياسية العليا في الدولة يجب أنْ يحتلَّها الرجال وجزء آخر أكّد على دور المرأة منذ فجر الإسلام.

المواقف الواضحة للحركة الإسلامية مثل حق المرأة في الميراث تحظى بإجماع، والمواقف غير الواضحة، والتي تخص دور المرأة في العمل السياسي، هي موضع نقاش، وبعضهنّ يقول لقد تعلمنا من التجربة التركية والتجربة التونسية. 

ولكن يجب التنويه أنّ الحركة الإسلامية، أسوة بسائر الحركات السياسية في الداخل، تعمل في ظروف صراع الوجود فقد أخرجت الإسلامية الشمالية عن القانون عام 2015 إلى جانب الصراع اليومي على الأرض وعلى الأقصى، كذلك فإن سؤال الدولة ليس هو المطروح، إنما سؤال المجتمع، ولذلك تنشغل أكثر بالعمل الاجتماعي والدعوي.

عرب 48: أجريت أكثر من المقارنة مع العالم العربي وكانت المفاضلة لصالح الأخير، بعكس ما هو شائع بين بعض الأوساط عندنا؟

هواري: هناك من يقول إنّنا، بخلاف العالم العربي، نعمل في سياق ديمقراطي. وأنا أقول إننا، بخلاف العالم العربي، نعمل كمجموعة مقموعة ومعزولة عن جذورها ومحيطها، فيكفي التذكير بأن حركة "الإخوان المسلمين" كان لها 20 فرعًا في فلسطين قبل النكبة، وبعد النكبة لم يبق "مجلس إسلامي أعلى" ولا هيئات إسلامية، وجرت السيطرة على الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية ولم يتم التواصل مع الإسلام كفقه وشريعة سوى بعد 1967 (النكسة)، حيث صارت هناك إمكانية للالتحاق بكليات الشريعة في الضفة ولاحقا في الأردن.


عرين هواري: ناشطة سياسية ونسوية وباحثة في "مركز مدى الكرمل" للبحوث الاجتماعية، وطالبة دكتوراه في جامعة بئر السبع.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019