تبصر- خربة عزون المهجرة..

تبصر- خربة عزون المهجرة..

الموقع:

كانت تَبْصُر/ خربة عزون تقع في القسم الجنوبي من السهل الساحلي، عند سفوح تل، على ارتفاع نحو 40 مترًا عن سطح البحر. يحدها من الغرب قرية الحرم- سيدنا علي-، ومن الشرق قرية مسكة، ومن الجنوب مستعمرة رعنانيا (اليوم مدينة رعنانا) على بعد نحو كيلومترين. وهي تبعد عن طولكرم نحو 19 كم إلى الجنوب الغربي، وعن قلقيلية 9 كم، وعن قرية الحرم 7 كم.

من مكان القرية المهجرّة
من مكان القرية المهجرّة

تقع على مفترق طرق مهم حيث مرت بها الطريق الموصلة من نابلس إلى قلقيلية إلى قرية سيدنا علي المعروفة باسم طريق الحرم. وبجوارها مرت الطريق الموصلة بين يافا وحيفا، والطريق الموصلة بين يافا وطولكرم ومنها  إلى نابلس.

الاسم:

لم يهتد مصطفى مراد الدباغ إلى تفسير" تَبْصُر" وضبطه بفتح التاء وسكون الباء وضم الصاد. لكن ثمة من يضم أولها. أما زئيف فلنائي فقال في موسوعته أريئيل:  إن الاسم محرف من طبرس، ولكن خربة طبرس تقع  إلى الشمال من قرية كفر راعي، وكانت في عام 663ﻫ/1265م قرية عامرة وأقطها الظاهر بيبرس إلى أميرين من قادة جيشه، كما أن طبرس ذكرت في دفتر ضريبة عثماني مؤرخ في عام 1005ﻫ/ 1596م وأشير إلى أنها قرية تقع في ناحية جبل شامي من لواء نابلس، كل ذلك يضعف الرأي القائل إن اسم تبصر محرّف من طبرس.

وفي معاجم اللغة:

البَصرة : الطين العلك إذا كان فيه جِص.
البُصرة : الأرض الطيبة الحمراء.
وقيل البصرة معرب بس وراه بمعنى كثيرة الطرق.(راجع تاج العروس مادة بصر)
وهذه الصفات تتوفر في تبصر على وزن تدمر، وتدمرتا هو الاسم القديم للبصرة في العراق.

تعرف تبصر باسم خربة عزون. وعزون الأم قرية تقع على بعد نحو 10 كيلومترات إلى الشرق من قلقيلية، أي أن هذه الخربة كانت تبعد عن القرية الأم نحو 19 كم إلى الغرب. 

تأسيس القرية:

في القرن الثامن عشر كانت تبصر قائمة، وقد ظهرت في خريطة جيكوتين، التي نشرها عام 1799م، كعزبة. أما تاريخ القرية الحديث فيعود إلى سنة 1810م حين قدم إلى غابة تبصر فريق من سكان قرية عزون واستصلحوا فيها أراضي وحفروا آبارًا، فلا عجب أن عرفت القرية أيضًا باسم خربة عزون نسبة إلى موطن السكان الأصلي.

من الوثائق (١)
من الوثائق (١)

في البداية كان الفلاحون يعيشون في الخربة في موسمي الحراثة والحصاد. في عام 1863م مر بجوارها الرحالة الفرنسي فكتور جيرين وقيل له إنها تقع على سفح تل تغطيه أشجار كثيفة منها البلوط، وإنها الآن خالية من السكان، ولكن فيها بيوت كثيرة، مربعة الشكل، ومعقودة بجوار مسجد، وأشجار تين وجرانق.  

يبدو أن السكان سرعان ما استقروا في تبصر، وصار لهم مختار مستقل.

في عام 1941 كان مختار تبصر/ خربة عزون محمد يوسف الحواري من عائلة العدوان، يبلغ من العمر 35 سنة، كان من أنصار المفتي الحاج أمين الحسيني، لكن في الأربعينيات من القرن الماضي أبدى رغبة في الحفاظ على علاقات حسن جوار مع اليهود.

تحاول بلدية رعنانا ودائرة الآثار التنقيب عن آثار في خربة عزون، فتحدثوا عن العثور على بركة لتجميع المياه ومسطبة مرصوفة بالفسيفساء، وأطنبوا في تاريخ الصيد في العصر الحجري حيث كانت غابة كثيفة. كل ذلك لدعم الادعاء القائل إن هناك من سبق العرب في العيش في تلك الناحية، وهي محاولة غير نزيهة ومجحفة بحق سكان خربة عزون ومحاولة لطمس آثارهم، بعد أن دمروا بيوتهم في عام النكبة، وبنوا عليها مجمعًا تجاريًا ومصانع!

عدد السكان ومساحة الأراضي:

في الإحصائيات التي جرت في عهد الانتداب كان عدد سكان خربة عزون يضاف إلى عدد سكان قرية عزون الأم، لذلك من الصعب تحديد عددهم. في تقرير للهاغاناه، مؤرخ في عام 1941، ورد أن عدد سكان تبصر/ خربة عزون بلغ 300 نسمة، وأن مساحة أراضيها بلغت 2000 دونم. من الجدير بالذكر أن التقرير المذكور يعتمد على إحصاء عام 1931، وعليه فإن عدد سكان القرية في عام 1948 يقدر بـ600 نسمة.

في إحصاء سنة 1945 ورد أن مساحة أراضي القرية بلغ 5,328 دونمًا تركيًا، من بينها 2,348 دونم للعرب، 2,807 لليهود، 173 دونمًا مشاعًا.

كان يزرع في أراضي تبصر الحبوب والبقول والبطيخ والقثاء والخضراوات، وقد غرس البرتقال في 2413 دونمًا منها 1691 غرسها اليهود.

من الجدير بالذكر أن مساحة الدونم التركي بلغت 919,3 متر مربع. وعليه فإن مساحة الأراضي العربية في القرية بلغت أكثر من 2000 دونم.

من الوثائق (٢)
من الوثائق (٢)

كان في القرية بئر يستعملها الناس للشرب، بينما حفرت آبار ارتوازية لسقي البيارات شراكة، لكل عائلة بئر. كما اعتمد قسم من السكان على تربية الأبقار. كان وضع القرية الاقتصادي جيد جدًا.

مؤسسات:

-المدرسة: جاء في إحصاء عام 1931 أن في القرية مدرسة ابتدائية. أما في تقرير الهاغاناه فقد ورد أن التلاميذ كانوا يتعلمون في مدرسة خاصة في بيت علي القاسم الواقع في بيارة على مسافة كبيرة من القرية. وذكر الدباغ أن السكان أنشأوا على حسابهم مدرسة يتعلم فيها أبناؤهم لغتهم ودينهم؛

- المسجد: ذكر مصطفى مراد الدباغ أنه في عهد الانتداب كان في القرية مسجد. كذلك لما زار الرحالة الفرنسي القرية عام 1863م ذكر أن فيها مسجدًا؛   

-المضافات: كانت في القرية ثلاث مضافات تخص ثلاث عائلات وهي: مضافة آل الحواري، مضافة آل شبيطة، مضافة آل سليم. وكانت المصروفات عليها على حساب كل عائلة على حدة؛

-كان في القرية عدد من الحوانيت.

العائلات في القرية:

تعود أصول  معظم سكان تبصر إلى قرية عزون. من بين العائلات التي سكن أبناؤها في خربة عزون نذكر:

-عائلة عدوان، وهم من بني حميدة الذين قدموا من الحجاز إلى الطفيلة ومنها إلى الظاهرية في الخليل،  والعائلة في الخربة  تقسم إلى فرعين:

1.عائلة الحواري، التي ينتمي إليها الثائر فارس محمد أبو خديجة الحواري العزوني نسبة إلى خربة عزون، ويُقدّر عددهم في الخربة ب 80 شخصًا،
2.عائلة شبيطة التي يبلغ عددها 125 نسمة معظمهم في خربة عزون؛
-عائلة سليم. يبلغ عددهم 30 نسمة، وهم من بني حميدة، من الظاهرية؛
-عائلة بدوان. يبلع عددهم 25 نسمة؛
-عائلة خليف؛
-عائلة زماري؛
-عائلة القدومي؛
-عائلة الخطيب.

شخصيات بارزة في القرية:

في تقرير للهاغاناه مؤرخ في 18/12/1941 وردت معلومات مهمة عن شخصيات بارزة في خربة عزون:

1. عبد الجليل حمد عبد الجليل، من عائلة الحواري،  ناشط بارز، باوردي (قوّاس) من الدرجة الأولى وقوي البنية، قبل الثورة حبس لمدة سنة ونصف لحيازته على بندقية ومسدس، وبقي تحت إشراف الشرطة ومراقبتها. يملك بيارة مساحتها 25 دونمًا، 50 دونمًا للفلاحة، 10 رؤوس بقر، وله أراض في قرية عزون. وهو مدين لصالح أبو حجلة من دير استيا بمبلغ 400 جنيه فلسطيني. حصل على قرض بمبلغ 65 جنيهًا في فترة منح القروض الحكومية.  وهو شريك في البئر المشتركة التي تملكها العائلة في تبصر/ خربة عزون؛
2. محمد شحادة: من عائلة الحواري، لا يهتم بالسياسة. هو فلاح حقيقي ونشيط. يملك بيارة مساحتها عشرة دونمات، 16 دونم للفلاحة، ثلاث بقرات وفرس. شريك في البئر المشتركة. مدين لصالح أبو حجلة بمبلغ 200 جنيه فلسطيني؛
3. عبد الله زماري: شارك في الثورة. ذو شخصية قوية ويميل إلى الصمت. يملك 27 دونم. يعيش من العمل في خارج القرية، ويزرع الخضراوات؛
4. أسعد الحواري: ابن عم فارس العزوني وعضو في فصيله، جدي ومهاب. يملك 32 دونمً وبيارة. شريك في البئر المشتركة الخاصة بالعائلة؛
5. خليل الحواري: هو أخو أسعد المذكور أعلاه. هادئ، ومشغول بتربية أولاده، لا يتدخل في السياسة ولا يهضمها، ويكرس جهده في حقله. يملك 25 دونًا، 25 رأس بقر؛
6. أحمد الزماري: هو أخو فارس العزوني. في أيام الثورة نجح في تيسير أموره رغم أنه لم يشارك في القتال،  زار فارس العزوني في سوريا . يمتلك: 52 دونمًا للفلاحة، 30 دونمًا مزروعة بالحمضيات(بيارة)، 13 رأس بقر. يبيع الحليب والخضراوات. مدين لصالح أبو حجلة بمئات الجنيهات؛
7. خالد المحمد: عمره 23 سنة. يجيد القراءة والكتابة. اعتبر غير طبيعي لأنه باع جميع ما يملك وبذر ماله. في أيام الثورة كان نشيطًا وعضوًا في فصيل فارس العزوني. تجند في الجيش ولكنه طرد منه بعد ثلاثة أسابيع. كسول ولا يرغب في العمل؛
8. رشدي عثمان من عائلة شبيطة: ذو شخصية قوية وسريع الغضب. كان عضوًا في فصيل عارف عبد الرازق.  من الملاكين؛
9. إبراهيم سعيد من عائلة شبيطة: لا توجد له أملاك؛
10. إحسان الأعرج: من عائلة شبيطة. شارك في الثورة. ليست لديه أملاك؛
11. عبد الكريم ابن محمود محمد من عائلة شبيطة، شارك في الثورة، شاب سريع الغضب؛

 ملاحظة: جميع الأربعة الأخيرين تتراوح أعمارهم بين 28-32 سنة.

12. أحمد بن حمد بدوان: من الثوار البارزين؛
13. محمود القدومي: شارك في الثورة؛
14. عبد بن علي من عائلة بدوان، صاحب أملاك؛
15. عبد اللطيف دوبلان: يعيش حاليًا في خربة عزون. يتقن القراءة والكتابة تمامًا، تزوج امرأة من قلقيلية. ذكي وله علاقات مع الأفندية في قلقيلية ونابلس ويافا.

خربة عزون في ثورة 1936-1939:

في عام 1921 تقرر بناء مستعمرة رعنانيا (رعنانا) على أراض كان قد اشتراها يهوشع خانكين لصالح جمعية "أحوزة" الأميركية. في 4 نيسان 1922 استوطن يهود من أميركا في تلك الأراضي على بعد نحو كيلومترين إلى الجنوب من تبصر. في ذلك الوقت توترت العلاقات بين العرب واليهود في تلك الناحية بسبب الخلافات حول رسم الحدود وحقوق الرعي، فلا عجب أن انطلقت الشرارة الأولى لهبة الشيخ شاكر أبو كشك عام 1921 من تبصر/خربة عزون.

انضم إلى صفوف ثورة 1936-1939 عدد من أبناء قرية تبصر/ خربة عزون، كما أن الخربة دعمت الثوار بمبلغ 114 جنيهًا فلسطينيًا، وبالمؤن، ورغم ذلك دأب سكانها على المحافظة على علاقات حسن الجوار مع جيرانهم اليهود لبعدها عن مركز الثورة، ولا عجب أن السلطات لم تفرض على تبصر غرامة جماعية. 

من بين الذين كان لهم دور في الثورة:

- فارس محمد أبو خديجة الحواري العزوني المكنى أبا معروف. ولد في خربة عزون فنسب إليها وترعرع فيها. اعتقل عدة مرات، وحكم عليه بالسجن لمدة عشرين عامًا لكنه نجح في عام 1938 من الفرار من السجن، وصار قائدًا لفصيل مستقل اسمه فصيل الموت، ونائبًا لعارف عبد الرازق. في 2/6/1939 هاجم فصيل الموت دورية بريطانية بجوار خط سكة الحديد المارة بالقرب من جلجولية وراس العين ما أدى إلى مصرع أربعة جنود بريطانيين وثلاثة من اليهود من البوليس الإضافي. وقد تم القبض على جميع أفراد الفصيل المذكور وقدموا للمحاكمة، بينما هرب فارس إلى سورية حيث ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه وسلمته إلى سلطات الانتداب. في الأول من نيسان 1940 حكمت المحكمة العسكرية في حيفا على فارس العزوني بالإعدام شنقًا، وقد تم تنفيذ الحكم فيه في سجن عكا؛

-حامد أبو خديجة: هو أخو فارس العزوني، عمره 25 سنة، قتلته قوات الأمن البريطاني.

ومن الذين حبستهم قوات الأمن:

-عبد الجليل حمد عبد الجليل الحواري: حبس 18 شهرًا؛
-عبد الله زماري:  حبس 6 أشهر؛
-أحمد سلمان يوسف الحواري: حبس 9 أشهر؛
-إبراهيم طبل الحواري: حبس 6 أشهر؛
-موسى المحمود سليم: حبس 6 أشهر؛
-خالد أحمد محمد الحواري حبس 6 أشهر.

ومن النشطاء في عهد الثورة: 

-عثمان الخطيب: أصله من كفر ثلث ويعيش في تبصر منذ سنين؛
-أحمد حمد بدوان؛
-رشدي عثمان شبيطة؛
-إبراهيم سعيد شبيطة.

يشير تقرير للهاغاناه، مؤرخ في 18/12/1941، إلى أن العلاقات بين تبصر واليهود كانت جيدة حتى في أيام الثورة، لأن من شارك في الثورة غادر القرية إلى الجبال، كما أن العلاقات في عام 1941 توطدت وأصبحت جيدة للغاية حيث تجري الزيارات المتبادلة بين الطرفين. كان سكان تبصر يزودون المستعمرات بالزبل والتبن والخضراوات وما شابه ذلك. في إحدى الصور المنشورة يظهر رئيس مجلس رعنانا ولفيف من اليهود وعرب من تبصر يشاركون في عام 1938 في إفطار جماعي في شهر رمضان. ويتوقع كاتب التقرير أن تبقى القرية هادئة لأنها محاطة بالمستعمرات اليهودية.

اجتماع عربي
اجتماع عربي

في عام 1946 أقيمت على أراضي تبصر/ خربة عزون مستوطنة بتسرا إلى الشمال. في عام 2015م بلغ عدد سكانها 1118 نسمة. أما مستعمرة رعنانا، التي سماها العرب بالكوبانية الأميركية، فتوسعت لتشمل كامل خربة عزون وصارت مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها 70782 نسمة.

تهجير أهالي تبصر/ خربة عزون:

يقول وليد الخالدي استنادًا إلى المؤرخ الإسرائيلي، بني موريس، أن معظم سكان تبصر/ خربة عزون رحلوا عنها في 21 كانون الأول 1947 خوفًا من هجمات اليهود، وأنها كانت أولى القرى التي هجرها سكانها هجرة جماعية. من الجدير بالذكر أن وليد الخالدي اعتمد على الطبعة الأولى لكتاب بني موريس "نشوء مشكلة اللاجئين" الصادر في كمبردج بالإنجليزية عام 1987م. وقد تراجع بني موريس عن ادعائه الآنف الذكر في الطبعة العبرية الصادرة في عام 2005 حين ذكر أن سكان تبصر/ خربة عزون خافوا وطردوا من بلدهم في 3/4/1948. أما إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" ، فيؤكد على أن الهاغاناه احتلت خربة عزون في 2/4/1948 وطردت سكانها. وعليه لا صحة للروايات الشفوية التي يرويها المعمرون اليهود التي تقول إن يهودًا من مستعمرة رعنانا طلبوا من سكان الخربة أن يبقوا في منازلهم، ووعدوهم بالمحافظة على ممتلكاتهم في حالة مغادرتهم. وقد وجدت الباحثة ميخال بارده تناقضًا بين مرويات أهل رعنانا ومرويات رجال الهاغاناه الذين احتلوا القرية، وقالت إن الهاغاناه هددت سكان خربة عزون وطردتهم مستغلة الممتلكات التي خلفوها وراءهم.

لجأ السكان إلى قرية عزون الأم. قسم منهم أقام في عزبة الطبيب الواقعة إلى الشرق من قلقيلية إلى الغرب من عزون.

في الخمسينيات من القرن الماضي جرت محاولات لتبديل اسم القرية العربي باسم عبري. ففي 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1955 أرسل رئيس لجنة التسميات التابعة إلى ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي رسالة ثانية إلى المجلس المحلي في رعنانا يطلب فيها اعتماد اسم "ناؤوت سديه" بدلاً من اسم خربة عزون مبديًا تذمره من استمرار اليهود المحليين باستعمال الاسم العربي.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية