"70 عاما على النكبة": قصة سقوط الناصرة والجليل الأدنى ١٩٤٨ (٢٤/١)

"70 عاما على النكبة": قصة سقوط الناصرة والجليل الأدنى  ١٩٤٨ (٢٤/١)

الحلقة الأولى: "تورط" جيش الإنقاذ في معركة الشجرة، وانتصارات سريعة لحملة "ديكل" الصهيونية ١٩٤٨


لم تنجح الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في ١٥ أيار/ مايو ١٩٤٨، في أن تتغلغل في منطقة الجليل الفلسطيني، ولذلك بقيت هذه المنطقة عهدة في يد المقاتلين المتطوعين المحليين، وجيش الإنقاذ. ومع اقتراب الهدنة الأولى، دخل جيش الإنقاذ إلى الجليل، مرة أخرى، بعد أن كان قد انسحب من فلسطين، بناءً على قرار من الجامعة العربية، يقضي بخروجه من فلسطين مع دخول الجيوش العربية إليها.

دخل جيش الإنقاذ من لبنان بعد أن شارك في معركة طاحنة في المالكية، انتصر فيها الجيش السوري معززا بقوات من جيش الإنقاذ، على قوات النخبة الصهيونية (البلماح)، وذلك في الخامس من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، مما فتح الطريق للضابط فوزي القاوقجي قائد جيش الإنقاذ نحو الجليل الأدنى، ومن ثم وصوله إلى الناصرة في الحادي عشر من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، واشتباكه مباشرة مع قوات "الهاغاناه" في قرية الشجرة، في معركة شرسة، استطاع فيها جيش الإنقاذ تحرير قرية الشجرة الفلسطينية، وصد قوات الهاغاناه" حتى مستعمرة السجرة الصهيونية، ولَم تتوقف المعركة إلا بدخول الهدنة الأولى في الثالث عشر من حزيران/ يونيو ١٩٤٨، إلى حيز التنفيذ. (انظر/ي الحلقة الثالثة عن معارك الشجرة، بعنوان استشهاد قرية ١٩٤٨، والحلقة الخامسة عن معارك المالكية بعنوان سقوط المالكية ١٩٤٨).

اتخذ جيش الإنقاذ مدينة الناصرة مركزا له، وأصبح يسيطر على خط يبعد سبعة كيلومترات عن العفولة الصهيونية، كما أنها أصبحت في متناول مدفعيته. من ناحية أخرى كان هذا الجيش مسيطرا على خط قتال يبعد تسعة كيلومترات فقط عن عكا المحتلة، وأحد عشر كيلومترا عن حيفا، ولا يفصله عن الجيش السوري شرقا إلا ثمانية كيلومترات، وصار يهدد بفصل المستعمرات الواقعة شمالي عكا عن الواقعة جنوبها. كانت الجبهة التي يسيطر عليها جيش الإنقاذ، وعدده لا يتجاوز الثلاثة آلاف، يعادل طولها جبهات الجيوش السورية واللبنانية والعراقية مجتمعة، حسب وصف فوزي القاوقجي في مذكراته، إذ أن الجيش توزع بشكل قوس طويل في إقرث وتربيخا وترشيحا والبروة وشفاعمرو وصفورية والناصرة والشجرة ولوبية وحطين ويارون والجرمق والجش وديشوم والمالكية.

فرص جيش الإنقاذ وخطورة الموقف

أراد الصهاينة استغلال الضعف العربي، وعدم التنسيق بين الجيوش العربية في حرب فلسطين، والنقص في عدتها وعتادها، بسبب الحظر الدولي المفروض على بيع الأسلحة لكل الأطراف المتنازعة في فلسطين، هذا الحظر الذي نفذ ضد العرب فقط، بواسطة هجوم كبير على جيش الإنقاذ بعد انتهاء الهدنة الأولى مباشرة، حيث أنه الحلقة الأضعف، إذ تنقصه الذخيرة الكافية لخوض حرب على كافة الجبهة التي يسيطر عليها، ناهيك عن قلة عدد جنوده، الذين لا يتجاوزون الثلاثة إلى أربعة آلاف، نصفهم من الجنود المتطوعين ونصفهم الآخر مقاتلون محليون متطوعون.

لذلك وخلال الهدنة الأولى، وضعت الخطة الصهيونية لاحتلال الجليل الغربي والجليل الأدنى، ومهاجمة جيش الإنقاذ في عقر داره، أي الناصرة، والقضاء عليه، على أن يتم التنفيذ مباشرة عند بدء المعارك، من خلال حملة عسكرية واسعة، سميت بحملة "ديكل"، أي النخلة باللغة العربية.

خلال هذه الفترة، أي خلال الهدنة الأولى، كان فوزي القاوقجي يأمل بأن تمده الجامعة العربية بالسلاح والعتاد، وهذا من شأنه إما أن يجعله يتحرك جنوبا من الناصرة فيحتل العفولة بمشاركة الجيش العراقي، المتواجد في جنين القريبة منها، أو يتوجه غربا من منطقة ترشيحا، فيتصل بالجيش السوري في الشمال، فيحتلا منطقة بحيرة الحولة بأكملها، أو يتوجه غربا من مجد الكروم فيسترد عكا، وربما ينجح بعدها باحتلال نهاريا شمالا، أو حتى تحرير حيفا جنوبا. من ناحية أخرى، كان يعرف أن عدم إمداده بما يريده من القيادة العربية، من شأنه أن يؤدي إلى إنزال ضربة قاضية بالجليل وجيش الإنقاذ معا.

خطة حملة "ديكل" العسكرية

كان واضحا للطرف الصهيوني أن القاوقجي سيهاجم بعد انتهاء الهدنة الأولى، بكل قوته من أجل تحقيق نصر في معركة الشجرة، واحتلال مستعمرة "السجرة" الصهيونية، مكملا ما لم يستطع تحقيقه قبل دخول الهدنة إلى حيز التنفيذ. لذلك كانت الخطة الصهيونية تقضي بأن تهاجم قوات جيش الإنقاذ في الجليل الغربي والأوسط، بهدف ضرب أماكن تمركز جيش الإنقاذ، والتي حددتها القيادة العسكرية الصهيونية على النحو التالي: قوة أساسية في قرية تربيخا، مع مخفر أمامي على طريق تربيخا، قوة أخرى في قرية ترشيحا من شأنها أن تمنع المواصلات الصهيونية على شارع ترشيحا-نهاريا، قوة أخرى في قرية الرامة تؤثر على الطريق إلى عكا، في مجد الكروم قوة أخرى مع مخافر أمامية على طول الطريق إلى عكا، قوة كبيرة في قرية شفاعمرو، ٣٠ مقاتلا في بلدة صفورية، بعض المسلحين في قرية عيلوط، وقوة مركزية في الناصرة حيث يقع مركز جيش الإنقاذ. كذلك اعتقد الصهاينة، وارتكز تخطيطهم على أن الفلسطينيين الدروز سيمتنعون عن محاربة اليهود، ولذلك عملوا على بناء جسور مع دروز شفاعمرو وأبو سنان وغيرها.

خصصت القيادة العسكرية ثلاث كتائب من أجل المشاركة في الحملة: الكتيبة مشاة ٢١ من لواء "كرملي"، والكتيبة ٧٣ مشاة من اللواء "شيڤاع"، والكتيبة ٧١ المدرعة من نفس اللواء، وكذلك سريتين من الكتيبة ١٣ "چولاني"، بالإضافة إلى ما سُمّي بسرب طائرات الجليل. كانت هذه القوات مزودة بعشر مدرعات، وخمس نصف مدرعة، ونصف مدرعة واحدة مع مدفع ٢٠ ملم، وأربعة مدافع ٦٥ ملم.

مقابل هذه القوات تمركز لواء اليرموك الثالث من جيش الإنقاذ، بقيادة مهدي صالح، والذي ضم كتيبة حطين وكتيبة مهدي الاحتياطية، وكانت موزعة في منطقة ترشيحا- مجد الكروم وشفاعمرو والناصرة ولوبية وحطين. كان في شفاعمرو سرية واحدة من لواء حطين عددها ١٦٠ جنديا، وسرية أخرى من نفس الكتيبة تمركزت في منطقة جنوب غرب الناصرة في الطريق إلى مستعمرة "كفار هحورش" وعددها ١٦٠ جنديا، وسرية ثالثة تواجدت في مدينة الناصرة من أجل حراسة المدينة الهامة. بالإضافة لجيش الإنقاذ كانت بعض القرى تحتوي على عدة عشرات من المقاتلين المحليين، مزودين ببنادق وذخيرة ضئيلة لا تكفي لمواجهة حملة عسكرية منظمة، كحملة "ديكل" المخطط لها، ناهيك عن أن جيش الإنقاذ نفسه، كانت تنقصه الذخيرة الكافية لمعركة كبيرة، بسبب عدم تزويده بالاحتياجات التي طالب بها المجلس العسكري في دمشق خلال فترة الهدنة الأولى.

أما لواء اليرموك الثاني  بقيادة أديب الشيشكلي، فتمركز في الرامة والمغار وعيلبون، وكان يعتبر لواءً احتياطيا لجيش الإنقاذ في الجليل، أي للألوية الأخرى أيضا، وهي لواء اليرموك الأول بقيادة محمد صفا، وكتيبة سعدون، اللذان تمركزا في سعسع والمالكية وبليدا. وكذلك الكتيبة العلوية بقيادة غسان جديد والتي تمركزت في خط صفد- الجش-الجرمق.

كانت خطة حملة "ديكل" تقضي بأن تقوم القوات الصهيونية أولا باحتلال المناطق والقرى غرب عكا، من أجل توسيع قطاع الشاطئ المحاذي للمدينة، ومنع القوات العربية من مهاجمة الطرق المؤدية إلى عكا. في الوقت نفسه كان على قسم من القوات أن تصد أي هجوم لبناني من جهة الشمال بمساندة جيش الإنقاذ. وأن يقوم قسم آخر من القوة المشاركة في الحملة بحراسة الطرق المؤدية إلى عكا ونهاريا، لمنع قوات جيش الإنقاذ من الخروج من القرى وسد الطرق على القوة المهاجمة. بعد هذه المرحلة، وإن تحقق لها النجاح، كان على القوة الصهيونية أن تختار إكمال هجومها إلى ناحية الغرب: من الجهة الشمالية إلى سعسع عن طريق البصة-تربيخا، أو إلى سعسع عن طريق كابري-ترشيحا، أو من الناحية الجنوبية من عكا إلى مجد الكروم، أو البروة-عرابة، أو شفاعمرو-الناصرة. كل هذه الاحتمالات كانت من الممكن أن تكون مفتوحة أمام القوات المشاركة في الحملة حسب تقدم مجريات المعركة.

تمركز القوات في الشجرة في انتظار تجدد المعارك

دخلت الهدنة الأولى في ١١ حزيران/ يونيو ١٩٤٨ حيز التنفيذ، والمعركة محتدمة على أشدها في قرية الشجرة من قضاء طبرية، والقريبة من مفرق مسكنة. عند عودة جيش الإنقاذ إلى المنطقة عشية الهدنة، دخل هذه المعركة مباشرة، وقام القاوقجي بقيادتها بنفسه، واستطاع أن يحرر قرية الشجرة، التي احتلها اليهود، ويدحر الصهاينة حتى مستعمرة "السجرة" اليهودية، بل إن نيران مدفعيته صارت تقصف بيوت المستعمرة، ولكن دخول موعد الهدنة منعه من تحقيق حسم للمعركة في هذه المنطقة، ولذلك صار الطرفان، العربي والصهيوني، يتحينان الفرص من أجل تحقيق الحسم مباشرة بعد انتهاء الهدنة، بل إن الصهاينة قاموا بهجوم مباغت ليلة التاسع من تموز/ يوليو ١٩٤٨، من أجل أن يصبح زمام الأمور في أيديهم. 

كان جيش الإنقاذ يحتفظ بقوة كبيرة في منطقة الشجرة، بالإضافة إلى أنه كان يستعين بمناضلين محليين من قرى المنطقة، وكان عددهم معا، أي الجيش والمناضلين، ما يقارب ٨٠٠ مقاتل، وكان لديهم ٨ مصفحات، ٣ منها مزودة بمدفعية ٣٧-٣٩ ملم، و ٦ نصف مجنزرة، و ٤ مدافع عيار ٧٥ ملم وضعت في طريق عيلبون على بعد ٥ كيلو مترات من مستعمرة "السجرة"، وكان لديهم أيضا راجمات قنابل من عيار ٨١ ملم، نصبن على شارع طرعان - لوبية، و ٣ مدافع رشاشة نوع "هوشكس".

أما القوات الصهيونية المكونة من كتيبة "درور" وكتيبة "باراك" من لواء "چولاني"، وكتيبة من لواء "كرملي"، فتمركزت في ثلاثة مخافر على النحو التالي: المخفر الشمالي المطل على شارع الناصرة-لوبية، وعلى مفترق الطرق بين الناصرة - لوبية والناصرة - عيلبون، مقابل هذا المخفر كان العرب وعلى بعد ١٥٠ مترا يتمركزون في مخفر الشرطة. المخفر الصهيوني الغربي، كان يطل على قرية الشجرة العربية، ومستعمرة "السجرة" الصهيونية. مقابل هذا المخفر شمالا تمركز العرب في مخفر هضبة طرعان، وغربا منه كان المخفر العربي المسمى مخفر الذرة. المخفر الصهيوني الثالث هو المخفر الجنوبي الذي كان هدفه منع العرب من التقدم من جهة لوبية نحو المستعمرة. كانت الخطة الصهيونية، خطة دفاعية بحتة، هدفها منع جيش الإنقاذ من اقتحام مستعمرة "السجرة"، وإبقاء قوة كبيرة منه في المعركة الدائرة هناك. وتقضي الخطة بأن تستعمل القوات المدافعة المدافع الرشاشة على كل المحاور من أجل إطلاق النار بكثافة على القوات العربية المهاجمة، وتكبيدها خسائر فادحة، في انتظار وصول قوات مدفعية إلى الجبهة، تؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى بين الطرفين.

انتهاء الهدنة وانطلاق معركة الشجرة

حاول الجانب الصهيوني أن يسيطر على الموقف، فقام بتنفيذ هجوم ليلة ٨-٩ تموز/ يوليو ١٩٤٨، مستبقا نهاية الهدنة وتجدد المعارك، وذلك بهدف احتلال مخفر هضبة طرعان، ومخفر الشرطة. ابتدأ الهجوم بقصف بقذائف ٣ إنش، ثم تقدمت القوة الصهيونية فاحتلت مخفر الشرطة، وتراجع المقاتلون العرب إلى هضبة طرعان، وعندها قام المقاتلون على هذه الهضبة بإطلاق النار بكثافة على القوات الصهيونية في مخفر الشرطة المحتل، كذلك صار البعض منهم يقترب إلى القوة الصهيونية ويرميها بالقنابل اليدوية، مما منعها من التحصن في المخفر بشكل جيد. في ساعات الصباح الباكر، قام جند جيش الإنقاذ بإطلاق نيران كثيفة من مدافعهم الرشاشة نحو مخفر الشرطة، ثم استعملوا مدفعية عيار ٨١ ملم، من أجل إجبار القوة الصهيونية على التراجع، ثم تقدمت قوة عربية راجلة، في ساعات الظهر، نحو مخفر الشرطة، فكبدت القوة الصهيونية خسائر في الأرواح، مما اضطرها إلى الانسحاب إلى قواعدها السابقة. بعد هذا التراجع، هاجم جيش الإنقاذ المخفر الصهيوني الشمالي بهدف احتلاله، ولكن الهجوم باء بالفشل، رغم استخدام مدرعتين للهجوم على القوة الصهيونية، فتوقفت المعركة ليلا بدون أن يستطيع العرب السيطرة على المخفر الصهيوني، وبذلك رجع الوضع إلى ما كان عليه قبل تجدد المعركة في الليلة السابقة.

في اليوم التالي، أي ١٠ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وعند الساعة الخامسة والنصف صباحا، نفذ العرب هجوما كبيرا على المخفر الصهيوني الغربي، شارك فيه ما يقارب ال٣٠٠ مقاتل، ووصلوا إلى مسافة ٣٠ مترا من القوة الصهيونية. مستعينين بالمدفعية العربية التي كانت تقصف المخافر الصهيونية الأخرى بهدف تثبيتها في مكانها، ومنعها من نجدة الجنود في المخفر الغربي. لم تستطع القوة العربية التقدم أكثر حتى تصل إلى المستعمرة، بسبب كثافة نيران المدافع الرشاشة الصهيونية، واضطرت إلى الانسحاب إلى مسافة ١٥٠ مترا إلى الخلف.

بعد فشل هجوم المشاة، تقدمت عدة مصفحات من جيش الإنقاذ باتجاه مستعمرة "السجرة" ووصلت إلى بعد عدة مئات من الأمتار عن بوابة المستعمرة. ففتح مقاتلو المستعمرة نيران مدافعهم الرشاشة نحو المدرعات العربية، بكل قوة، فاخترقها الرصاص، كون تصفيحها لم يكن بجودة عالية، ولذلك لم تستطع المصفحات أن تتقدم أكثر بسبب كثافة النيران الصهيونية، وإصابتها الأهداف بشكل دقيق، بل إنها تراجعت وتوقف الهجوم. 

في الساعة السابعة مساء، قام المقاتلون العرب بتنفيذ هجوم جديد على المخفر الغربي الصهيوني، بقوة قوامها ١٢٠ مقاتلا، مستعينين بأربع أنصاف مجنزرات، ومدفع رشاش "هوشكس". تكبدت القوة الصهيونية خسائر فادحة في الأرواح، ولكنها استطاعت أن تنفذ هجوما مضادا، وتصد القوة العربية إلى الخلف، وعندما حاولت أن تتقدم نحو المراكز العربية تكبدت خسائر أخرى في الأرواح مما اضطرها إلى التراجع إلى مراكزها في مستعمرة "السجرة"، ليعود الوضع إلى ما كان عليه مرة أخرى.

أراد الصهاينة تغيير الوضع القائم، ولذلك وفي الساعات المتأخرة من نفس الليلة، نفذت قوة صهيونية هجوما على قرية كفر سبت المحاذية للوبية، فاحتلتها وهجرت أهلها عنوة، وكذلك احتلت خربة سيرة عجل، وبذلك تم تأمين مستعمرة "سجرة" من هجمات من الممكن أن تأتي من جنوب قرية لوبية.

انطلاق حملة "ديكل" واحتلالات سريعة

تولت الكتيبة ٢١ من لواء "كرملي" مهمة الدفاع عن المنطقة الواقعة بين رأس الناقورة وشارع عكا-صفد، تحسبًا لأي هجوم لبناني متوقع. وتولت الكتيبة ٧١ من لواء "شيڤاع" مهمة الدفاع عن عكا في حال قرر جيش الإنقاذ تنفيذ هجوم من أجل تحرير المدينة المحتلة.

أما العملية الهجومية الأولى فنفذت على يدي الكتيبة المدرعة ٧٩ من لواء "شيڤاع"، وسريتي مشاة واحدة من الكتيبة ٢١ من لواء "كرملي" وواحدة من الكتيبة ٧٩ / لواء "شيڤاع"، وانطلقت القوة في ليلة ٨-٩ تموز / يوليو ١٩٤٨، أي قبل انتهاء الهدنة الأولى، باتجاه قرية كويكات، في الجليل الغربي. ابتدأ الهجوم بقصف من مدفعية عيار ٦٥ ملم، وعندما وصلت القوة الراجلة إلى مسافة قريبة من القرية، وضعت المصفحات على جانبي القوة، واستعملت مدافعها الرشاشة لإطلاق نار كثيف على المدافعين عن الكويكات، كما واستعملت قاذفة قنابل عيار ٣ إنش لقصف القرية بشكل عشوائي لإخافة الناس. رغم كثافة النار والعدد الكبير للمهاجمين المدربين، حاول المناضلون الدفاع عن القرية وفتحوا نيران بنادقهم باتجاه القوة المهاجمة، ولكنهم لم يستطيعوا الصمود عندما تقدمت قوات المشاة وهي تطلق القنابل اليدوية والمدافع الرشاشة، فسقطت القرية خلال فترة قصيرة، ودخلتها القوة الصهيونية من حملة "ديكل" محققة نجاحها الأول في الحملة.

في صباح اليوم التالي، يوم ٩ تموز/ يوليو ١٩٤٨، لم تحدث أي ردة فعل من قبل جيش الإنقاذ بعد انتهاء الهدنة، ولَم يجرِ أي هجوم من الناحية اللبنانية، فتقرر أن تتوسع الحملة، فقامت الكتيبة ٧١ مشاة من لواء "شيڤاع"، مستعينة بمدافع عيار ٦٥ ملم، باحتلال تلة قبر البدوية بجانب البروة، واحتلال مواقع مدفعية جيش الإنقاذ في الطويل بجانب مجد الكروم. كذلك قامت قوة أخرى من نفس الكتيبة باحتلال تل كيسان الموجود جنوب شرق عكا، ويطل على طريق البروة - شفاعمرو.

في المساء، انطلقت سرية من الكتيبة ٢١ مشاة من لواء "كرملي" من قرية كويكات، وهاجمت قرية عمقة مستعينة بثلاث مدرعات ومدفعين عيار ٦٥ ملم. حاول المناضلون الفلسطينيون بأسلحتهم المتوفرة، وقف تقدم القوة المهاجمة، فقاموا بإطلاق نيران بنادقهم على الجنود الصهاينة، ولكن نيران المدافع الرشاشة التي أطلقت من المدرعات الصهيونية حسمت المعركة، وانسحب المقاتلون والسكان من القرية، ليتركوها للمحتلين الذين عملوا فيها سلبا ونهبا.

استمرت حملة "ديكل" في ١٠ تموز/ يوليو ١٩٤٨، فدخلت قرية كفر ياسيف وأبو سنان والجديدة والمكر ويركا وجولس، بدون أي مقاومة، حيث استسلمت جميعها للقوة الصهيونية المهاجمة، وبعضها، حسب الادعاءات الصهيونية، بسبب العلاقات التي بنتها مخابرات "الهاغاناه" والمسماة "الشين يود" مع وجهاء دروز من القرى الدرزية والمختلطة، والذين اتفقوا مع الصهاينة على الاستسلام فور دخولهم إلى البلدة التي ينتمون إليها.

معركة الشجرة تحتدم ولا حسم

دخلت الطائرات الصهيونية المعركة لأول مرة في الجليل، فقامت بقصف جيش الإنقاذ في ترشيحا، والجيش السوري غرب عكوش (مشمار هاياردين)، فتستنجد القيادة السورية بجيش الإنقاذ، الذي قام بتجميد الفوج العلوي بقيادة غسان جديد في جبهة صفد- ومستعمرة "عين زيتيم"، بعد أن نفذ هجوما على هذه المستعمرة. أما في الشجرة، ففي ١١ تموز/ يوليو ١٩٤٨، استمرت المعركة طوال اليوم على شكل زخات من رصاص المدافع الرشاشة من الطرفين، ولكن ما حلّ المساء وفِي الساعة ١٩:٣٠ حتى نفذ العرب هجوما على المخفر الصهيوني الغربي واستطاعوا احتلاله، لكن هجوما مضادا صهيونيا أدى إلى انسحاب عربي، بعد تكبيد الصهاينة ثمانية قتلى نتيجة الهجوم والقصف المدفعي. في نفس الليلة هاجم المقاتلون العرب القوافل والسيارات الصهيونية التي تعبر طريق وادي صرار الذي يربط مفرق مسكنة بمستعمرة العفولة.

في يوم ١٢ تموز/ يوليو ١٩٤٨، أراد فوزي القاوقجي وتحت تأثير النقص في الذخيرة بسبب المعركة المستمرة، أن ينفذ هجوما كبيرا باتجاه العفولة، وأبرق للجيش العراقي أن يؤازره من جنين، ولكنه لم يحصل على أي إجابة لطلبه هذا. ابتدأ الهجوم العربي في ساعات الصباح الباكر على المخفر الصهيوني الغربي بقوة من المشاة، ولكن هذه القوة تكبدت خسائر فادحة بسبب حقل ألغام كان قد زرعه الجنود الصهاينة في الليلة السابقة، لكن هذا لم يوقف المهاجمين الذين استعانوا بقصف مدفعي عيار ٧٥ ملم، وحصل اشتباك وجها لوجه بين القوة المهاجمة والقوة الصهيونية، حتى انسحب العرب في ساعات الظهر. في وقت الهجوم نفسه حصلت "الفزعة" فقدم أكثر من ٣٠٠ من القرى المجاورة، وأرادوا تنظيم هجوم من منطقة جبل سيخ- عين ماهل على مستعمرة "السجرة" من الناحية الجنوبية، ولكن قوة عسكرية من مستعمرة "بيت كيشت" تعرضت لهم بمدافعها الرشاشة، فعادوا أدراجهم. كذلك قامت قوة من المدرعات العربية بالهجوم من شارع طرعان، ولكن الهجوم في ذلك اليوم فشل وانتهى قبل الساعة ١٨:٠٠ مساء، وانسحب العرب إلى مواقعهم السابقة.

في تلك الليلة وبسبب الوضع المحرج لجيش الإنقاذ في ترشيحا ومجد الكروم، بعد انتصارات حملة "ديكل"، قرر فوزي القاوقجي أن لا مفر من هجوم مغامر كبير في موقعة الشجرة، عسى أن يحدث تغييرا جديا في المعركة، ولذلك ولأول مرة في تاريخ الحرب، قام جيش الإنقاذ بتنفيذ هجوم ليلي، بواسطة قواته المنهكة التي اندفعت "اندفاعا جنونيا يائسا، غير آبهة بكثافة النيران الصهيونية، واستطاعت أن تتقدم بفضل شجاعة ضباطها وجنودها، مستعملة الرشاشات وأربع مصفحات. واستطاعت المصفحات أن تصل إلى المستعمرة، وكادت أن تسقط بأيدي العرب، لولا تعزيزات مدفعية ثقيلة لليهود، استعملوها مباشرة في قصف القوات العربية المهاجمة والقوات المتمركزة خلفها في المنطقة، مما كان له الأثر في تغيير موازين القوى، وانسحاب القوة العربية المهاجمة بعد أن تكبدت خسارات فادحة، إذ جرح آمر فوج حطين الرئيس مدلول وخرج من المعركة، وكذلك وكيله الملازم عبد الله محمود، واستشهد وكيله الثاني. كذلك جرح آمر السرية الثالثة كمال عبد الله، والملازم طهبوب، واستشهد الملازم جابر، والملازم هرقزنة، والملازم عبد الله الأسود، ولَم يبق من هذه السرية إلا ١٦ جنديا من أصل ١٢٠.

في اليوم التالي أي ١٣ تموز/ يوليو ١٩٤٨، اشتد القصف الصهيوني على مواقع جيش الإنقاذ بالمدفعية الثقيلة، لمنع المقاتلين العرب من تنفيذ أي هجوم على "السجرة"، ورغم ذلك حاول جيش الإنقاذ طوال النهار وحتى ساعات متأخرة من المساء بمحاولة تنفيذ هجوم كبير، وزجّ المدرعات في المعركة، ولكن ذلك لم ينجح بسبب القصف الشديد طوال اليوم.

إحدى هذه القذائف أصابت الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود في عنقه، فاستشهد عن عمر قارب ٣٥ عاما، وكان يتمتم وهو محمول على أكتاف رفاقه:

احملوني احملوني واحذروا أن تتركوني
وخذوني لا تخافوا وإذا مت ادفنوني

حملة "ديكل" تثبت أقدامها وتهب لنجدة مستعمرة "السجرة"

لم تتوقع قيادة الحملة "ديكل" أن تكون الأمور بهذه السهولة، ولَم تصدق أن هجوما مضادا كبيرا منظما لن يأتي من عدة اتجاهات. لم يتحرك الجيش اللبناني جنوبا ليساعد جيش الإنقاذ، الذي وضع قوته الأساسية في معركة الشجرة التي لم تحسم بعد. بل إن التقديرات الصهيونية الخاطئة كانت تعتقد أن الانتصار العربي في معارك المالكية قبل الهدنة، سيوفر للجيش اللبناني الحماس والثقة بالنفس لمعركة حاسمة أخرى من أجل تحرير مناطق شمالية، تضعف الجيش الصهيوني وتجبره عَلى الانتشار الواسع، مما يجعله عرضة لضربات من الممكن أن تكون شديدة من قبل جيش الإنقاذ في الجليل والمناضلين الفلسطينيين المحليين. ولذلك أراحت القيادة العسكرية الصهيونية الوحدات التي حاربت في اليومين الأولين للحملة، وأبدلتها بالقوات الاحتياطية التي كانت وظيفتها صدّ تحركات الجيش اللبناني من الشمال.

منذ العاشر من تموز/ يوليو ١٩٤٨، ابتدأت الهجمات العربية المضادة على المواقع التي احتلتها حملة "ديكل"، وتركزت هذه الهجمات في منطقة مجد الكروم وترشيحا والبروة، خوفا من احتلال مجد الكروم ووصول القوة الصهيونية إلى صفد، وبذلك تستطيع محاصرة جيش الإنقاذ في الجليل.

خلال يومين كاملين، هاجم العرب القوة الصهيونية من الكتيبة ٧١ من لواء "شيڤاع" والمتمركزة في بير بداوية بجانب البروة. استطاع العرب المحليون أن يتقدموا وأن يسترجعوا بعض المواقع الصهيونية المتقدمة، ولكن الكتيبة ٧١، مستعينة بالكتيبة المدرعة من نفس اللواء، استرجعت هذه المواقع أكثر من مرة، من أيدي المناضلين، بل إنها استطاعت أن تحتل كل المواقع العربية حتى ترشيحا، واستطاعت أن تربط مستعمرة "يحيعام" الصهيونية بباقي المناطق المحتلة في الجليل الغربي ورفع الحصار العربي عنها.

بعدها خفّت الهجمات العربية المضادة لعدم جدواها وعدم قدرتها على الانتصار، كونها مكونة من مناضلين محليين على الأغلب، لأن جيش الإنقاذ لم يكن بقدرته أن يقوم بقوات كبيرة بهذه الهجمات لأن معركته الأساسية تركزت في الشجرة، خوفا على سقوط مدينة الناصرة بعد عزلها عن باقي المناطق، إذا انسحب جيش الإنقاذ من معارك الشجرة. فلما تأكد لقيادة حملة "ديكل" أن الأمور مستتبة في هذه المنطقة، وأن الوضع في المعركة الدائرة حول مستعمرة "سجرة" بجانب مفرق مسكنة أصبح حرجا، تقرر أن تستمر الحملة إلى الجنوب حتى تصل إلى الشجرة فتنقذ المستعمرة الصهيونية المحاصرة من أن تسقط في أيدي جيش الإنقاذ، وبذلك يحقق العرب نصرا إستيراتيجيا، من شأنه أن يغير مجرى المعارك في الجليل.

تقرر أن تسير الحملة جنوبا فتحتل شفاعمرو، ثم تذهب شرقا باتجاه مدينة الناصرة فتستغل "تورط" جيش الإنقاذ في الشجرة، فتحتل المدينة ثم تنقض على قواته في الشجرة، فتقضي عليه، وكان ذلك في ١٣ تموز/ يوليو ١٩٤٨.

(يتبع)


المصادر:

1. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛

2.  "بيني موريس"، ١٩٤٨ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛

3. خيرية القاسمية، فلسطين في مذكرات القاوقجي؛

4. معارك الأيام العشرة، مجلة "معرخوت"، عدد ٢٦٣-٢٦٤، حزيران/ يونيو ١٩٧٨؛

5. "تسادوك إيشل"، لواء "كرملي" خلال حرب "الاستقلال"؛

6. صمود "سجرة"، مجلة "معرخوت"، عدد ٥٢-٥٣، تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨؛

7. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛

8. "أبفراهام سيلع"، جيش الإنقاذ في حرب ٤٨، حرب "الاستقلال" ١٩٤٨-١٩٤٨، تحرير "ألون كديش"؛

9. د. مصطفى عباسي، الناصرة: المدينة العربية التي نجت من الحرب، مقالة.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية