"٧٠ عاما على النكبة": قصة سقوط الناصرة والجليل الأدنى ١٩٤٨ (٢٤/٢)

"٧٠ عاما على النكبة": قصة سقوط الناصرة والجليل الأدنى  ١٩٤٨ (٢٤/٢)
الناصرة في سنوات النكبة (أ ب)

الحلقة الثانية: من سقوط شفاعمرو حتى دخول الهدنة الثانية ١٩٤٨


باقتراب منتصف تموز/ يوليو ١٩٤٨، وبعد خمسة أيّام من انتهاء الهدنة الأولى وتجدد المعارك، وستة أيام على معارك جيش الإنقاذ في الشجرة وأنحاء أخرى من الجليل، أصبح الوضع حرجا، فجيش الإنقاذ بحاجة ماسة إلى العتاد والذخيرة، من أجل الصمود على طول الجبهة، خاصة بسبب معركة الشجرة والتي تشتد يوما بعد يوم، ورغم وصول التعزيزات إلى الطرفين المتحاربين، إلا أن الحسم ما زال بعيد المنال. كان جيش الإنقاذ والمناضلون المحليون من القرى المجاورة، يقاتلون بشجاعة فائقة، غير آبهين بكثافة النيران الصهيونية وكثرة الضحايا والشهداء من العرب. في المقابل، استمات اليهود في الدفاع عن مستعمرة "سجرة"، وصاروا ينفذون هجمات متفرقة من أجل طرد القوات العربية من التلال المشرفة على المستعمرة.

الجهة الأولى، أي العرب، تستنجد وتستجدي النجدة، وصارت البرقيات في طلب العتاد تتدفق على فوزي القاوقجي، قائد جيش الإنقاذ، بدون انقطاع، كما يذكر في يومياته، وهو يحاول بدوره طلب الدعم من القوات العراقية في جنين، أو القوات اللبنانية في منطقة المالكية-قدس-بليدة، ومن القيادة العسكرية في دمشق، وما من مجيب.

أما الجهة الثانية، أي اليهود، فتتدفق عليها النجدات من كل حدب وصوب، مستعمرة "بيت كيشت" تدخل المعركة، وتحشد قوات لنجدة قوات "چولاني" المتمركزة في مستعمرة "سجرة"، والمدفعية الثقيلة وصلت لليهود في ١٣ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وصاروا يستعملونها في صد الهجمات العربية، بل في مهاجمة العرب وقصف مواقعهم بكل قوة، مما تسبب في استشهاد الكثير من الجنود والضباط والمناضلين.

أصبحت الكفة تميل إلى صالح اليهود في معركة الشجرة، ولَم تشفع الشجاعة العربية أمام التخطيط العسكري الصهيوني، والعتاد والذخيرة التي تكفيهم لمعركة أطول مما يتحمله العرب، الذين يفتقدون إلى فن الحرب، فطوال أيام وهم يستعملون النمط نفسه في هجماتهم، وبالإضافة إلى ذلك، صارت ذخيرتهم تنضب، وعتادهم يقل. وصلت المعركة إلى وضع خطير والموقف العسكري أصبح دقيقا، وهناك حاجة إلى تغيير جذري من أجل حسم المعركة لصالح العرب، وإلا حدث العكس.

احتلال بلدة شفاعمرو وقرية عبلين

قررت قيادة حملة "ديكل" أن تهاجم بلدة شفاعمرو من الناحية الشمالية-الغربية، وأن تقوم بذلك الكتيبة ٢١ مشاة من لواء "كرملي"، والكتيبة ٧١ مشاة من لواء "شيڤاع"، والكتيبة المدرعة ٧٩ من نفس اللواء. الرواية الصهيونية تتحدث عن تعاون مع بعض قيادات الطائفة الدرزية في البلدة، حيث تم الاتفاق مع هذه القيادات على أن يقوم المقاتلون من الطائفة الدرزية بإطلاق النار في الهواء عند تقدم القوات الصهيونية إلى شفاعمرو، ومن ثم ترفع الأعلام البيضاء على جميع البيوت، حالما يصل الجنود المحتلون إلى البلدة، وذلك من أجل إرباك باقي سكان البلدة، وإجبارهم على الاستسلام أيضا.

في ليلة ١٣-١٤ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وبعد منتصف الليل، وجهت المدفعية الصهيونية عيار ٦٥ ملم مدافعها، إلى الناحية الشمالية للبلدة، وابتدأت قصفا مدفعيا عشوائيا، من أجل إحداث أكبر الأضرار الممكنة في الأرواح والممتلكات وجعل المواطنين يفرون إلى خارج البلدة لا يلوون على شيء. في نفس الوقت تقدم المشاة من الكتيبة ٢١ والكتيبة ٧٩ من معسكر "مشمار هيام" بمرافقة بعض المدرعات وجرافة كبيرة من أجل إزالة الحواجز العربية، باتجاه البلدة، بينما تقدمت قوة مدرعة أخرى باتجاه مفرق شفاعمرو - البروة، لمنع أي تدخل عربي من الشمال. كان الهدف الأول للقوة الصهيونية هو احتلال مركز الشرطة في البلدة، ومن ثم السيطرة على باقي مراكزها وأحيائها.

كانت في شفاعمرو حامية صغيرة جدا من بعض جنود جيش الإنقاذ، حيث أن الأغلبية منهم تركت البلدة للمشاركة في معارك الشجرة. انسحبت حامية جيش الإنقاذ من البلدة، مع اشتداد القصف المدفعي، حيث أن جنود الحامية ليس لهم القدرة الكافية لمقاومة القوة الكبيرة المتقدمة لاحتلال البلدة. وعند اقتراب القوة إلى شفاعمرو فتح المناضلون نيران بنادقهم باتجاهها، كانت النيران كثيفة، ولكنها غير دقيقة ولَم تستطع وقف تقدم المدرعات الصهيونية التي سبقت القوة الصهيونية وخلفها المشاة. استعملت المدرعات نيران مدافعها الرشاشة وصارت تطلق نيرانها عَلى بيوت المواطنين. بالإضافة إلى ذلك استعملت القوة الصهيونية راجمة قذائف عيار ٥٢ ملم، والتي أحدثت أضرارا جسيمة، وسقط عدد من الشهداء جراء قصفها بالإضافة إلى القصف المدفعي. استطاعت القوة الصهيونية أن تتقدم حتى مركز الشرطة واحتلته، بدون وقوع إصابات بين جنودها. فصيل صهيوني آخر تقدم إلى الجهة الشرقية للقرية مستعينا بالمدرعات، وبذلك منعت سد الطريق على مناضلي القرية باتجاه الناصرة. فصيل صهيوني آخر تقدم باتجاه حارة المسلمين، واحتلها بدون مقاومة تذكر، بسبب هروب عدد كبير من سكان الحي إلى خارج البلدة، بسبب القصف المدفعي الشديد.

طلعت الشمس وشفاعمرو محتلة بالكامل. كان رئيس بلديتها جبور يوسف جبور، متواجدا في بيته بعد أن أيقن أن البلدة قد احتلت لا محالة، وسرعان ما جاء القائد الصهيوني دوڤ يرميا إلى بيته، مع مجموعة من جنوده تبحث عن الأسلحة، وطلب من رئيس البلدية أن يرافقه إلى قلعة شفاعمرو، وهناك التقى بقائد القوة المهاجمة بنيامين دنكلمان، وتم توقيع اتفاقية استسلام البلدة، وبذلك سقطت شفاعمرو رسميا، وأصبحت محتلة بالكامل، في صباح ١٤ تموز/ يوليو ١٩٤٨. في الساعة ١٤:٠٠ من نفس اليوم، تقدمت القوة المدرعة من كتيبة ٧٩ من لواء "شيڤاع"، واحتلت قرية عبلين بدون أية مقاومة تذكر.

المعركة على أشدها في الشجرة، وحملة "ديكل" مستمرة

لم ييأس الضابط فوزي القاوقجي، قائد جيش الإنقاذ، من حسم المعركة في الشجرة، خاصة بعد الانتصار المؤقت والذي حصل في يوم ١٣ تموز/ يوليو ١٩٤٨، ثم تحول إلى هزيمة بسبب القصف المدفعي الشديد من القوات الصهيونية، ولذلك نظم جيشه والمناضلون هجوما كبيرا على مستعمرة "سجرة" بعد أن كان قد سحب قوات ومدافع ومصفحات من أنحاء أخرى من الجليل، لتعزيز موقفه في المعركة الشرسة التي تدور في الشجرة.

ابتدأ الهجوم في ساعات الظهر من يوم ١٤ تموز/ يوليو ١٩٤٨، حيث قامت المدفعية العربية بقصف المواقع الصهيونية بشدة، ثم قام المشاة بهجوم من ناحيتين على المخفر الغربي، وتدخل الطيران السوري بعد أن طلب القاوقجي ذلك من اللجنة العسكرية في دمشق، حيث طالب بقصف قوة حملة "ديكل" التي تنطلق شرقا بعد احتلالها شفاعمرو، بهدف الدخول في مواجهة مباشرة مع جيش الإنقاذ، في الناصرة والشجرة.

في الساعة ١٤:٠٠ تقدمت ثلاث مصفحات لجيش الإنقاذ، صوب مستعمرة "سجرة" من طريق مسكنة، واستطاعت أن تقتحم الحواجز الصهيونية، وتصل إلى خربة سيرة عجل، ومن ثم وصلت إلى مدخل المستعمرة، بدون أن تتعرض لقصف المدافع الصهيونية التي قدمت قبل يوم واحد. في الوقت نفسه، قامت طائرتان سوريتان بقصف المخفر الغربي، وتقدمت قوة راجلة نحو المخفر، وصار بالإمكان اقتحام المستعمرة واحتلالها، إلا أن المدفعية من داخل مستعمرة "سجرة" ومستعمرة "بيت كيشت"، بدأت بالقصف بعد هول المفاجأة مما أدى إلى انسحاب القوة المدرعة العربية، ولكن القوة الراجلة استمرت في هجومها، وأتمت حتى المساء ثماني محاولات من أجل احتلال المخفر الغربي، ولكنها فشلت جميعا، وسقط الكثير من الشهداء، دون أن تحقق أي تقدم، ولذلك وللمرة الأولى في الحرب، قام جيش الإنقاذ بتنفيذ هجوم ليلي عند الساعة ٢٣:٣٠ في ليلة ١٤-١٥ تموز/ يوليو ١٩٤٨، ووصل جنوده الشجعان حتى المستعمرة وصاروا يلقون عليها وعلى المدافعين عنها قنابلهم اليدوية، ولكن هذا الهجوم لم يحقق شيئا مثل سابقيه، بسبب قوة نيران المدافعين، وكثرة الجرحى والشهداء من جيش الإنقاذ.

في يوم ١٥ تموز/ يوليو ١٩٤٨، حدثت مناوشات بين الطرفين، ولكن العرب أصبحوا في وضع صعب، بعد الأخبار عن احتلال شفاعمرو وتقدم حملة "ديكل" غربا نحو الناصرة، ولذلك ورغم محاولات تمويه الصهاينة بمحاولات تنفيذ هجوم آخر على مستعمرة "سجرة"، إلا أن ذلك لم يحصل، حتى ساعات المساء المتأخرة. في الساعة ٢٣:٠٠ وحتى منتصف الليل، وجه الصهاينة مدافعهم نحو القرى العربية في المنطقة، وأعملوا فيها القصف الشديد، حيث قصفت عين ماهل وطرعان وخربة مسكنة، وكذلك قام الطيران الصهيوني بطلعات جوية وقصف لنفس القرى العربية. ورد جيش الإنقاذ بقصف مدفعي على مستعمرة "سجرة" من مدافعه في نمرين.

سقوط المجيدل ومعلول واستهداف صفورية وعيلوط

بعد احتلال شفاعمرو، أصبحت الطريق إلى الناصرة مفتوحة لحملة "ديكل"، حيث تقرر أن تستمر الحملة فتصل الناصرة من الناحية الشمالية، بعد أن يتم احتلال بلدة صفورية الكبيرة الواقعة في الناحية الشمالية لطريق شفاعمرو - الناصرة، واحتلال قرية عيلوط الواقعة في الناحية الجنوبية لنفس الطريق. ولكن قبل أن يتم ذلك، تقرر أن تقوم الحملة بتمويه للحامية العربية في الناصرة، بحيث تنطلق قوتان من لواء "چولاني"، في ١٥ تموز/ يوليو ١٩٤٨، للهجوم على الناصرة من الجهة الجنوبية، تنطلق الأولى من مستعمرة "نهلال"، وتحتل قرية معلول، أما الثانية فتخرج من مستعمرة "سريد" وتحتل قرية المجيدل.

تم للقوة الأولى ما أرادت، إذ احتلت معلول بدون مقاومة تذكر، وطردت من بقي في القرية إلى خارجها. أما القوة الثانية فواجهت مقاومة من بنادق المناضلين المتواجدين في قرية المجيدل. واستمرت هذه المقاومة لعدة ساعات، سقطت بعدها المجيدل، وكان مصير سكانها مماثلا لمصير سكان معلول.

بعد هذا النجاح، وربط مستعمرة "كفار هخورش" المحاذية للناصرة من الناحية الجنوبية بمستعمرة "نهلال"، صار الاعتقاد السائد لدى حامية جيش الإنقاذ في مدينة الناصرة، بأن الحملة العسكرية الصهيونية، ستحاول دخول الناصرة من جهة "شنلر" وهو مركز الشرطة الأكبر في شمال فلسطين، فقامت الحامية بتحصين المركز حتى يصمد أمام الهجمات الصهيونية.

ولكن حملة "ديكل" استمرت في تنفيذ خطتها الأساسية، وهي مهاجمة الناصرة من الناحية الشمالية الغربية، ومفاجأة جيش الإنقاذ، ولكن كان عليها أن تتخلص من بلدة صفورية وقرية عيلوط الواقعتين في طريقها إلى المدينة المقدسة.

ليلة سقوط صفورية

اعتبر الصهاينة صفورية بلدا عنيدا، وذلك لأن الكثير من المناضلين الأشداء كانوا قد خرجوا منها، وكانت لهم صولات وجولات خلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين الأعوام ١٩٣٦-١٩٣٩، ولأن مجموعة الشيخ عز الدين القسام، أي العصبة القسامية، احتوت في قياداتها ومناضليها العديد من رجالات صفورية. وخلال معارك النكبة شارك مناضلو البلدة في معارك عكا، ومعارك الدفاع عن صفد، والهوشة والكساير، ولوبية والشجرة. وخلال سير حملة "ديكل" إلى صفورية ، تواجد فيها ٣٥ مقاتلا تقريبا، تحت قيادة محمد محمود الغز، المشهور بأبي محمود الصفوري، إذ أن الباقين كانوا يشاركون في معركة الشجرة الشرسة.

من أجل احتلال صفورية وعيلوط، تقرر أن تقوم الكتيبة ١٣/  لواء "چولاني" بمهاجمة قرية عيلوط من الناحية الجنوبية، في ليلة ١٥-١٦ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وأن تقوم الكتيبة ٢١/ لواء "كرملي" بمرافقة وحدة مدرعات من الكتيبة ٧٩/ لواء "شيڤاع"، والكتيبة ٧١ مشاة/ لواء "شيڤاع"، بمهاجمة قرية صفورية في نفس الليلة. كان بن دنكلمان، قائد لواء "شيڤاع"، هو المسؤول عن الحملة، وكان قد خرج مع كتيبته من منطقة طبعون، وسار بمحاذاة وادي الملك، حتى وصل إلى بستان رضا الحاج بجانب جسر الخلادية (بجانب ما يسمى اليوم بمفرق "هموڤيل")، واستحكم في هذه المنطقة منتظرا، القوات القادمة من شفاعمرو، وعلى رأسها دوڤ يرمياهو مع الكتيبة ٢١/ "كرملي"، ومدرعتان من الكتيبة ٧٩/ "شيڤاع"، ونصف مجنزرة تحمل مدفعا رشاشا عيار ٢٠ ملم، وكتيبة سيارات "جيب" مزودة بمدافع "بزة".

بعد أن وصلت القوة القادمة من شفاعمرو، واتحدت مع القوات القادمة من طبعون، سارت باتجاه صفورية على عدة محاور، من أجل إتمام احتلالها قبل طلوع النهار. قبل بدء الهجوم قامت طائرتان صهيونيتان بقصف البلدة بالقنابل، مما دب الرعب في الأهالي والسكان، الذين كانوا يتحضرون لتناول طعام الإفطار، يوم الخميس الموافق ٢٧ رمضان.

في المحور الأول تقدمت سرية عن طريق البرانس من الجهة الغربية، وكانوا جنودها متنكرين بثياب عربية، وعندما وصلت مشارف البلدة صارت تطلق النار على السكان.

وتقدمت سرية أخرى باتجاه القلعة بقيادة شاؤول يوڤن، وقامت هذه السرية بمهاجمة مجموعة أبي محمود الغز التي تمركزت هناك، وجرت معركة استمرت حتى نفذت ذخيرة المدافعين فانسحبوا إلى خارج القرية.

وكذلك تقدمت سرية ثالثة بقيادة حاييم فيش، فهاجمت منطقة النبي إقبال، ولكنها تعرضت لمقاومة شديدة قتل فيها قائد السرية، والجدير بالذكر أن حاييم فيش هو القتيل الصهيوني الوحيد في حملة "ديكل".

وهاجمت سرية أخرى بقيادة أرييه سيچل مدرسة البنات حيث مقر قيادة الثوار، وكان الهجوم معززا بالمدرعات والمدافع الرشاشة. ناهيك عن أن القوة الصهيونية نصبت راجمة قنابل عيار ٣ إنش، عند عين القسطل فقامت هذه بقصف البلدة بشدة، مما أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا.

وما أن طلع النهار حتى كانت صفورية كلها في يد المحتل، بعد أن هجرتها الأغلبية الساحقة من سكانها، وانسحب المقاتلون الفلسطينيون منها إلى بساتين الزيتون القريبة، وما كانت محاولاتهم المتكررة في اليوم نفسه لتنفيذ عدة هجمات مضادة، إلا محاولات بائسة من أجل قلع المحتل الذي يفوقهم عدة وعتادا، ولم تنجح هذه المحاولات، بل قل إنها لم تؤثر على القوة العسكرية التي تمركزت في البلدة، بسبب قلة العدد وسوء حال العتاد.

استشهد في الهجوم على صفورية حوالي ٧٥ شخصا ونيف من أهالي البلدة والمدافعين عنها.

احتلال قرية عيلوط والأمور تسير لصالح الصهاينة في الشجرة

هاجمت الكتيبة ١٣ من لواء "چولاني" قرية عيلوط في نفس ليلة الهجوم على صفورية، أي ليلة ١٥-١٦ تموز/ يوليو ١٩٤٨، واستطاعت الدخول إليها بعد معركة قصيرة، ولكن المقاتلين المتمركزين على التلال المحاذية للقرية، فتحوا نيرانهم على القوة الصهيونية التي أصيب أعضاؤها بالارتباك والخوف من القناصة العرب حول عيلوط، فلم يستطيعوا أن يسيطروا على القرية حتى الصباح، فجاءت أوامر موشي كرمل، قائد القوات الصهيونية بالشمال، بمتابعة الحملة إلى الناصرة وعدم ربطها باحتلال قرية عيلوط، على أن تتم قوة "چولاني" ذلك خلال النهار.

وبالفعل، بعد عدة ساعات سيطرت كتيبة "چولاني" على القرية، بسبب ضعف إمكانيات المدافعين الذين هربوا باتجاه مدينة الناصرة. ومن الجدير ذكره هنا، أن الجيش الصهيوني نفذ مجزرة في قرية عيلوط، بعد احتلالها بعدة اأّام، راح ضحيتها أكثر من ثلاثين شخصا، أطلق عليهم الجنود النار بعد تجميعهم وسط القرية قرب الجامع.

وبالعودة إلى الشجرة، في يوم احتلال عيلوط كانت معاركها مستمرة، وقد أصبح ميزان القوى يميل لصالح الصهاينة لسببين، أولهما وصول الأسلحة والذخيرة، خاصة المدفعية عيار ٦٥ ملم إلى مستعمرة "سجرة"، وثانيهما التكتيك الحربي الخاطىء للعرب على هذه الجبهة. وزاد الطين بلّة أخبار حملة "ديكل" والنجاحات التي حققتها.

في الساعة ١٣:٠٠ ظهرا، بتاريخ ١٦ تموز/ يوليو ١٩٤٨، هاجمت مصفحتان لجيش الإنقاذ مستعمرة "سجرة"، وقصفتها بمدافعها عيار رطلين، وكان هدف هذا الهجوم منع الصهاينة من السيطرة على طريق عيلبون، ومنع انسحاب جيش الإنقاذ إلى الناصرة. ومن طرعان خرجت مصفحات أخرى باتجاه المخفر الجنوبي لمستعمرة "سجرة" وصارت توهم القوة الصهيونية بأنها تريد اقتحام المستعمرة. ردا على الهجوم العربي، قامت القوة الصهيونية في المنطقة بقصف شديد للمصفحات براجمات القنابل، وأطلقت مدافعها الرشاشة على حركة السيارات عَلى طريق عيلبون- الناصرة، ومن ثم على السيارات على طريق دبورية - مستعمرة "العفولة"، مما أدى إلى إصابات وشهداء بين العرب الذين ابتدأوا بالهروب من القرى التي استمر القصف الشديد عليها، خاصة لوبية وخربة مسكنة ودبورية.

في ليلة ١٦-١٧ تموز/ يوليو ١٩٤٨، قامت وحدات صهيونية بمهاجمة قرية لوبية، وتدمير بعض البيوت ومفاجأة المناضلين العرب فيها. ردا على هذه الهجمات أطلق جيش الإنقاذ من دبورية مدافعه الرشاشة بشكل مكثف على مستعمرة "سجرة"، تغطية للانسحاب من قرية لوبية.

سقوط مدينة الناصرة

يذكر فوزي القاوقجي في مذكراته، أنه كان يعتبر أن الناصرة محمية جيدا من أي هجوم يأتيها من الغرب أو من الشمال الغربي، إذ أن قوة من المسلحين بقيادة أبي إبراهيم الأندوري وعددها ١٥٠ شخصا، كانت تتمركز في المنطقة الغربية من الناصرة، وفِي صفورية ١٠٠ من المقاتلين بقيادة أبي محمود الغزّ، وأن الطرق إلى صفورية كانت ملغمة من جهة شفاعمرو. لذلك وافق على السفر إلى لبنان للقاء وزير الدفاع اللبناني الأمير مجيد أرسلان علي، وذلك في ١٥ تموز/ يوليو ١٩٤٨. لكن الأمور لم تجرِ كما اعتقد، إذ أن الجبهة كلها انهارت خلال يومين، وبعد احتلال صفورية وعيلوط، لم تتوقف القوة الصهيونية حتى تثبت أقدامها على الأرض، بل استمرت في هجومها، وقررت الاستمرار في حملة "ديكل" وإتمام احتلال الناصرة، من الجهة الشمالية الغربية وهي الجهة التي اعتقد القاوقجي أنها حصينة.

انطلق الطابور الصهيوني الذي احتل صفورية، نحو الناصرة، تتقدمه الدبابات والمصفحات ونصف المجنزرات، ويأتي خلفهن قوات المشاة، كما وحلقت في الجو ثلاث طائرات، قامت بقصف المدينة مقدمة للهجوم عليها. كانت القوة تضم الكتيبة ٢١ من لواء "كرملي"، والكتائب ٧١ و ٧٢ و ٧٩ المدرعة من لواء "شيڤاع"، والكتيبة ١٣ من لواء "چولاني". كان عدد أفرادها أكثر من ٥٠٠ جندي.

تقدمت القوة صعودا نحو الناصرة، وما أن اقتربت منها حتى واجهتها تسع مصفحات من جيش الإنقاذ، جاءت لمنعها من التقدم، وأطلقت نيران مدافعها عيار رطلين على مصفحات ودبابات القوة الصهيونية، ولكنها لم تصب الهدف، وبذلك أصبحت هي الهدف للنيران الصهيونية، حيث قامت المصفحات والمجنزرات بإطلاق قذائفها نحو المدرعات العربية مما أدّى إلى تدمير خمسة منها، واستشهاد عدد من الجنود، إذ أن إحدى المصفحات أصيبت في خزان وقودها فانفجرت مع ذخيرتها، وأغلقت الطريق على المصفحات الأخرى مما كبدها خسارة أربع مصفحات أخرى، وانسحبت الأربعة الباقية إلى الخلف، ثم هربت إلى الشمال تاركة الدفاع عن المدينة، وبذلك أصبحت الطريق إلى الناصرة من الجهة الشمالية الغربية مفتوحة أمام المدرعات الصهيونية، والتي انطلقت أمام القوة الراجلة لاحتلال المدينة.

وصلت المدرعات الصهيونية إلى منطقة الخانوق شمال الناصرة، في الساعة ١٧:٣٠ من يوم الجمعة الموافق ١٦ تموز/ يوليو ١٩٤٨، مطلقة مدافعها ومدافعها الرشاشة بقوة وعشوائية على كل حدب وصوب، تعاونها في ذلك أنصاف المجنزرات المزودة أيضا بمدافع رشاشة. خلال ساعة واحدة كانت المدينة كلها في يد القوات الصهيونية. وقد استشهد من المناضلين والسكان المدنيين، عند احتلال المدينة، ما يزيد عن ٨٠ شخصا.

في الساعة السادسة والربع مساءً، سيطر الجيش الصهيوني على بيت قاضي المدينة الشيخ سعد الدين العلمي، وطالبه بتوقيع وثيقة استسلام المدينة للقوات الصهيونية، ولكنه رفض ذلك بدعوى أنه ليس مواطنا نصراويا، ولذلك تمت دعوة رئيس البلدية آنذاك، يوسف بيك الفاهوم، للتوقيع على وثيقة الاستسلام، في مقر القيادة الصهيونية، فوقع في الساعة ١٩:٠٠، وطلب منه قائد الحملة الصهيونية بن دنكلمان أن يأخذ الوثيقة من أجل أن يوقع عليها وجهاء المدينة الآخرون، فذهب إلى مركز المدينة حيث وقع الوجهاء على الاستسلام.

في اليوم التالي لاستسلام المدينة، أعطى موشي كرمل قائد المنطقة الشمالية للجيش الصهيوني، أوامره بطرد أهالي الناصرة جميعا، ولكن قائد حملة ديكل، حاييم لسكوڤ، قام باستفسار الأمر من دافيد بن چوريون، الذي أعطى أوامره بإبقاء السكان خوفا من ردة فعل العالم المسيحي في أوروبا وأمريكا، من عمل كهذا في المدينة المقدسة. جمع اليهود الأسلحة من السكان، وكان عددها أكثر من أربعة آلاف بندقية، حسب المصادر الصهيونية. وفرض نظام منع التجول على المدينة المحتلة بحيث يخرج الناس من بيوتهم لمدة ساعتين يوميا، وذلك لمدة أربعة أيّام متتالية.

انتهاء المعارك في الشجرة وسقوط مناطق واسعة

كان سقوط مدينة الناصرة مدويا، فاستسلمت في إثره قرى الرينة والمشهد وكفر كنا وإكسال.

في الشجرة، توقفت المدفعية العربية المتمركزة في مسكنة عن القصف، بعد انسحابها في ليلة ١٦-١٧ تموز/ يوليو ١٩٤٨، فوجهت المدفعية الصهيونية صوب قرية لوبية بدءًا من الساعة التاسعة صباحا، واستمر القصف طوال النهار، مما تسبب بهروب عدد كبير من سكان القرية بعد انسحاب جيش الإنقاذ منها باتجاه قرية المغار. 

في اليوم نفسه، وقعت قرية دبورية على وثيقة استسلام بدون قتال، ومن ثم دخلتها القوات الصهيونية، واحتلت جبل الطور وتمركزت فيه. أما لوبية فتعرضت لهجوم ليلي من قبل قوات "چولاني"، ثم فتحت المدافع الصهيونية نيرانها على القرية من الساعة ٢٣:٣٠ ليلة ١٧-١٨ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وحتى الساعة ٠٦:٣٠ من اليوم التالي.

استسلمت قرية طرعان في ١٨ تموز/ يوليو ١٩٤٨، وأصبحت لوبية خالية من سكانها فدخلتها القوات الصهيونية عند الساعة ١٥:٣٠، واحتلت بالكامل عند الساعة ١٧:٣٠. في اليوم نفسه خرجت قوة من شفاعمرو، واحتلت قرى كابول وطمرة وشعب وكفرمندا، واحتلت سخنين ولكنها اضطرت إلى الانسحاب منها فيما بعد، بسبب هجمات مضادة لجيش الإنقاذ. في اليوم التالي، أي ١٩ تموز/ يوليو ١٩٤٨، دخل الجيش الصهيوني إلى قرية عين ماهل فاستسلمت بدون قتال، وكذلك استسلمت في نفس اليوم قرى البعينة والعزير ورمانة.

دخلت الهدنة الثانية حيز التنفيذ في ١٨ تموز/ يوليو ١٩٤٨، منذرة بسقوط مدينة فلسطينية أخرى في يد المحتل الصهيوني، وبذلك انتهت حملة "ديكل" بهزيمة كبيرة لجيش الإنقاذ، رغم بسالة جنوده في معركة الشجرة، وذلك بسبب ضعف إدارة المعركة من قبل قيادته، وضعف تسليحه، وقلة ذخائره، وعدم نجدته من القوات العربية الأخرى، خاصة من الجيش العراقي الذي كان الأقرب إلى منطقة الناصرة، حيث أنه كان متواجدا في مدينة جنين.


المصادر:

١. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود، ١٩٤٧-١٩٥٢؛
٢.  "بيني موريس"، ١٩٤٨ تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛
٣. خيرية القاسمية، فلسطين في مذكرات القاوقجي؛
٤. "تسادوك إيشل"، لواء "كرملي" خلال حرب "الاستقلال"؛
٥. صمود "سجرة"، مجلة "معرخوت"، عدد ٥٢-٥٣، تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨؛
٦. "ابراهام سيلع"، جيش الإنقاذ في حرب ٤٨، حرب "الاستقلال" ١٩٤٨-١٩٤٨، تحرير "ألون كديش"؛
٧. "موشي كرمل"، معارك الشمال؛
٨. محمد أمين بشر، صفورية، تاريخ وحضارة وتراث.
٩. د. مصطفى عباسي، الناصرة: المدينة العربية التي نجت في الحرب، مقالة.