الناصرة: حين يبكي العود صاحبه توفيق زهر

الناصرة: حين يبكي العود صاحبه توفيق زهر
ضحية العنف والإجرام الفنان توفيق زهر

تالا، طفلة لم تتجاوز الرابعة من عمرها، وهي رفيقة جدها المولع بها، كيف لا وهي حفيدته الأولى، والتي كانت تبادله نفس الشعور، فهو الذي كان ينتظرها عصر كل يوم أمام حضانة القسيس نزار، في منطقة "ديانا" بمدينة الناصرة، لتعود معه إلى البيت، وفي الطريق كان يشتري لها من الحلوى ما يطيب لها ثم يتناول الخبز من مخبز أبو ناجي المجاور، ويكملان طريقهما إلى المنزل.

عزّز هذا البرنامج اليومي من أواصر علاقة المحبة والتواصل بين الطفلة تالا نبيل دانيال وجدها الفنان وعازف العود توفيق زهر، ليجيء يوم الإثنين قبل الماضي والبرنامج اليومي للطفلة تالا مع جدها يسير بانتظام على طول الطريق من الحضانة إلى المخبز، لكن صوت رصاص مجهول المصدر جاء ليخترق هذا البرنامج اليومي لتالا وجدها، ويمزق بهجة الحياة للعائلة الوادعة ويسقط العازف أرضا ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وتسقط تالا فوقه وتصاب بخدش طفيف في يدها وهناك يتوقف كل شيء!

أنين وبكاء

صوت العود الذي كان يصدح في منزل توفيق زهر على مدار ساعات اليوم، تحول إلى أنين وبكاء ونحيب وعويل، فالخبر وصل بسرعة البرق من الجيران إلى بيت عائلة زهر، فأسرع الابن جريس إلى مستشفى الناصرة (الإنجليزي) الأقرب إلى موقع الجريمة، فوجد كل شيء منتهيا!

قال جريس زهر (28 عاما) لـ"عرب 48" إنه حين وصل إلى المستشفى "رأيته وكانت روحه قد غادرت جسده فقد أعلن الأطباء وفاته، على ما يبدو، فور وصوله إلى المستشفى، وبتقديري لفظ أنفاسه الأخيرة قبل وصوله إلى المستشفى أو في موقع الجريمة".

عود الفنان توفيق زهر وحيدا في منزله (تصوير "عرب 48") 

وأضاف أن "رصاصة واحدة استقرت في صدر الفنان الإنسان والعازف المبدع، قتلت عائلة بأكملها وقضت على أحلامنا ومستقبلنا وطموحنا وحرقت قلوبنا". وختم جريس بالقول: "منذ أن رحل ونحن نشعر بأن صخرة تربض فوق صدورنا، لقد حمّلنا بموته ما لا طاقة لنا على حمله، فقد كان لنا الأب والصديق صاحب الصدر الرحب والحنون الذي لم يشغله همّ سوى البيت والعائلة ".

وقال الابن الثاني، وسيم زهر (24 عاما)، لـ"عرب 48": "نحن نحب الفرح ونحب الحياة، كنا نسمع عن جرائم إطلاق النار هنا وهناك ونعي الواقع المأساوي الذي يعيشه المجتمع العربي في ظل فوضى السلاح والعنف، لكن لم نتوقع حتى في أسوأ أحلامنا أن يصل الرصاص والقتل إلى بيتنا!".

وأشار إلى أن "والدي كان أبعد الناس عن المشاكل وأكثرهم حرصا على تربيتنا تربية صالحة بعيدا عن أصدقاء السوء وعن المشاكل والعنف، لذلك فإنني لا أستطيع أن أستوعب بأن الإنسان المسالم والمتسامح والطيب الذي كان يحب أن يعطي دون أن يأخذ، والذي بعث الفرح والسعادة في قلوب الناس حيثما تواجد ليس بيننا الآن".

هذه الأقوال تعززها الابنة رشا (26 عاما) المتزوجة من نبيل دانيال، وهي والدة الطفلة تالا والرضيع سمير الذي لم يتجاوز شهره الرابع، حيث قالت لـ"عرب 48"، إن والدها كان يعطف حتى على الحيوانات الضالة التي يصادفها في الشارع أو في الحي، ويطعمها ويسقيها، فكيف لا يكون حنونا على أهل بيته وناسه ومجتمعه.

وأكدت أنه "كان نبع حنان لدرجة أن هذا العصفور (تشير بيدها إلى قفص فيه عصفور) توقف عن التغريد لمدة ثلاثة أيام بعد رحيل الإنسان الذي كان يرعاه ويعتني به بشكل يومي".

 تالا وغيبوبة الذهول

أما الطفلة تالا التي لم تبلغ من العمر حد التعرف على الموت والرصاص والقتل والعنف فأصبحت، اليوم، تعيش كابوس الموت والقتل والنار والسلاح وتكثر من الحديث عن جدها، وهي تعيش حالة ما بعد الصدمة، حسبما قال والدها، نبيل دانيال، لـ"عرب 48".

وأضاف أن "الطفلة لا تبدو أنها تعاني من الصدمة أو ما يعرف بغيبوبة الذهول، لكن تظهر عليها بعض الأعراض في الليل والنهار تشير إلى تأثرها بالجريمة".

وأوضح والد تالا أن "هذه الطفلة التي لم تسمع أبدا بكلمة طخ، ورصاص، وقتل، أصبحت الآن لا تكف عن ذكر هذه الكلمات". وعندما وجهنا سؤالا للطفلة عن سبب عودتها من الروضة مع والدها وليس مع جدها قالت: "لأن جدي توفيق ميت"... وحين سألناها كيف مات؟ قالت "مات بالطخ"! وراحت تركض إلى حضن أمها.

وأشار دانيال إلى أن الطفلة تالا توجه اللوم إليه أحيانا لأنه لم يأت لأخذها من الحضانة بالسيارة، ولو فعل ذلك لما كان جدها قد قتل في ذلك اليوم!

وأوضح أن مختصا نفسيا تحدث معه عن ضرورة خضوع الطفلة تالا لجلسات علاجية حتى وإن لم تظهر عليها حتى اللحظة أعراض ما بعد الصدمة، لكن مثل هذا الحدث قد يرافقها طوال حياتها. وتالا تعتقد بأنها أصيبت بالرصاص، فقد تعرضت الطفلة لخدش في يدها عندما سقطت على الأرض وظهرت على يدها بعض الدماء، فهي تردد أنها "انطخت" بيدها! أما والدتها رشا فتقول إن تالا نجت بأعجوبة، وإنها بعد الجريمة أصبحت تخاف من صوت المفرقعات وتفضل البقاء في البيت وعدم الخروج إلى الشارع.

انقطع صوت العود

أكثر ما امتاز به منزل عائلة المرحوم توفيق زهر هو صوت العود الذي كاد ألا ينقطع من البيت، وقالت زوجة المرحوم، ردينة زهر، لـ"عرب 48" إنه "في الأيام التي لم يكن أبو جريس يخرج فيها من البيت كان يحتضن العود كل ربع ساعة أو عشر دقائق. كان مميزا بعزفه لدرجة أن الحارة والجيران يطربون على عزف أنامله الذهبية، وربما هذا أكثر ما سنشتاق إليه جميعا بعد غيابه".

وأضافت: "الحزن سيطر على البيت ولن يعود إلى طبيعته بعد هذه المأساة، لكننا سنتقبل ما حصل فهذه مشيئة الله وليس لدينا ملجأ سواه! نعم نشعر بأن الحياة قد توقفت وأننا نعيش كابوسا مزعجا يصعب علينا أن نصحو منه".

وهنا تداركت الابنة رشا وقالت: "سنكون أقوياء ونكمل طريقه ونحقق حلمه الذي طالما سعى من أجله وهو أن يرى جريس ووسيم وقد وفقهما الله بالزواج والعيش السعيد، كان يحلم بأن يشتري لهما بيتين وقد حقق نصف حلمه هذا واشترى بيتا لأحدهما، كان يحلم بأن يرى أحفاده وأن يداعبهم وأن يبقى بيته مفتوحا للجميع".

وأضافت: "كان والدي أحن من عوده، تخيل كم هي آلة العود حنونة بين يديه فهو كان أحن من عوده. ولم يكن والدي مجرد عازف عود بل كان العود يكاد ينطق بالكلام بين أصابعه".

ولم يبق جريس ساكتا فقد قال إن "العود كان يبكي من شدة الحنية واليوم العود يبكي على فراق صاحبه". وقال وسيم: "لم أسمع في حياتي عزفا أحن من عزف والدي".

وأشار إلى أن "العود اليتيم يستقر وحيدا على الكنبة في الزاوية التي اعتاد صاحبه أن يعزف فيها".

وارتأت الابنة رشا بأن تتحدث عن "وقوف الآلاف إلى جانب العائلة في مصابها الأليم سواء أولئك الذين يتظاهرون يوميا، وأقاموا خيمة اعتصام، أو الذين شاركوا في تشييع الجثمان والذين بادروا لمسيرة الحداد فالعائلة مدينة بالشكر الجزيل لهم"، رغم أنها تعلم بأن المصيبة في نهاية المطاف لا تصيب سوى أهل البيت وحدهم، ففي ذلك مواساة لهم، لكن لن يخفف أي شيء الحزن والأسى عن العائلة.

وختم جريس بالقول إن الدنيا قست عليه وعلى عائلته بهذا المصاب لدرجة أنه عاجز عن النظر إلى الأمام، نحو المستقبل، فقد كان متعلقا بوالده إلى أبعد الحدود وكان لا يجلس إلى مائدة دون حضور والده، "كان زينة العائلة والملك في كل قعدة، كان الجميع يقفون إجلالا واحتراما لفنّه ولعزفه ولروحه الطيبة ولإنسانيته".