مقابلة | زيداني: الأحزاب أخطأت عندما فوّضت "الوفاق" والتجمع دفع الثمن

مقابلة | زيداني: الأحزاب أخطأت عندما فوّضت "الوفاق" والتجمع دفع الثمن

د. سعيد زيداني:

  • اعتماد الانتخابات السابقة مقياسٌ غير عادل بالنسبة للتجمع والحركة الإسلامية
  • جميع الأحزاب أخطأت عندما فوّضت لجنة الوفاق والتجمع هو من دفع الثمن
  • المشتركة على علّاتها أفضل الحلول، ومن الخطأ تفكيكها من أجل مقعد

بالنظرة من "اللا مكان" وفق تعبيره، عزى د. سعيد زيداني، الأزمة التي تعصف بعملية إعادة تشكيل القائمة المشتركة، إلى ثلاثة  أخطاء رئيسية ارتكبتها الأحزاب المكونة؛ الأول، خطأ إجرائي، يتمثل في إحالة تشكيل القائمة إلى لجنة خارجية هي لجنة الوفاق، وتنازلها بذلك عن اختصاص وحق للأحزاب، لا يجوز التنازل عنهما، والخطأ الثاني يتمثل في اعتماد نتائج الانتخابات الأخيرة معيارا رئيسا في توزيع المقاعد بين الأحزاب الأربعة، وهو معيار لا يأخذ بالحسبان أن الكثيرين من أنصار التجمع والإسلامية، أساسا، وخلافا لأنصار الجبهة، مثلا، كانوا من المقاطعين لتلك الانتخابات، بينما يكمن الخلل الثالث باعتماد الانطباعية في عملية ترتيب المقاعد حسب الأولوية، وبموجب هذا المعيار غير الموضوعي، فإن التجمع والعربية للتغيير هما الحزبان الأضعف وزنا، وبالتالي الأقل جذبا لأصوات الناخبين.

وفي تعريفه للقائمة المشتركة أوضح زيداني أنه بغض النظر عن التباين في مفهوم بين من يرى أنها وليدة اتفاق بين أربعة أحزاب رئيسة قررت خوض معركة الانتخابات في قائمة واحدة، وهي حسب هذا الفهم أو المفهوم، ملك للأحزاب التي ولدتها، وبين من يرى فيها ملكًا لفلسطينيي 48 عموما، فإن الهاجس في الحالتين واحد، وهو زيادة تمثيل وتبعا لذلك تأثير فلسطينيي 48 في البرلمان الإسرائيلي.

حول الدور والتأثير في الانتخابات والبرلمان الإسرائيلي، وتداعيات أزمة تشكيل المشتركة في هذه الميادين، كان هذا اللقاء مع د. سعيد زيداني:

عرب 48: دعنا نبدأ بالقضية العامة وهي الانتخابات الإسرائيلية "المعادة" ونستفيد من قراءتك للخارطة السياسية وتوازناتها في ظلّ المعطى الجديد المتمثل بعودة إيهود باراك؟
زيداني: من الواضح أن الساحة الانتخابية الإسرائيلية منقسمة إلى معسكرين، إذا أخذنا القوائم العربية بعين الاعتبار، قد يكونان متكافئين، ولكن لغرض تشكيل حكومة يبدو من الواضح لي على الأقل أن هذه الحكومة ستكون برئاسة بنيامين نتنياهو والليكود وحلفائه من اليمين القومي الديني، وإن لم تكن كذلك فإنها ستكون حكومة "وحدة وطنية" تجمع الليكود و"كاحول لافان" وربما أحزابًا أخرى، وفي كل الحالات فإن القوائم العربية لن يكون لها أثر في أي ائتلاف حكومي محتمل، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر عن طريق تشكيل كتلة مانعة من الخارج، وحتى لو رجحت كفة "كاحول لافان" باتجاه اليسار- الوسط بمقاعد القوائم العربية، فإن دورها سينتهي عند منع نتنياهو والليكود من تشكيل حكومة يمين، لأنهم لن يعتمدوا على أصوات النواب العرب في تشكيل الحكومة بل سيستخدمونها كرأس جسر لتشكيل حكومة وحدة مع الليكود.

عرب 48: هذا يعني أن شعار إسقاط نتنياهو سيقتصر في أحسن الأحوال على الشخص وهو ما يفسر ويترجم حملة المعسكر المناهض له والتي تتركز حول فساد حكمه؟
زيداني: أعتقد ذلك، فالحملة الانتخابية تتمحور حول هذه القضايا وغيرها من القضايا الإسرائيلية الداخلية، وتغيب عنها القضايا السياسية العامة وخاصة الاحتلال والقضية الفلسطينية، التي على ما يبدو هناك إجماع إسرائيلي حول ثوابتها، من هنا أرى أن العرب وقضاياهم خارج السياق الانتخابي الإسرائيلي، وليس فقظ خارج التشكيلات الحكومية المرتقبة، كما أن دخول باراك إلى الملعب الانتخابي وتحالفاته الثنائية المرتقبة مع حزب العمل، أو الثلاثية التي قد تشمل "ميرتس" أيضا؛ لن تُغير من المعادلة القائمة كثيرا لأنها ستقتطع من أصوات "كاحول لافان" وليس من قاعدة اليمين، وحتى لو رجحت كفة المعسكر المناهض لنتنياهو قليلا، فإن تأثير العرب سيكون بالطريقة السلبية، بطريقة نفي النفي، ولذلك من الخطأ بناء أوهام حول العودة إلى فترة الكتلة المانعة التي كانت في عهد حكومة رابين.

عرب 48: هناك من يعتقد أن رفع نسبة التصويت عند العرب سيزيد عدد أعضاء الكنيست العرب ويرجح بالتالي كفة معسكر اليسار - الوسط ويسقط اليمين؟
زيداني: بغض النظر عن أن النتيجة في أحسن الأحوال هي "حكومة وحدة وطنية"، ليس للعرب وحتى لليسار الصهيوني مثل "ميرتس" وربما حزب العمل فيها ناقة ولا جمل، فإن ارتفاع نسبة التصويت في الوسط اليهودي سيحيد نتائج ارتفاع نسبة التصويت عند العرب، وسيحول دون زيادة أعضاء الكنيست العرب والتأثير بالتالي على التوازن بين المعسكرين، كما يعتقد خطأ بعض السياسيين العرب الذين لا يأخذون بالحسبان حدة المنافسة النابعة من كون هذه الانتخابات مُعادَة، ناهيك عن أنها تجري بعد انتهاء جميع العطل الصيفية.

عرب 48: في ضوء أزمة تشكيل المشتركة وتعسر ولادتها مجددا، هل تبخرت أحلام ارتفاع نسبة التصويت عند العرب، بعد أن هبطت بشكل حاد في الانتخابات الماضية؟
زيداني: أنا أعتقد أن نسبة التصويت لن ترتفع عند العرب للأسباب التي ذكرتها، لكن ذلك لن يترك أثرا على التوازن بين المعسكرين المتنافسين، وحتى لو ارتفعت هذه النسبة المدفوعة بعقاب نتنياهو وإسقاطه، فإن جزءا كبيرا من الزيادة سيذهب للأحزاب الصهيونية، لأنه إذا كانت الرسالة التي تبثها هي إسقاط نتنياهو والليكود، فإن البعض على استعداد لالتقاطها، وعلى استعداد للتصويت للأحزاب الصهيونية، المحسوبة على المعسكر الآخر لتحقيق هذا الهدف.

عرب 48: كما هو معروف فإن استطلاعات الرأي الأخيرة تعطي 9 مقاعد للقائمة المشتركة، أي أقل مما حصلت عليه القائمتان العربيتان في الانتخابات الأخيرة، ماذا تقول حول ذلك؟
زيداني: السؤال هو عن أي قائمة مشتركة نتحدث؟ هذه الاستطلاعات تفترض قائمة مشتركة مشكلة من أربعة أحزاب، وهي تشير إلى المزاج العام في التوقيت الذي أجريت خلاله، وعند احتدام المنافسة تتغير المعادلات، كما أن تركيبة المشتركة بأربعة أحزاب أو ثلاثة أحزاب لها تأثير حاسم أيضا، في جذب أو عدم جذب المصوتين.

عرب 48: في إطار عملية إعادة تشكيل المشتركة يبرز صراع قوى يعكس الحالة الوطنية المنقسمة والحالة المحلية المرتبكة، كيف تقرأ هذا الموضوع؟
زيداني: كما هو معروف، إن هناك خيبة أمل كبيرة من القائمة المشتركة، ومحاولة بروفيسور أسعد غانم وغيره خوض الانتخابات بقائمة مستقلة هو انعكاس لهذه الحالة، التي عبّرت عن ذاتها في الانتخابات السابقة بالنزول بقائمتين منفصلتين، وإذا ما أفلحت الأحزاب في هذه الانتخابات بإعادة تشكيل المشتركة وتوحيد خطابها وتحقيق الحد الأدنى من الانسجام بين مركباتها؛ فقد تستطيع استعادة بعض من قواها، ولكن في جميع الأحوال لا أتوقع للقائمة المشتركة، حتى بأربعة أضلاعها حظًا أوفر في التمثيل من الانتخابات الأخيرة، بمعنى أن تتعدى العشرة مقاعد، إذ إن منسوب خيبة الأمل لدى الناس من القائمة المشتركة، التي تزيد الأزمة الأخيرة طينها بلة، هو في ارتفاع منذ أزمة (فضيحة) التناوب، التي بدأت قبل سنتين وهو ما يفسر ظهور مبادرات وأحزاب جديدة وازدياد نسبة التصويت للأحزاب الصهيونية.

عرب 48: التجمع يتحدث عن محاولات للاستحواذ والهيمنة على القائمة المشتركة وعلى القرار السياسي، ماذا يمكن القول حول ذلك؟
زيداني: قد يظهر ذلك في كون الجبهة التي ستحصل وفق التركيبة المقترحة من لجنة الوفاق على 5 مقاعد من أصل المقاعد الـ12 الأولى، مقابل 2 -2 - 3 للآخرين، وهو ما كشف أيضا عن وجود مشكلة تواجه إعادة تشكيل المشتركة، تتمثل في كيفية معادلة الحسابات على أنواعها، حسابات الأصوات التي حصل أو يمكن أن يحصل عليها كل حزب على حدة، إلى جانب كرامة وأهمية هذا الحزب ودوره ومكانته على الساحة السياسية بنظره ونظر الآخرين. أنا أعتقد أن غالبية الأحزاب تعاني من مشكلة في هذه المعادلة، وإن كان التجمع هو الوحيد الذي عبر عنها بصراحة ودون مواربة عبر التصريح بأنه لم يحصل على عدد المقاعد التي يستحقها، وأنا أعتقد أن وزنه ودوره وخطابه وما يمثله يجب أن يمثّل جزءًا من الحسابات عندما يتم تحديد عدد المقاعد التي يحصل عليها، كما أنه من الواضح أن الانتخابات السابقة التي جرى اعتمادها كمقياس للقوة الانتخابية ليست أفضل تعبير عن قوة الأحزاب المختلفة، ولا سيّما أن نسبة التصويت كانت متدنية وخفضت أساسا من تمثيل التجمع والحركة الإسلامية، لأن نسبة الامتناع الأكبر كانت بن جماهيريهما، في حين استنفذت الجبهة قوتها الانتخابية القصوى.

عرب 48: ولكن هناك من يصر على أن "يمسك التجمع من لسانه" عبر التشبث بكتاب التفويض الذي منحته الأحزاب، بحسن نية للجنة الوفاق، والتعامل معه وكأنه "كتاب مُقدّس"، والمفارقة أن هؤلاء هم نفسهم من حنثوا جميع الوعود والعهود، الخاصة بالتناوب في حينه، لأنها لم تلتق مع مصالحهم. هذا الوضع ليس أنه بات يهدد الفرصة الثانية لإعادة بناء المشتركة، بل إنه عمّق من خيبة الأمل وانفضاض الناس من حول الأحزاب العربية عموما، ألا ترى ذلك؟
زيداني: باعتقادي، إن الأحزاب أخطأت عندما منحت تفويضا للجنة الوفاق بتشكيل القائمة، وإن كان التجمع هو الذي دفع الثمن، ولكنني أعتقد أن المشتركة على علاتها هي إنجاز بنظر الكثيرين، وهي تتمتع بقوة جذب ناخبين أكثر من التحالفات الثنائية، وبما أن الخلاف يتمحور بين الجبهة والتجمع أساسا ويدور حول المقعد الـ12، فحريٌ بهما إيجاد معادلة تفي بالحد الأدنى من مطالب الطرفين، حتى لو جرى اللجوء، في أسوأ الحالات إلى مُحاصَصة ضمن ضوابط لا تعيدنا إلى أزمة التناوب السابقة، علما أنني أعتقد أن الآثار الانتخابية لتلك الأزمة قد ذهبت بالمقعد الـ12 إن لم يكن الـ11 أيضا ( الاستطلاعات تعطي 9 أعضاء للمشتركة) وجعلت الأزمة محلولة من تلقاء نفسها.


بروفيسور سعيد زيداني: أستاذ فلسفة في جامعة القدس.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية