العطارة في سوق الناصرة... مسيرة 130 عاما  

العطارة في سوق الناصرة... مسيرة 130 عاما  
أبو حاتم العطار بسوق الناصرة (تصوير "عرب 48")

يعود تاريخ العطارة في سوق الناصرة إلى ما قبل نحو 130 عاما حيث توارثته الأجيال أبا عن جد.

لم يكن يعلم بأنه أصبح عطّارا موهوبا إلا حين كان في زيارة إلى مصر قبل سنوات طويلة، حيث دخل إلى دكان العطار في خان الخليلي بالقاهرة، والذي تبلغ مساحته عشرة أضعاف محله الكائن في البلدة القديمة وسوق الناصرة، على حد تقديره.

قال أبو حاتم العطار، لـ"عرب 48": "أردت أن أشاهد هذا العالم الكبير، فعالمنا نحن صغير جدا مقارنة مع ما أرى هنا، رأيت العديد من الأشياء التي أعرفها، وأخرى لم يسبق لي أن شاهدتها من قبل. كنت أشرح لأفراد المجموعة التي ترافقني عن أنواع الأعشاب وقد أنصت العطار المصري العجوز بشغف لما أقول، ثم سألني 'من أين أنت أيها الشاب، ومن أين لك كل هذه المعلومات عن الأعشاب وأنت ما زلت صغير السن؟' فقلت له 'أنا من فلسطين' فصافحني وربّت على كتفي وقال إن 'هذا عالم واسع جدا واصل الخوض فيه فأنت شاب موهوب'. قلت له بأنني أعلم جيدا بأن هذا العالم واسع ومثير ويزداد اتساعا في الصين، وهي أكبر دولة وأكثرها تعاطيا بالأعشاب والزيوت والعطارة، فرد بالإيجاب معربا عن سعادته بلقائي".

العطار النابلسي

بهذه الكلمات اختار العطار، نجم محروم، المعروف بأبي حاتم العطّار أو "النابلسي"، من مدينة الناصرة، البالغ من العمر 63 عاما، أن يبدأ حديثه عن مهنته النادرة في بلادنا هذه الأيام، وهو ما زال يدير أقدم محل للعطارة في سوق الناصرة والبلدة القديمة، والذي ورثه عن والده وجده، والكائن في نفس المكان منذ 130 عاما، وما زاد من شهرته، كما قال، هو "باب الحارة" الذي كان أحد أبطاله أبو حاتم العطّار، وصاحب المقهى في المسلسل السوري المشهور.  

حاتم العطار

يعمل أبو حاتم العطار من خلال خبرته التي اكتسبها من والده، فهو لم يختر مهنة العطارة، وإنما فرضت عليه منذ نعومة أظفاره، فحين بلغ الثالثة عشرة من العمر استدعاه والده، الحاج أحمد الحج إسماعيل النابلسي، للعمل معه في المحل، لكنه مع مرور الوقت أحب مهنة العطارة، وكان ينصت لوالده وهو يتعامل مع الناس ويحاول تشخيص حالاتهم، كما كان يرافق والده إلى مدينة نابلس باستمرار للاستفادة من كبار السن ومن أصحاب الخبرة والأمانة، وليس من محبي المال! كما قال، فمهنة العطارة يدخل فيها الجانب العلاجي، وحياة الناس أمانة في عنق العطار وليس في جيبه!

خبرة ومهارة

وأوضح أبو حاتم العطّار لـ"عرب 48": "لم نكن نكتفي بما لدينا من خبرة ومن أعشاب وزيوت أثيرية، بل سعينا دائما من أجل كسب المزيد من العلم والمعرفة في موضوع الأعشاب الواسع والذي يصعب حصره، فتجد أحيانا ذات العشبة بألوان مختلفة، وعليك أن تجيد التمييز بين فوائد هذه وتلك، والفرق بين الواحدة والأخرى، وهذا ليس بالأمر السهل وإنما يحتاج إلى خبرة ومهارة".

علاج طبيعي

عندما يقصد الزبائن دكان العطارة التابع لأبي حاتم، فإنهم يتوجهون إليه تماما كتوجههم إلى الصيدلي أو ربما إلى الطبيب، فالبعض منهم يصلون إليه بعد أن سئم الأدوية الكيماوية التي حصل عليها من الطبيب وتراهم يتوجهون إلى البديل المتمثل بالعطارة والزيوت والأعشاب الطبيعية. من بين زبائن المحل من يطلبون وصفات معينة سمعوها من أناس عانوا من حالات مماثلة، ومنهم من يشرح لأبي حاتم عن سبب معاناته لعله يجد عنده الدواء الشافي.

وأكد أبو حاتم لـ"عرب 48" أنه يقوم باستجواب الزبائن عن هدفهم من العشبة أو المادة التي يطلبونها، وأنه يوجه إليهم الأسئلة ويحاول استيضاح سبب لجوئهم لهذا النوع من العلاج، وأشار إلى أنه "في معظم الأحيان أقوم بتلبية مطلبهم، ولكن في أحيان أخرى أنصحهم ببدائل أخرى أفضل وأكثر فاعلية بدافع خبرتي في هذا المجال، وأنا أرى من واجبي استجواب الزبائن حول صحتهم العامة وحول تاريخهم وماضيهم الطبي وما إذا كانوا يعانون من مشاكل صحية لملاءمة الوصفة الطبية لهم. وعلى سبيل المثال الزنجبيل مفيد ومطلوب بسبب فوائده الجمّة، لكنني أرفض إعطاء الزنجبيل إذا كان الشخص يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، وأنا لا أغامر بحياة الناس حتى لو كانت نسبة إحداث ضرر ما لا تتجاوز 1%". في مثل هذه الحالات يقدم أبو حاتم العطار البدائل، وهي كثيرة، منعا لإحداث ضرر أو أي عارض جانبي محتمل.

وردا على سؤال "عرب 48" حول الأمراض التي يستطيع أن يعالجها أو يخفف من معاناة الناس فيها، أجاب العطار: "الأعشاب التي أتعامل بها تساعد على خفض نسب الكولسترول والسكر وآلام المفاصل والالتهابات ونزلات البرد ولغاية مرض السرطان. ومن يعرف الكركم يعي تماما كم هو فعال في الوقاية وعلاج المرض الخبيث". إلى جانب العلاجات التي يحصل عليها الناس من دكان العطار، هنالك الوصفات المتعلقة بتنزيل الوزن (التنحيف) ونضارة الجلد والبشرة، التي تقدم مع نصائح حول كيفية استعمالها.

مخدر

وروى أبو حاتم العطار لـ"عرب 48" قصة قديمة لامرأة جاءت إليه حين كان يعمل مع والده في الدكان، وهي تحمل لائحة مشتريات من محل العطارة ويتذيل القائمة كلمة "أفيون"، فاقترب الحاج النابلسي من المرأة وسألها هل لديكم مريض بالسرطان في البيت؟ فردت بالإيجاب ومن أجل التخفيف من معاناته جاءت تطلب مخدر الأفيون، فقال لها إنه "لا أتعامل بالممنوعات"، لكنه وصف لها نبات "الخشخاش" كبديل للأفيون، فهو مسكن للأوجاع.

وأوضح أبو حاتم أن النساء في الماضي البعيد كنّ يغلين الخشخاش ويستخدمن السائل الناتج عن غليه من أجل نوم الأطفال وكنّ يقطرن 3 قطرات في فم الطفل ما يجعله ينام طويلا، وهي وصفة لا ينصح بها أبو حاتم لأنها تعتبر مخدرا! كما أثنى أبو حاتم العطار على نبات القنب باعتبار أن له فوائد كثيرة، مشيرا إلى الجدل الدائر حول استعماله في الطب، والخوف من تسربه إلى السوق السوداء، لكنه نصح الناس بالعودة إلى الأعشاب، وقال إن "فوائدها كثيرة وأضرارها تكاد تكون معدومة، وهي أفضل البدائل للأدوية الكيميائية التي بمعظمها تحمل أعراضا جانبية سلبية".

الصين ونابلس

يعرف أبو حاتم أن في الصين أكبر وأهم سوق للأعشاب، ويروي أن ابنه حاتم الذي كان في رحلة عمل إلى الولايات المتحدة، شعر بالتعب والإرهاق والتزم الفراش، فاتصل به يسأله عما يمكن فعله، فسأله أبو حاتم "هل يوجد في الجوار سوق من الصين"؟ فقال له ابنه إن سوق الصين لا يبتعد عنه مسافة طويلة، فنصحه أبو حاتم بالتوجه إلى هناك وأن يشرح لأحد الباعة الصينيين سبب وجعه، وبالفعل حصل على نبات جعله ينهض في اليوم التالي كما لو أنه لم يكن يشعر بالإعياء مطلقا.

وعن سؤالنا حول ما الذي يمنعه من استيراد الأعشاب من سوق الصين، قال أبو حاتم: "يا ليتنا نستطيع أن نستورد كل أنواع الأعشاب من الصين، فالسلطات الإسرائيلية هنا تخشى من استيراد الأعشاب وتفرض شروطا تعجيزية على استيرادها. نستورد بعض الأعشاب المسموح استيرادها، لكن السلطات تفرض حظرا على معظم أنواع الأعشاب، لذلك فإننا نرى سوق نابلس الأقرب إلينا، ومنه نستقدم معظم أنواع الأعشاب. ومدينة نابلس هي الأصل بالنسبة لنا ليس فقط لأن جذورنا نابلسية، بل لأن أقاربنا وكبار السن ممن يمتهنون العطارة يوافونا بكل ما هو جديد في السوق، ونستفيد من خبرتهم ومن نصائحهم".

جعدة وكركم وميرمية وزنجبيل

يبلغ حاتم محروم، نجل العطار أبو حاتم (32 عاما) وهو متخصص في علم الأعشاب والزيوت الأثيرية، وقال إن والده اكتسب خبرته من تجارب الآخرين، في حين أنه اكتسب خبرته من خلال تعلم الموضوع، وهو يقوم بإعداد خلطات من الأعشاب والزيوت الأثيرية على أنواعها.

وفي الختام، سألنا الابن حاتم عن وصفات تزيد من نشاط وحيوية الجسم، فذكر بذور الحرمل، والسينمكة، والميرمية، والزنجبيل على أنواعه، والجعدة، والكركم.. واصفا الأعشاب بأنها عالم واسع.

وذكر من بين الزيوت، زيت السمسم وزيت الزعرور لصحة القلب، وخلاصة زيت اللوز المرّ للشعر والبشرة، فضلا عن زيت القمح لعلاج ما يعرف بالثعلبة، وزيت الكافور للاستعمال الخارجي وزيت الكزبرة والبنفسج التي عادة ما يتم خلطها مع أكثر من 120 نوعا من الأعشاب تباع في دكان العطاّر.  

ورأى حاتم محروم إنه بصدد الإعلان عن إنشاء موقع إلكتروني لبيع مختلف أنواع الأعشاب فضلا عن الحصول على رخصة لتعبئة وتصدير الزعتر إلى مختلف أنحاء العالم.