جرائم قتل النساء: فقدان السيطرة ولزوم التحرك السريع

جرائم قتل النساء: فقدان السيطرة ولزوم التحرك السريع
مظاهرة تنديد بجرائم قتل النساء (أرشيفية)

بلغ عدد النساء ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي 11 امرأة منذ مطلع العام الجاري ولغاية اليوم، والقاسم المشترك بين هذه الجرائم أنها نُفذت من قبل الزوج أو أحد أقارب الضحية.

تسلط العاملة الاجتماعية، أماني ياسين، من الناصرة في هذه المقابلة الضوء على قضية العنف ضد النساء، والخطر الذي ينذر بأن المرأة المعنّفة قد تصبح ضحية جريمة قتل.

وقالت أماني ياسين لـ"عرب 48"، إنها في إطار عملها كعاملة اجتماعية وسط العائلات في ملجأ للنساء ضحايا العنف، الكائن في منطقة حيفا تعمل على علاج الأولاد الذين يصلون مع أمهاتهم المعنّفات إلى الملجأ، "عندما تصل الأم مع أطفالها إلى الملجأ ألتقي بدوري بالعائلة بعد أحداث عنف وقعت داخل العائلة، واستمع إليهم، أشخص حالتهم وأبدأ معهم في برامج علاجية من شأنها أن تعيد إليهم الثقة بأنفسهم التي ربما فقدوها إلى حد معين نتيجة انكشافهم على أحداث عنف داخل البيت".

"عرب 48": ما هو تعريف العنف الأسري وأنواعه؟

ياسين: العنف هو سلوك عدائي أو هجومي من قبل شخص قوي على شخص أضعف منه، وبشكل عام لو نظرنا إلى ميزان القوّة نجد أن الرجل هو الطرف الأقوى، والعنف ظاهرة لا تقتصر على المجتمع العربي الذكوري، بل هي ظاهرة عابرة للمجتمعات وعابرة للأزمان والأديان والمستويات الاقتصادية، فمظاهر العنف موجودة في كل زمان ومكان ووسط كل الفئات، لكن ما يميز مجتمعنا العربي أنه ذكوري وتعلو فيه سلطة الرجل على سلطة المرأة، ورغم النقلة النوعية التي حققتها المرأة العربية بخروجها إلى العمل والاستقلالية الاقتصادية التي تحظى بها بعض النساء إلا أن الكثير من النساء العاملات والمتعلمات والمثقفات لا زلن في دائرة العنف الأسري.

"عرب 48": ما هي أهم الأسباب والدوافع لحدوث العنف الأسري؟

ياسين: الأسباب عديدة ومتنوعة ربما أبرزها الجوانب المادية والاقتصادية التي عادة ما يتحكم بها الرجل فهو الذي يمنح وهو الذي يمنع عن الزوجة، ويصوّر نفسه كأنه منبع الحياة بالنسبة للمرأة، وتجيء العادات والتقاليد لتعزز من مكانته هذه حتى وإن كانت الزوجة أكثر منه علما وفهما. تنضاف إلى ذلك نظرة المجتمع للمرأة المطلقة الأمر الذي يعيدنا إلى العصور الوسطى أحيانا وتصوير المرأة على أنها عاجزة عن تدبّر شؤونها، وهذه الفكرة النمطية كثيرا ما تجعل المرأة تتحمل العنف والإهانة وتؤثر على عملية اتخاذ القرار لدى المرأة التي تبحث عن الأمان وتسعى إلى وضع حد لمعاناتها داخل بيت زوجها. وهناك أسباب وأشكال أخرى للعنف غير العنف الجسدي المتمثل بضرب المرأة، فهناك العنف الجنسي الذي يتم بالقوة وبشكل عدائي دون طلب من الزوجة أو مراعاة ظروفها ورغباتها، وفي تعريفنا المهني فإننا نسميه اغتصابا. وهناك العنف النفسي، إهانة المرأة وإذلالها وهذا ينعكس سلبا على نفسية المرأة وعلى مشاعرها وقد يترك جرحا أكثر عمقا من الجروح والندوب الجسدية التي قد تتعرض لها الزوجة.

العاملة الاجتماعية أماني ياسين

"عرب 48": هل يستقبل الملجأ كل امرأة تخرج من بيتها مع أولادها؟

ياسين: أولا، أود أن أنوه هنا بأنه ليس كل من يصلن إلى الملجأ هن نساء متزوجات، بل يستقبل الملجأ أيضا فتيات غير متزوجات يعانين من ظلم وعنف الأب أو الأخ أو أحد الأقارب، سواء بالاعتداء عليهن بالضرب أو باحتجازهن أو حجز حريتهن في التحرك والخروج من البيت واستعمال الهاتف، وحين تشعر الفتاة أنها في خطر قد تترك البيت وتلجأ إلى الملجأ. أما بالنسبة للزوجة فهناك إجراءات معينة ومحددة في بنود لإخراج المرأة من بيتها إلى الملجأ. هذه الإجراءات تبدأ بتقديم شكوى في الشرطة، التي تقوم بفحص مدى خطورة عودة المرأة إلى بيتها، أو مكتب الشؤون الاجتماعية الذي بدوره يحوّل ملف المرأة إلى مهنيين لديهم استمارة معينة تم إعدادها من قبل خبراء في العمل الاجتماعي، وبالتعاون مع الشرطة تفحص هذه الاستمارة درجة الخطورة الموجودة بها الزوجة، وعندها يتقرر إدخالها إلى الملجأ حين يتضح أن عودة المرأة إلى البيت يعرضها لخطر حقيقي.

"عرب 48": أكثر من 10 نساء يقتلن كل عام نتيجة العنف الأسري، هل هناك مؤشرات أو دلائل تسبق قتل المرأة وكيف يمكن حمايتها؟

ياسين: نحن نصغي باستمرار لردود فعل المرأة ومدى شعورها بالأمان أو بالخطر، هل لديها رغبة في العودة إلى البيت أم أنه لديها تخوفات؟ وطبعا هناك علامات ومؤشرات نراها حسب موازيننا المهنية، بالإضافة إلى دور الشرطة وهي مقصرة في معظم الأحيان في فحص سلوك الزوج وما إذا كان مهتما في البحث عن مكان الملجأ وما إذا كان يسعى للانتقام من الزوجة، أو أنه غير مكترث بخروجها من البيت؟! بالإضافة إلى فحص خلفية الشخص والماضي الجنائي المتعلق به، إذا كان من أصحاب السوابق الجنائية ومعروفا لدى الشرطة ومسجّلا بأنه خطر؟ كل هذه مؤشرات تجعلنا قادرين على تحديد مدى الخطورة لحدوث جريمة قتل.

"عرب 48": كيف ينعكس العنف الأسري على الأولاد؟

ياسين: في بعض الأحيان يكون الأولاد هم أيضا ضحايا عنف الأب فقد يكون اعتدى عليهم أيضا إذا ما حالوا بينه وبين أمهم لمنعه من الاعتداء عليها، وهذا بالطبع يؤثر على الأولاد من النواحي العاطفية والسلوكية ويحدث لديهم اضطرابات نفسية، وقد يتحول سلوكهم إلى هجومي، عدائي تجاه الآخرين. ونحن دائما نقول بأن الولد العنيف هو ولد معنّف في الوقت ذاته، كما أننا نؤمن بأنه لا يوجد رجل عنيف بطبعه فالسلوك العنيف هو شيء مكتسب وغير مولود (تطبع وليس طبيعة)!

"عرب 48": هل من السهل على المرأة الخروج من البيت إلى الملجأ؟

ياسين: بالطبع لا، هناك كوابح عديدة تستخدمها المرأة قبل أن تخرج من البيت إلى الملجأ أو إلى المستشفى أو إلى الشرطة. هناك حاجز العائلة الذي يحاول دائما أن يحتوي الخلافات الأسرية ويمنع تسربها إلى خارج إطار البيت والعائلة، من خلال إيجاد صيغة تفاهم واعتذار الزوج عن فعله العنيف وتعبيره عن الندم. أما المرأة فتخرج من البيت فقط عندما تعود دائرة العنف على نفسها مرة بعد مرة وتتكرر الاعتداءات عليها بحيث لا تعود تحتمل البقاء داخل البيت أو حين تشعر بوجود خطر حقيقي على حياتها. وخروج المرأة من بيتها مع أولادها إلى ملجأ (إطار علاجي) لمدة ستة أشهر أو سنة ليس سهلا على الإطلاق. هذه مرحلة انتقالية في غاية الصعوبة يبتعد فيها الأولاد عن مدارسهم وعن الأصدقاء وعن الأب، وعن كل الأطر الداعمة لهم، ويتغير محيطهم بالكامل، الأمر الذي يضطرهم للتأقلم مع واقع جديد ومختلف كليا، وهذا ثمن يدفعه الأطفال نتيجة العنف الأسري.

"عرب 48": هل تنقطع علاقة الأولاد مع والدهم خلال وجودهم في الملجأ؟

ياسين: لا... بالطبع نحن نرفض الجفاء بين الأب وأولاده، فالملجأ يوفر الحماية والعلاج للزوجة والأولاد، وبالمقابل إذا كان الوالد مهتما بمعرفة مصير زوجته وأولاده فإنه يلجأ إلى مكتب الشؤون الاجتماعية (وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد في البلاد سوى مركز واحد لتأهيل الرجال العنيفين) ويتابع الموضوع مع الزوج وعندما يكون مهيأ لاستقبال مكالمة من أولاده فان هذه المكالمة تجيء بمبادرة إدارة الملجأ، وبإشراف العاملة الاجتماعية التي تتابع علاج الأولاد، بحيث أن مضمون المكالمة لا يتعلق بحالة الأم ومعلومات عنها، بل مجرد تواصل طبيعي بين الأب وأولاده للاطمئنان عليهم.

"عرب 48": كيف تفسرين أن معظم جرائم القتل التي وقعت ضحيتها نساء كن قد قدمن شكاوى في الشرطة؟

ياسين: هذه إشكالية معقدة فعلا، فالشرطة في معظم الأحيان تنفي وتنكر أن الزوجة تقدمت بشكوى في الحادث الأخير الذي سبق جريمة القتل، وبالتالي الأمر يتعلق بما سبق جريمة القتل وبهوية الأشخاص المهنيين الذين لم يتعاملوا بجدية مع الحالة. وتوفير الحماية للمرأة وهي خارج إطار الملجأ هو أمر صعب للغاية. أضف إلى ذلك أن النساء اللواتي قتلن على أيدي أزواجهن كان للزوج خلفية نفسية وهو عادة شخص مضطرب ورد فعله غير متوقع. وفي حالات أخرى وهي الأكثر خطورة فعلا عندما تكون الزوجة من عائلة إجرامية وتكون المرأة محدّدة كهدف للقتل من قبل العائلة.

"عرب 48": المعطيات تشير إلى زيادة في جرائم العنف ضد النساء..

ياسين: في الواقع، العنف في المجتمع العربي في تزايد بين كل الفئات وليس فقط ضد المرأة. ليس لدينا معطيات تتعلق بنسبة النساء ضحايا العنف اللواتي يخرجن عن إطار العائلة ويتوجهن إلى الملجأ أو إلى الشرطة أو الشؤون الاجتماعية. ونحن نعرف أن هناك نساء معنّفات غير معروفات لنا، وهذا مؤكد، والمعطى المؤكد أيضا أن العنف بالمجتمع العربي اليوم يزداد ويتفاقم إلى حد لم يعد بالإمكان السيطرة عليه دون تحرك عاجل وبذل كل الجهود بين كل المؤسسات الفاعلة على الساحة.


من هي أماني ياسين؟

ياسين: أبلغ 35 عاما، عاملة اجتماعية من سكان الحي الشرقي في مدينة الناصرة، عملت في مكتب الخدمة الاجتماعية في حيفا لمدة 4 سنوات بعد حصولي على شهادة عاملة اجتماعية ثم مأمورة قضائية في إطار حماية الأولاد القاصرين.

أعمل اليوم في جمعية "زهور الغد" في حي بئر الأمير بمدينة الناصرة، في إطار حضانة "متعددة الأهداف" تضم روضات أطفال، بالإضافة إلى أطر علاجية بضمنها ملجأ تأهيلي في مدينة أم الفحم، وملجأ للفتيات في ضائقة الكائن (بمكان غير معلوم للعامة) في محيط منطقة الناصرة، وتفعّل الجمعية مشروعا تحت عنوان "من الخطر إلى الأمل"، ويقدم المشروع علاجات تتعلق بتطور الطفل في الكلام (اللغة) والحركة للأطفال حتى جيل 3 سنوات، بالتعاون مع مكتب الخدمات الاجتماعية ومركز تطور الطفل في المستشفى الفرنسي بالناصرة. كما أعمل في إطار الروضة متعددة الأهداف في بناء برامج علاجية للأهل والأطفال منها علاجات عاطفية ومرافقة نفسية مع الطبيب النفسي، محمود محاميد، وعلاجات أخرى عن طريق اللعب والفنون حسب احتياجات الأطفال، إلى جانب الإرشاد والتوجيه للأهل.