71 عاما على النكبة: الحملات الصهيونية الأخيرة لكسب الحرب [26 - 1]

71 عاما على النكبة: الحملات الصهيونية الأخيرة لكسب الحرب [26 - 1]
صورة توضيحية

التحضيرات لحملة "يوآڤ" ١٩٤٨ ضد الجيش المصري والوضع قبل نشوب المعارك

من جملة اقتراحات الوسيط الدولي، الكونت برنادوت، (كما ذكر في الحلقة السابقة)، أن يصبح النقب جزءا من الدولة العربية، أما الجليل فيصبح جزءا من الدولة اليهودية. كان هذان الاقتراحان بعكس ما نص عليه قرار التقسيم، الذي أعطى النقب لليهود وأغلب الجليل للعرب. حسب هذه المقترحات رأت القيادة الصهيونية أن "من حقها" ان تحتل الجليل بأكمله، بدون التنازل عن النقب، لأنه "من حقها" حسب قرار التقسيم منذ عام ١٩٤٧.

كان الجيش المصري، الذي يسيطر على أجزاء واسعة من النقب، هو العقبة الأكبر، بل الوحيدة (إذا اعتبرنا المتطوعين من حركة الإخوان المسلمين والسودان والسعوديين، جزءا يتجزأ من هذا الجيش)، أمام الهدف الصهيوني في احتلال النقب وجنوبي فلسطين، وفِي المقابل، كانت إسرائيل شبه متأكدة من أن تنفيذ أي هجوم كبير على الجيش المصري، لن يؤدي بالجيوش العربية الأخرى إلى أن تهب لنجدته أو، على الأقل، إلى تخفيف الضغط عنه، بواسطة تنفيذ أو حتى افتعال معارك كبيرة كانت أم صغيرة في مناطق أخرى. فلا الجيش الأردني، وهو الأقرب إلى جبهة الجيش المصري، ولا نظيره العراقي، معنيان بمواصلة الحرب، حيث أنهما أصبحا يسيطران معا على مساحة كبيرة من فلسطين، في حين تنقصهما الذخيرة الكافية من أجل خوض معارك شرسة ضد الجيش الصهيوني الذي أصبح كبيرا ومنظما، خلال فترات الهدنة، ولذلك صارا يؤمنان بأن أي معارك جديدة من الممكن لها أن تؤدي بهما إلى هزائم فادحة، حيث لم يستطع هذان الجيشان، ان ينتصرا انتصارا ساحقا على عصابات "الهاغاناه"، عندما كانت هذه العصابات أضعف بكثير مما هي عليه الآن، أي منتصف تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، وذلك بعد خمسة أشهر من المعارك والتحضيرات الحثيثة خلال الهدنة الأولى والثانية، من أجل تغيير موازين القوى، ولذلك فلن يكون بمقدور أي منهما مواجهة جيش صهيوني كبير، مدجج بالأسلحة التي جمعها خلال هذه الأشهر.

أما الجيش السوري فهو بعيد في الشمال الفلسطيني، ورغم صموده في معارك تموز/ يوليو ١٩٤٨، فهو يعرف أنه ليس بقدرته أن يواجه وحيدا هجوما صهيونيا ضخما، ولذلك فهو سيفضل الحياد في أي معركة مقبلة غير موجهة له مباشرة. وكذلك الأمر بالنسبة لجيش الإنقاذ الموجود بوضع حرج جدا، في جبهة واسعة لا تتلاءم مع ضعف أعداده وإعداده وعتاده.

هكذا، اعتقد الصهاينة وبحقّ، أن باستطاعتهم توجيه ضربة قوية ضد الجيش المصري الموجود في فلسطين، تمكنهم من القضاء عليه، أو قل طرده من الأراضي التي يسيطر عليها ، أو، على الأقل، تمكنهم هذه الضربة العسكرية من فتح الطريق إلى مستعمرات النقب التي يحاصرها الجيش المصري، ويمنع تواصلها الجغرافي مع باقي المستعمرات الصهيونية.

طوال فترة الهدنة الثانية تم التحضير الصهيوني لمعركة كبيرة فاصلة مع الجيش المصري، تنهي حالة اللا سلم واللا حرب التي اعتبرتها القيادة الصهيونية غير محتملة، وكما أوضح بن غوريون لوزراء حكومته في ٢٦ أيلول/ سبتمبر ١٩٤٨ قائلا: "هدنة طويلة من الممكن أن تكسرنا". أما قيادة الجيش الصهيوني فكانت تدفع باتجاه الحرب، بسبب معرفتها بأن الجيش المصري المسيطر على جبهة واسعة جدا، سيكون في وضع حرج إذا نفذ ضده هجوم واسع. وكذلك الأمر من الناحية السياسية حيث لن تجد الدولة المصرية من يساعدها أمام المؤسسات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، في وقف الهجوم سريعا، أو إعادة ما سيسيطر عليه الكيان الصهيوني من جرّاء هذا الهجوم. 

أوضاع الجيش المصري قبل بدء المعارك

كما أشرنا في الحلقة ١٩/٤، التي تتناول معارك الجيش المصري قبل الهدنة الأولى، أن مصر الرسمية لم تكن راغبة في دخول الحرب ضد الحركة الصهيونية في فلسطين، ولكن تحت تأثير الضغط الشعبي قررت أن تدخل الحرب في اللحظة الأخيرة، مما أدى إلى مفاجأة وحدات الجيش بهذا القرار، حيث كانت قيادته تعتقد أن السياسيين المصريين حريصون على عدم توريط الجيش بمعارك خلف الحدود، خاصة أنه ليس لقيادة الجيش المصري أية معلومات دقيقة وواضحة عن حجم وتسليح وتدريب القوات الصهيونية.

هذه المفاجأة أدت إلى عدم وضوح الرؤيا العسكرية، وانعدام الخطط المرسومة من أجل الانتصار في المعارك، ولَم يعرف أحد ما هو الهدف الذي يجب على الجيش المصري أن يحققه في النهاية، ورغم ذلك فقد اندفع الجيش تنفيذا للأوامر التي تلقاها من القيادة السياسية، وحاول أن يسيطر على المساحة الأوسع من أراضي فلسطين التي كان عليه أن يمنع احتلالها من قبل الصهاينة.

لكن هذا الجيش اكتشف أن لا قيادة سياسية توجهه موجودة على الأرض، بل أن ليس هناك قيادة واحدة من أجل السيطرة على القوات في الميدان، حيث أن هناك قيادة في عمان للجيوش العربية على رأسها اللواء سعد الدين صبور، وتأتمر بأوامر الملك عبد الله بن الحسين ملك الاْردن، وهذه القيادة كانت بدون تأثير على الجيش المصري ما عدا أمر بدء العمليات في أيار/ مايو ١٩٤٨؛ وهناك قائد أعلى للجيش المصري في القاهرة، وهو الملك فاروق وحوله حاشيته، وكان هذا الملك مشغولا عن أمور الحرب بأمور سياسية وشخصية وغرامية لا تمت للحرب بصلة؛ ووزير حربية في القاهرة، وهو الفريق محمد حيدر وهيئة أركان حرب القوات المصرية، وهذه القيادة كانت بعيدة كل البعد عن مجرى الأحداث، وفقط أصدرت أوامرها على الورق والخرائط بدون أن تدري ما يحدث في أرض المعركة؛ والقائد العام للقوات المصرية في الميدان، وهو اللواء المواوي وبعد تنحيته حل محله اللواء صادق، والقيادة الميدانية التي تعاونه؛ وقائد قوات المتطوعين القائمقام احمد عبد العزيز وبعد استشهاده حل مكانه القائمقام عبد الجواد طباله، ومعهم مجموعة من الضباط، وهذه القيادة لم تأتمر فعليا بأوامر القيادة العامة في الميدان، وتعطلت صلاتها بالقيادة وقت نشوب المعارك؛ وقائد قوات خط شمال النقب العميد السيد طه قائد الكتيبة السادسة، (كان جمال عبد الناصر هو أركان حرب هذه الكتيبة) المتمركزة في عراق المنشية، وقيادتها العامة في الفالوجة، وهذه القوات أيضا كانت تعمل بشكل منفرد، وتعطلت صلاتها بالقيادة وقت نشوب المعارك. 

خلال المعارك، قبل الهدنة الأولى، حقق الجيش المصري نجاحات عديدة مثل تقدمه حتى أسدود، ووصوله إلى بيت لحم والخليل، واحتلاله مستعمرة "يد مردخاي" و"نيتسانيم". في المقابل كان قد تعرض لهزائم نكراء في محاولاته لاحتلال المستعمرات: "نيريم" و"كفار داروم" و"باروت يتسحاك" و"نچبة". خلال معارك الأيام العشرة بين الهدنتين استطاع الجيش المصري أن يصمد أمام الهجمات الصهيونية، ويمنع فتح الطريق إلى مستعمرات النقب التي حاصرها، رغم أنه تعرض لخسائر فادحة في الأرواح والمعدات، مما تسبب بإخراج وحدات كاملة منه خارج الخدمة.

كان السبب الأكبر في صمود الجيش المصري في معارك الأيام العشرة، هو براعة جنوده وضباطه، في الأساس، في وضع خطط دفاعية محكمة، خلال فترة الهدنة الأولى، وكذلك الأمر في أيام الهدنة الثانية، حيث عمد الجيش المصري إلى تحصين مواقعه، والتخندق بشكل منظم في كل المواقع التي كان يسيطر عليها. كانت كل خطط الجيش المصري هي دفاعية بحتة لدرء أي هجوم صهيوني عليه. وكانت القيادة المصرية تعتبر الفشل في الدفاع هزيمة نكراء، وعار على الضباط والجنود الذين فشلوا في الصمود أمام الهجمات الصهيونية، أما الفشل الهجومي أو الانسحاب خلال هجوم على موقع صهيوني، فلم يعتبر عارا بل إنه نابع من قرار عسكري، يؤخذ حسب مجريات الأمور في أرض المعركة.

من الجدير ذكره هنا، أن معنويات الجنود المصريين، خلال وبعد الهدنة الثانية، كانت عالية، حيث لم يتعرض هذا الجيش حتى الآن لهزيمة نكراء، وكان الجندي المصري على أهبة الاستعداد لبذل الغالي والرخيص من أجل الدفاع عن مواقعه التي يسيطر عليها، وكان لدى ضباطه الأمل في قدرة الجيش المصري على الصمود في وجه هجوم كبير من قبل القوات الصهيونية، إذا تم وضع خطة دفاعية ملائمة، ولهذا أعيد انتشار الجيش في الجبهة على هذا الأساس، وجرى تعديل وترتيب للقوات المصرية في الجبهة.

إعادة الانتشار المصري في الجبهة عشية حملة "يوآڤ"

كان طول الجبهة التي يسيطر عليها الجيش المصري حوالي ٣٠٠ كيلومتر، مما توجب أن يقوم هذا الجيش بإعادة انتشار وترتيب لها بحيث يتمكن من صد أي هجوم قوي قد تشنه القوات الصهيونية عليه. كانت التحركات الصهيونية الحثيثة في النقب بواسطة تنفيذ عدة هجمات واحتلالات ومحاولات من أجل جس نبض الجيش المصري، تؤكد على نية الجيش الصهيوني في تنفيذ حملة كبيرة ضده. نتيجة لذلك اتخذت قيادة القوات المصرية في النصف الأول من تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، التدابير الآتية: تقسيم الجبهة إلى مناطق وقطاعات وتخصيص قوات خاصة لكل منطقة للدفاع عنها. توزيع قوات الاحتياط والجيش المرابط على القوات العاملة، بحيث أضيفت سرية أو اثنتان لكل كتيبة عاملة. تعزيز مدافع الماكينة العاملة في الدفاع، برشاشات متوسطة من نوع "فيكرز"، بحيث أصبح مجموع الرشاشات في كل كتيبة مدفعية ٧٢ مدفعا رشاشا بدل ٤٨، أي زيادة ٥٠ بالمئة.

أما المناطق الجديدة للجبهة فكانت على النحو التالي:

١. منطقة أسدود: وتضم رئاسة اللواء الثاني، والكتيبة الرابعة مشاة، والكتيبة السابعة مشاة، والكتيبة الخامسة بنادق عدا سرية واحدة منها، وسرية سودانية وسرية احتياط، وفصيلة من البطارية السادسة عيار ١٨ رطلا، وفصيلة من البطارية الأولى ميدان عيار ٢٥ رطلا، والبطارية الأولى المضادة للدبابات عيار ٦ أرطال، وفصيلة خفيفة مضادة للطائرات من البطارية الثالثة، وفصيلة مدرعة اقتحام؛ 

٢. منطقة المجدل - بيت جبرين: وهذه منطقة ذات أهمية كبيرة جدا، حيث تفصل المستعمرات الصهيونية الجنوبية عن الشمالية، ولذلك وضعت فيها أربع كتائب على خمسة قطاعات: قطاع المجدل وضم سريتين سودانيتين وسريتين سعوديتين وسريتين من القوات الاحتياطية، و ١٣ جماعة مدفع ماكينة، وجماعة ٢ رطل مضادة للدبابات، وجماعة ٦ رطل ضد الدبابات؛

قطاع تقاطع الطرق الحليقات - مركز بوليس عراق سويدان وضم أربع سرايا من الكتيبة التاسعة مشاة، وست جماعات وفصيلة مدافع ماكينة،  وجماعتي ٦ رطل مضاد للدبابات، وجماعتي هاون ٣ إنش، وفصيلة ٢ رطل مضادة للدبابات؛

قطاع بيت عفا - قرية عراق سويدان - جنوب كراتيا وضم خمس سرايا من الكتيبة الثانية مشاة، وفصيلين من الكتيبة التاسعة، وسرية متطوعين، وأربع جماعات هاون ٣ إنش، وفصيلة مدافع ماكينة، وفصيلة ٦ رطل مضاد للدبابات، وفصيلة ٢ رطل مضاد للدبابات؛

قطاع الفالوجة وضم الكتيبة الأولى مشاة ما عدا فصيلة، وفصيلة من الكتيبة الأولى مشاة، وفصيلة سيارات مدرعة، وأربع جماعات مدافع ماكينة، وفصيلة ١٨ رطل مدفعية ميدان، وسريتان من القوات الاحتياطية؛

قطاع عراق المنشية - بيت جبرين وضم سريتين من الكتيبة السادسة مشاة، وسرية سودانية، وأربع فصائل من الكتيبة التاسعة احتياط، وجماعتين وفصيلة مدافع ماكينة، وجماعتي هاون ٣ إنش، وجماعة ٦ رطل مضاد للدبابات، وفصيلة هاون ٢ و ٤ إنش؛

٣. منطقة بيت جبرين - بيت لحم: اتسمت هذه المنطقة بأنها ضمت قوات متطوعة فقط، وانقسمت إلى قطاعين، الأول من بيت جبرين إلى الولجة، وضم هذا القطاع ٢١٠٠ من المتطوعين الفلسطينيين المسلحين بالبنادق من أنواع مختلفة، وعشرات الرشاشات من نوع "ستن"، وبضع الرشاشات من نوع "فيكرز" و"لافييت"، و ٨ مدافع هاون من عيار ٢ و ٣ رطل، و ٣ مدافع عيار ٣ رطل.

القطاع الثاني وهو جنوب مدينة القدس وضم حوالي ٦٥٠ متطوعا من فلسطين وليبيا ومصر والسودان، ٣٢ مدفعا رشاشا من نوع "ستن" و"فيكرز"، وبضع مدافع الهاون عيار ٢ و ٣ إنش، وبنادق مضادة للطائرات والدبابات؛

٤. منطقة الخليل - العوجة: وانقسمت إلى قطاعين، قطاع الخليل إلى الظاهرية، وهو منطقة جبلية وعرة، ولا تصلح لسير المركبات. في هذه المنطقة تواجد ما يقارب المئتي ضابط وجندي فقط، وفصيلة تموين، وفصيلة نقل، مع مدفع هاون واحد، ورشاشي برن فقط، ومئات البنادق المختلفة. القطاع الثاني هو قطاع بئر السبع إلى العوجة، ويخترق هذا القطاع الطريق الوحيدة التي تستخدم في تموين القوات المصرية من الحدود حتى القوات الشمالية. ضم هذا القطاع ألف جندي وضابط، نصفهم من المتطوعين، و خمسة مدافع هاون عيار ٣ إنش، وعشرة مدافع هاون ٦٠ مم، وتسعة مدافع عيار ٦ رطل، و ٣٥ مدفع رشاش من نوع "فيكرز" و"ستن"، و ٢٤ بندقية مضادة للدبابات؛

٥. منطقة غزة: وشملت هذه المنطقة رأس السكة الحديد، وخطوط المواصلات، وضمت القوات التالية: الكتيبة الثالثة مشاة، وسرية من الكتيبة الثامنة احتياط، وخمس جماعات مدافع ماكينة، و ثلاث سرايا سعودية، وخمس مدرعات سعودية، ومجموعة مدفعية ٦ رطل مضادة للدبابات، وفصيلة مضادة للدبابات، والبطارية الأولى مدفعية ٦ إنش، والبطارية الثانية ٢ رطل مضادة للدبابات، والمهندسون ووحدات التموين والصيانة وغيرها؛

٦. منطقة رفح والعريش: وكان قسم كبير منها داخل الحدود المصرية وانقسمت إلى قطاعين، قطاع رفح وضم الكتيبة السادسة احتياط، وقسم من الكتيبة الحادية عشرة احتياط، والكتيبة الثانية سيارات حدود، وسرايا نقل وتموين وبريد حربي، ومجموعة من البطارية ٣ إنش دفاع جوي. أما قطاع العريش فضم الكتيبة الخامسة احتياط، وبطاريتي دفاع جوي، وأقسام مخازن ومستشفى حربي وصيانة وغيرها.

كان هذا الوصف شبه الدقيق لتوزيع القوات المصرية، ليس إلا لإظهار مدى صعوبة المناطق التي دافعت عنها، مقابل الضعف في الإمكانيات البشرية والتسليحية.

التحضيرات الصهيونية لتجديد المعارك

في معارك الأيام العشرة بين الهدنتين، تركزت الجهود الصهيونية على احتلال مدينتي اللد والرملة في حملة "داني"، واحتلال الجليل الأدنى ومدينة الناصرة في حملة "ديكل". في الجبهة الجنوبية كان الهدف الأساسي هو الصمود أمام الجيش المصري، ثم تحول هذا الهدف في نهاية المعارك إلى محاولة من أجل فتح الطريق إلى مستعمرات النقب الـ14 المحاصرة، ولكن الهدنة الثانية سبقت هذا الأمر وفشلت المهمة.

كانت الهدنة الثانية التي ابتدأت في ١٩ تموز/ يوليو ١٩٤٨، غير محددة زمنيا ولذلك كان من الممكن لها أن تتحول إلى حلّ دائم، ولذلك أعلن بن غوريون، منذ الأسبوع الأول من الهدنة، أن إسرائيل لا يمكن لها أن تقبل بعدم تجديد المعارك في مرحلة ما، لأنه أراد للنقب أن يكون بأكمله جزءا من الكيان الصهيوني.

كانت الأمم المتحدة ستجتمع في شهر أيلول/ سبتمبر ١٩٤٨، من أجل مناقشة اقتراحات الوسيط الدولي الكونت برنادوت، وكان لهذا النقاش أن يستمر حتى شهر تشرين ثانٍ/ نوفمبر ١٩٤٨. لذلك أراد بن غوريون استغلال هذا الوقت من أجل التحضيرات للحرب، بل أراد أن يحدث الهجوم قبل انتهاء المداولات في مجلس الأمن، وذلك من أجل تغيير الأمر الواقع، والعودة إلى حدود قرار التقسيم ١٩٤٧، حيث أن النقب حسب هذا القرار هو جزء من الدولة الصهيونية. وكان قد كتب في مذكراته في ١٢ آب/ أغسطس ١٩٤٨، أن هناك تقرير سري من أواخر تموز/ يوليو، يفيد بأن الذخيرة المصرية آخذه في النفاذ، وأن آخر شحنة تسلموها كانت قبل شهرين، وأنها ذخيرة قصيرة المدى للأغراض الدفاعية فقط. هذا التقرير وغيره أدى ببن غوريون وأركان حربه إلى قرع طبول الحرب، واستكمال التحضيرات الصهيونية من أجل استئناف المعارك، قبل أن تنقلب الآية ويحصل الجيش المصري على الذخائر المطلوبة الصمود في وجه القوات الصهيونية في حالة تجدد المعارك.

في الحلقة السابقة، (الحلقة ٢٥) والتي تناولت أحداث الهدنة الثانية، ذكرنا حملة "أفاك" والتي تم خلالها تزويد مستعمرات النقب، عن طريق الجو، بما تحتاجه من المؤن والغذاء، ونقلت خلال هذه الحملة إمدادات عسكرية كبيرة إلى الجنوب، وكذلك تم نقل لواء "يفتاح" جوا ليحل مكان لواء "هنيچف" الذي نقل بدوره إلى الشمال من أجل الراحة.

كذلك ذكرنا مجموعة الهجمات الصهيونية على مواقع الجيش المصري، بريا في عدة مواقع وجويا بشكل مكثف، خاصة بعد بداية أيلول/ سبتمبر ١٩٤٨. وفِي بداية تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، ذكرنا بإسهاب معارك خربة المحجز، والتي انتهت باحتلال مواقع هامة ومرتفعات توفر للجيش الصهيوني أفضلية معينة في المعارك القادمة.

كل هذا بالإضافة إلى كل التجهيزات العسكرية والتزود الصهيوني بكافة أنواع الأسلحة خلال فترة الهدنة الثانية. وكذلك بناء الجبهات العسكرية منها جبهة الجنوب في مواجهة الجيش المصري، والتي ابتدأت قيادة أركانها بالاجتماع منذ ٢٥ آب/ أغسطس ١٩٤٨، وكان قائد هذه الجبهة هو يغئال ألون الذي قاد حملة "داني" واحتل منطقة اللد والرملة في معارك الأيام العشرة بين الهدنتين، وقبلها قام بقيادة حملة "يفتاح" واحتل مدينة صفد في شهر أيار/ مايو ١٩٤٨. وكان يغئال ألون هذا، يهتم في كل منطقة يحتلها بطرد السكان العرب منها عنوة، بدون أن يصدر أوامر واضحة بهذا الشأن، ولكن جنوده كانوا يعرفون ما عليهم فعله.

اهتم ألون بالعمل على أربعة محاور وهي: تكوين قيادة جبهة الجنوب؛ تنظيم قوات الجنوب وتسليحها بحيث تصبح ذات أفضلية هجومية؛ الاهتمام بالمعارك خلال الهدنة بحيث تكون في خدمة الهدف الهجومي ضد القوات المصرية؛ والتحضير للمعركة الحاسمة ووضع الخطة الهجومية التي تضمن له النصر على الجيش المصري.

الخطة الصهيونية لحملة "يوآڤ"

كان الهدف المعلن للحملة العسكرية المخططة، والتي سميت فيما بعد بحملة "يوآڤ"، هو القضاء على وجود الجيش المصري في فلسطين، بواسطة توجيه ضربة قوية ومركزة، تعتمد المفاجأة وسرعة الحركة، تخدمها مخابرات عسكرية محترفة تستطيع تزويدها بالمعلومات المطلوبة في الوقت المناسب. وكانت الفكرة الأساسية من الضربة المحكمة تفكيك المثلث العسكري المصري المحيط بالنقب، حيث كان ضلعه الأول هو الضلع الموازي للبحر الأبيض المتوسط، الممتد من رفح إلى أسدود مرورا بغزة والمجدل، وكانت مسؤولة عنه مجموعة الجيش الرئيسية بقيادة اللواء محمد المواوي باشا، والذي تم عزله وتولية اللواء أحمد صادق باشا مكانه، في منتصف تشرين أول/ أكتوبر، وهذا الضلع ضم المناطق العسكرية التالية: منطقة أسدود ومنطقة غزة ومنطقة رفح – العريش؛

أما الضلع الثاني فقد كان تحت إشراف قوات المتطوعين، من العوجة إلى الخليل مرورا ببئر عسلوج وبئر السبع، وكان قائد هذه القوات هو القائمقام أحمد عبد العزيز الذي استشهد برصاصة من جندي مصري بطريق الخطأ. وكانت خطوط مواصلات هذا الضلع تجاوزت الثمانين كيلومترا، ولذلك كان يواجه خطرا حقيقيا أمام أي هجوم صهيوني، وكونت هذا الضلع المنطقتان: منطقة الخليل - العوجة ومنطقة بيت جبرين - بيت لحم؛

الضلع الثالث للقوات المصرية هو خط شمال النقب ويمتد من بيت جبرين، وعلى تماس مع قوات المتطوعين، على طريق عرضي بامتداد وسط النقب مرورا بالفالوجة إلى قرب المجدل، على تماس مع القوات المصرية المركزية، وكانت تدافع عن هذا الضلع خمس كتائب معظمها من المشاة، في ما يسمى حسب التقسيمة العسكرية المصرية آنذاك منطقة المجدل - بيت جبرين، وكان هذا الخط في مواجهة مباشرة مع مستعمرات شمال النقب، وقائده هو القائمقام السيد طه، قائد الكتيبة السادسة.

كانت خطة الهجوم الصهيونية تقضي بإزاحة الضلع الشمالي للمثلث المصري بواسطة القضاء على القوات المتمركزة في الفالوجة، وتحقيق ذلك بواسطة هجوم كبير على القوات المصرية المركزية الواقعة في ضلع المثلث الغربي، ومن ثم تطويق قوات الفالوجة من الخلف والقضاء عليها. بعدها تنزل القوات الصهيونية جنوبا، وتهاجم مجموعة الجيش المركزية من الشرق، وتحصرها في موقع بين غزة والحدود المصرية، ولأن البحر خلفها فلن يكون لها، أي القوات المصرية، أي أمل في التخلص من القبضة الصهيونية.

خصصت قيادة الجيش الصهيوني أربعة ألوية من أجل تنفيذ هذه الحملة، وهي "چڤعاتي" و"شموني" (اللواء الثامن)، و"يفتاح"، و"هنيچڤ" (لواء النقب)، وبعدها أضيفت إليها قوات من لواء "تيشاع" (اللواء التاسع). في المرحلة الأولى كان الهدف الصهيوني هو اختراق الخطوط المصرية الأمامية بين رفح وأسدود (الضلع الغربي)، وكذلك اختراق الضلع الشمالي بين المجدل وبيت جبرين، وبذلك يتم فتح الطريق إلى النقب، ومن ثم احتلال الفالوجة وعراق المنشية. في المرحلة الثانية تتم القوات الصهيونية احتلال المجدل، وفِي المرحلة الثالثة تقوم باحتلال غزة، وبذلك تهيئ الظروف للقضاء على القوات المصرية المركزية، وتصبح مهمة القضاء على قوات المتطوعين (الضلع الشرقي) سهلة وسلسة إلى أبعد الحدود.

في المرحلة الأولى، وهي الأهم، تقوم الكتيبة الثالثة من "چڤعاتي" بإحداث اختراق بين عراق المنشية وبيت جبرين، وتقوم الكتيبتان الأولى والثالثة للواء "يفتاح" بإحداث اختراق بالقرب من بيت حنون، بينما تقوم الكتيبة الأولى من لواء "چڤعاتي" باحتلال الهضبة ١١٣، والمخافر الأخرى المطلة على نقطة تقاطع الطرق عند المجدل- الخليل-جولس-غزة، وتقوم الكتيبة الثانية من "چڤعاتي" باحتلال المرتفعات المطلة على شارع المجدل - أسدود وتتمركز عليها، وتقوم الكتيبة السابعة من لواء "هنيچڤ" والكتيبة الثانية من لواء "شموني" باحتلال المرتفعات المطلة على طريق مواصلات الجيش المصري، وتقوم الكتيبة الخامسة من "چڤعاتي" والكتيبة الثامنة من "هنيچڤ" بصد أي قوات مصرية قادمة من جهة كرتيا، واحتلال الفالوجة وعراق سويدان بواسطة الكتيبتين السابعة "هنيچڤ" والكتيبة الثانية "شموني" بعد فتح الطريق إلى النقب، والسيطرة على طرق مواصلات الجيش المصري، وتقوم الكتيبة التاسعة "هنيچڤ" بتدمير خط السكة الحديد والشوارع بين غزة والعريش، وتقوم القوات الجوية بقصف شديد لمواقع الجيش المصري، وعلى الأخص مطار العريش.

أما الجدول الزمني فيكون على النحو التالي: في الليلة الأولى للهجوم، ينفذ قصف جوي للقوات المصرية، وتنفذ هجمات برية على الضلع الغربي للجيش المصري بين رفح وغزة، ويتم عزل خط عراق المنشية - بيت جبرين عن طريق اختراق في منطقة خربة الراعي، وعزل خط المجدل غزة بإحداث اختراق عند بيت حنون. في اليوم التالي تتحول القوات المعتدية إلى الدفاع من أجل المحافظة على إنجازاتها في الليلة الأولى. في الليلة الثانية للهجوم يتم عزل خط المجدل - الفالوجة بواسطة احتلال الهضبة ١١٣ والهضبة ١٠٠ ومخافر تقاطع الطرق، وعزل خط المجدل - أسدود بواسطة احتلال المرتفعات الواقعة شرق قرية حمامة. في اليوم الثاني للحملة تقوم القوات الصهيونية بالقضاء على القوة المصرية المتمركزة بين تقاطع الطرق وخربة الراعي بواسطة هجوم من الشرق أو الغرب، وذلك حسب نتائج الحملة الأولية.

يتبع ...


المصادر:

١. "بيني موريس"، ١٩٤٨- تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛
٢. محمد حسنين هيكل، جيوش وعروش- الجزء الثاني؛
٣. "أبراهام ألون"، لواء "چڤعاتي" في مواجهة الغازي المصري؛
٤. د. رفعت سيّد أحمد، وثائق حرب فلسطين- الملفات السرية للجنرالات العرب؛
٥. "نتانائيل لورخ"، سيرة حرب "الاستقلال"؛
٦. إبراهيم شكيب، حرب فلسطين ١٩٤٨- رؤية مصرية؛
٧. "داڤيد طال"، حسم عسكري في ظل مشاجرة سياسية، كتاب: حرب "الاستقلال" ١٩٤٨-١٩٤٩ نقاش مجدد، تحرير "ألون كديش"؛
٨. "داڤيد بن غوريون"، يوميات الحرب ١٩٤٧-١٩٤٩.