كيف نتعامل مع طفل فقد والده في جريمة قتل؟

كيف نتعامل مع طفل فقد والده في جريمة قتل؟
وقفة احتجاج ضد جرائم القتل بأم الفحم، الأسبوع الماضي

لا أشد قسوة من مشهد طفل يودّع والده ويلقي النظرة الأخيرة عليه وهو راقد في نعشه بعدما سقط ضحية جريمة قتل.

مساء اليوم التالي لجريمة قتل اقتُرفت في مدينة الطيبة، لم يستطع الطفل محمد ياسين (4 أعوام) الخلود إلى النوم، مطالبا بما اعتاد عليه كل ليلة، أن ينام في حضن والده الذي قُتل في جريمة إطلاق نار. وقفت والدته في حيرة من أمرها، عجزت عن الإجابة والتصرف معًا. كيف تواسيه، ماذا تقول له، وكيف تجعله يخلد إلى النوم دون والده فجأة؟

أيتام...

مئات الأطفال في المجتمع العربي مروا بما مر به الطفل محمد ياسين، ووفق المعطيات من مركز "أمان لمكافحة العنف" في البلاد، فإن 70% من ضحايا جرائم القتل، هم آباء لأولاد وأطفال صغار، وفي بعض الحالات أمهات.

كيف نتعامل مع أطفالنا في هذا الواقع المرير، كيف نوجههم نحو المسار الصحيح؟

في محاولة لفهم هذه الأزمة والخروج منها، بعد تقرير نشرناه في "عرب 48" بعنوان " قصة فاطمة: قتلوا الوالد وسرقوا أحلام طفلته" حاورنا المختصة في علم النفس والمدربة بالعلاج السلوكي الذهني والمحاضرة بالكلية الأكاديمية "أونو"، آيات أبو خيط.

"عرب 48": تنشر صور أطفال قُتل آباؤهم بين الفينة والأخرى في مجتمعنا. نتعاطف بشدة مع الأطفال. ما هو أصعب ما يواجه الطفل الذي فقد والده؟

أبو خيط: جرائم القتل هو من أصعب الضغوطات التي على الطفل مواجهتها حسب الأبحاث في مجال الصحة النفسية على مدار السنين، والتي أثبتت أن القتل يُعد أصعب حتى مقارنة بالموت الطبيعي أو الطلاق، ذلك لأنه من الصعب على الطفل استيعاب أن شخصا بالغا من المفترض أن يحميه قام بقتل شخص آخر يحبه. يجب التنويه هنا أن لعامل جيل الطفل الدور الكبير حيث أن الطفل ابن العامين يستوعب التغييرات بشكل مختلف عن الطفل في جيل 10 أعوام. 

"عرب 48": كيف يتفاعل الطفل مع هذه الجرائم؟

أبو خيط: هناك اختلاف كبير بين الأطفال في ردود فعلهم. ردة فعل البعض ممكن أن تكون عبارة عن حزن شديد وبكاء مستمر بلا توقف تقريبا، تعلق شديد بالأهل، أو بالوالد المتبقي على قيد الحياة، أو الشخص المربي. كذلك ممكن أن نلاحظ الحزن الشديد والخوف من بقاء الطفل لوحده. بالمقابل هناك ردود فعل مثل الغضب الشديد والعدوانية، حتى أنه من الممكن أن يمر الطفل بحالة من التعاطف مع القاتل، المقصود بذلك محاولته "الدخول لنعليه" عن طريق العنف وممكن لردة الفعل هذه أن تؤدي لزيادة الرغبة بالانتقام وغيرها من مظاهر العنف. هناك أطفال مع ردود فعل أخرى مثل اللامبالاة وكأنهم ليسوا جزءا من الصورة الجديدة، حالة فصل. التنوع كبير لدرجة أنه هناك أطفال ممكن أن تكون ردة فعلهم الضحك. من المهم التنويه أن كل ردة فعل من المذكورة أعلاه أو غيرها هي طبيعية. كذلك من المهم أن نحاول التمييز ماذا يساعد كل طفل على مواجهة الأمر، لأن البعض قد يساعده الحديث في الموضوع، لكن البعض الأخر قد يرفضون الحديث. البعض يساعدهم العزف، أو ممارسة الرياضة، ولكن الأهم مساعدة الطفل بالطريقة المنسابة له.

"عرب 48": كيف يؤثر على طفل مشهد والده المتوفي؟

أبو خيط: هناك عدة عوامل مؤثرة في هذه المسألة. هل الوالد المغدور مع علامات ظاهرة على جسده، وجهه والمناطق المكشوفة؟ هل هناك تغير بالشكل أو أنه لا توجد علامات إطلاقا؟ إذا كانت هناك علامات فليس من المحبذ السماح للطفل بالدخول لرؤية والده المتوفي، إذا لم يطلب هو ذلك، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار سنه. والأفضل ألا يرى الطفل والده ضحية جريمة قتل، كي يحتفظ في ذهنه بالصورة التي عهد والده عليها. إذا أصر الطفل على رؤية والده حينها يجب طرح السؤال لماذا الإصرار، ما أهمية هذا اللقاء لك؟ من واجبنا أن ننصحه بالاحتفاظ بصورة والده الطبيعية الأخيرة في مخيلته. إذا أصر أن يرى والده يجب أن نهيئه لما سیرى، أن نشرح مثلا (طبعا حسب الجيل)، أنك ستراه شاحبا قليلا وينام كأي شخص نائم. يجب ألا نترك الطفل وحده خلال ذلك وتتوجب مشاركته بتوديع الوالد، مثلاً ملاطفة الوجه وتمرير الرسالة الأخيرة له، أو الدعاء. كل ما عرض هنا ليس قاعده ثابتة وهو متعلق بعمر الطفل وحالة الجثة بشكل أساسي.

"عرب 48": كيف ننقل الخبر للطفل وماذا علينا القول له؟

أبو خيط: يتوجب أن نفسر للطفل وهو في عمر 3 ولغاية 5 أعوام بأننا نواجه حدثا حزينا جدا جدا وأن الوالد قد توفي. التفسير له أن حدثا لم يكن متوقعا ولم يكن من المفترض أن يحدث وأننا حزينون جدا. في حال حاول الاستفسار كيف أو ماذا حصل؟ ممنوع استخدام الكلمات والتعابير المخيفة مثل شخص مجرم قام بقتله، كي لا نزرع الخوف لدى الطفل من أن يؤذوه أو يؤذوا شخصا آخر عزيزا عليه عمدا. إذا كان الطفل في عمر صغير جدا ممكن الاستعانة بالاستعارة لشرح معنى الموت في حال سؤاله، ممكن عن طريق برنامج تلفزيوني كرتوني للأطفال مثل "موت والد سيمبا ملك الغابة". لاحقا شرح الموضوع أكثر يتعلق بمعتقداتنا وإيماننا. الأولاد في أجيال أكبر متمكنون من القراءة والكتابة وتواصلهم مع العالم مفتوح أكثر لذا من الصعب عدم توصيل الصورة بشكل كامل لهم. مع هذا من المهم عدم التطرق إلى أن القتلة مجرمين أو أشرار والتنويه أن الشرطة تحقق بالأمر وليس لدينا معلومات دقيقة حاليا.

"عرب 48": هل من الممكن أن تتأثر العلاقة بين الطفل والعائلة أو المجتمع إثر جريمة قتل؟

أبو خيط: الأمر مؤثر دائما، لكن درجة التأثير تتعلق بنوع الجريمة. جريمة قتل داخل العائلة بين أفرادها تضر بشكل كبير جدا وتمس معتقدات الطفل الأساسية تجاه نفسه وتجاه العالم ومستقبله. الأمر متعلق أيضا بردة فعل الوالد الذي بقي على قيد الحياة وردة فعل العائلة وبدرجة اهتمامهم بما يمر الطفل فيه. مثلاً سؤاله عن شعوره وبما يمر به. من المهم أن نعطي الطفل الإحساس بالدعم والاهتمام.

"عرب 48": هل يختلف التأثير حسب عُمر الطفل؟

أبو خيط: طبعا... مثلاً في جيل سنتين تقريبا ليس لدى الطفل إمكانية استيعاب الأمر بشكل كامل، هو يرى ويحس بما يحيط به، وما يتبقى لديه من الحادثة هو الإحساس بشكل خاص. الطفل يشعر بأن كل من حوله بحالة حزن، ويستوعب أن هناك أمرا سيئا جدا قد حدث، ولكنه لا يستطيع ترجمة الأمر وإحساسه لكلمات. لذلك التأثير السلبي للجريمة على الطفل يكون أكبر كلما كان أصغر بالعمر. شريحة جيل 3 - 12 عاما صعبة من ناحية قدرة الطفل على استيعاب وترتيب المعلومة وإدارتها. طبعا، ولد عمره 5 أعوام يتأثر أكثر من ولد عمره 12 عاما. فكما نوهت سابقاً الطفل في جيل صغير يفهم أن أمرا صعبا جدا قد أصاب العائلة، ولكنه يفتقر للمهارات الكافية للتعامل مع الأمر مقارنة بولد أكبر سنا، ذلك بأن الطفل ابن 12 عاما يستطيع التعبير عن نفسه أفضل من ناحية كلامية ويستطيع طرح الأسئلة المناسبة التي تساعده على الفهم، إضافة لكونه يستطيع فهم معنى مصطلح موت.

آيات أبو خيط

"عرب 48": ما هو تأثير إخفاء خبر موت الوالد عن الطفل؟

أبو خيط: الأمر خطير جدا. التأثير سلبي ومن الممكن أن يضر جدا بثقة الطفل بمحيطه. مثلاً، هناك عائلات تختار أن تعطي معلومات خاطئة عن أسباب اختفاء الأب للطفل الصغير. إضافة للضرر الكبير لثقة الطفل بالغير، لأنه في مرحلة معينة سيسمع الطفل المعلومة الحقيقية من المحيط، من طفل معه بالحضانة أو الروضة أو أي شخص آخر. من ناحية نفسية من المفضل قول الحقيقة مهما كانت صعبة مع الكثير من الدعم والاحتواء وتمرير الرسالة للطفل بأننا سنكون بجانبه وسنجتاز المرحلة الصعبة سوية. من الممكن أيضا تمرير الصورة أو المعلومة للطفل على مراحل إذا استوجب الأمر، مثلا في المرحلة الأولى إخباره بأن الأب نقل إلى المستشفى وأنه بحالة صعبة وبعد عدة ساعات تمرير باقي الصورة على مراحل. كلتا الطريقتين لأخبار الطفل بموت والده مقبولة، سواء بشكل مباشر أو تدريجي، والأمر يتعلق بعدة عوامل منها شخصية وعمر الطفل، والشخص البالغ الذي سيقوم بإخباره والوضع في محيط الطفل.

"عرب 48":هل هناك فرق بالتأثير بين الذكور والإناث؟

أبو خيط: للبنات توجد رخصة اجتماعية أكبر للتعبير عن مشاعرهن مقارنة بالأولاد، لذلك يجب التوجه للطرفين بشكل متساو بالمطالبة بالتعبير عن مشاعرهم والاستعانة بمختصين مهنيين.

"عرب 48": كيف يمكن التعامل مع الأطفال بعد الجريمة؟

أبو خيط: من الضروري مساعدة الأطفال وتشجيعهم بالتعبير عما يمروا به. طبعا الأمر يتعلق بعدة عوامل من أهمها الجيل، مثلا كتابة رسالة أو رسمة للأب. من المهم أن نمنحهم الإحساس بالدفء والحنان. إذا كانت الأم في هذه الأثناء لا تستطيع القيام بذلك، ليس هناك ما يمنع أن تقوم الخالة، العمة أو الجدة بذلك. من المهم أيضا مساعدة الطفل بممارسة الفعاليات اليومية التي اعتاد عليها سابقا كالرياضة مثلا. هناك عائلات تؤمن بتوزيع المساعدات للفقراء لذكرى فقيدهم، من الضروري مشاركة الطفل بذلك. ومن المهم شرح الأمر للطفل بأن الوالد سيكون فخورا جدا بنا لمساعدتنا للفقراء، وبأنه مدعو للمشاركة بالفعالية إذا أراد ذلك.

"عرب 48": كيف يمكن التعامل مع مشاعر الكراهية في حال نتجت بعد الجريمة لدى الطفل؟

أبو خيط: يتوجب علينا إعطاء مصداقية لهذه المشاعر، ولكن توضيحها، مثلا القول إنه أمر طبيعي أن تكره من تسبب لنا بهذه الحالة وأنا أيضا أكرهه، لكن ليس الجميع مثل هذا الشخص، يوجد أيضا أناس طيبون وغير مؤذين ويحبون الخير. من المهم منح مصداقية لشعور الكره بهذه الحالة ومحاولة منع تعميمه. حتى لو ظهرت مشاعر كره بشكل عام من قبل الطفل بعد الحادثة علينا التفهم بأنها جزء من المراحل النفسية التي يمر بها الطفل بالأشهر التي تلي فترة الحداد. طبعا كل نوع من المشاعر السلبية يستمر لفترة طويلة يستدعي التدخل لمساعدة الطفل بما في ذلك توجيهه للعلاج المناسب.

"عرب 48": ما هي التبعات الاجتماعية المترتبة على جريمة قتل والد طفل؟

أبو خيط: كل حدث صادم بإمكانه التأثير على معتقدات الطفل الأساسية، الأمر الذي يؤثر بدوره على سلوكه وتصرفاته ولاحقاً على علاقاته. مثلا: انتمائه لجماعات إجرامية أو تطويره لشخصية مرضية للجميع (يحاول إرضاء الجميع حتى على حساب راحته الشخصية) أو شخصية شكاكة. لذلك هناك دور كبير للصورة التي تصل الطفل عن طريقة تعاملنا كبالغين مع الجريمة. مهم جداً مثلاً أن نلجأ لأعمال الخير وعدم التدخل بمعالجة القضية وترك الأمر للقضاء.