71 عاما على النكبة: الحملات الصهيونية الأخيرة لكسب الحرب (26 – 3)

71 عاما على النكبة: الحملات الصهيونية الأخيرة لكسب الحرب (26 – 3)
تهجير عراق المنشية (الأرشيف الإسرائيلي)

الحلقة الثالثة من الحملة الأولى: معارك  الحليقات وفتح الطريق إلى مستعمرات النقب


كما تقدم في الحلقة السابقة، كان موقع تبة الخيش ومفرق الطرق حصينا ومنظم الدفاعات، وليس من السهولة بمكان اختراقه، ورغم ذلك لم يصمد في المعركة بسبب عدم وجود قيادة محلية مسؤولة عن هذا القطاع، حيث أن قيادة الجيش المصري في هذه المنطقة كانت في المجدل، أما قائد الكتيبة المسيطرة على التلال المشرفة على المفرق، فقد كان في إجازة، وخلال المعركة استشهد نائبه، فوقع الارتباك في القوات المصرية المتواجدة عند المفرق، وجرت انسحابات بشكل غير منظم، وبدون أوامر تقضي بذلك.

ورغم حيوية هذه المنطقة للجيش المصري، إلا أن قيادته لم تضع بعين اعتباراتها أن تسترجع السيطرة على المفرق بكل الوسائل، بل استكفت بهجمات مضادة محدودة. أما في الجانب الصهيوني فكانت المعنويات منخفضة رغم احتلال التلال المحاذية للمفرق، واعتقد كثيرون من الضباط في مركز قيادة حملة "يوآڤ"، أن فتح الطريق إلى النقب أصبح أمرا شبه مستحيل، لأن ذلك يجب أن يتم عن طريق معركة دامية في كوكبة والحليقات، اللتين يتحصن فيهما الجيش المصري بشكل جيد، ولذلك يجب إيجاد طريق ترابية تفي بالغرض، وبعيدة عن طرق سير الجيش المصري. أما يغئال ألون، قائد الحملة، فقد أراد هجوما مباشرا على القوات المصرية هناك، أي في كوكبة والحليقات، وإلا تعرضت الحملة إلى فشل ذريع، حيث أن الأمم المتحدة كانت مجتمعة، من أجل إصدار قرار لمصلحة وقف إطلاق النار، ولذلك يجب العمل بسرعة على تحقيق هدف الحملة الرئيسي في فتح الطريق إلى النقب.

من ناحيته اعتقد دافيد بن غوريون، رئيس الوزراء ووزير الدفاع، أن يغئال ألون ربما لا يصلح لحملة كبيرة بحجم حملة "يوآڤ"، ورغم ذلك وافق على أن يضيف إلى القوات العاملة في النقب، لواء "عوديد" (اللواء التاسع)، المتواجد في الشمال، بسبب أنه شعر بالأمان من إمكانية شن هجوم من قبل الجيوش العربية خارج النقب لنصرة الجيش المصري.

استطاع يغئال ألون أن يقنع ضباط الحملة بضرورة الهجوم المباشر على المخافر المصرية في كوكبة والحليقات، ومن لم يقتنع كان عليه أن ينفذ القرار بشأن ذلك، وإلا فعليه أن يلقي العقاب. كانت أوامر صارمة لا لبس فيها، بل إن الأوامر التي صدرت بتنفيذ العملية، قضت بتنفيذ الهجوم تحت أي طارئ، ولا يجب أن تكون أي مبررات من شأنها أن تؤخر أو تمنع المعركة على كوكبة والحليقات.

يصف يتسحاك رابين، ضابط عمليات الحملة، النقاش الذي دار بين "يغئال يادين، ضابط عمليات قيادة الجيش من جهة، وبين يغئال ألون من جهة أخرى، حيث أن يادين كان يريد الاستمرار في خطة الحملة الأولى، وهي أن تقوم قوة من "چڤعاتي" و"يفتاح" بمحاولة لفتح الطريق إلى النقب، أما الكتيبة الثانية "چڤعاتي" فتقوم باحتلال عراق المنشية. في النهاية حسم النقاش وتقرر أن تتغير الخطة الأصلية إلى هجوم على كوكبة والحليقات، كما أراد ألون.

انسحاب مصري من المجدل تحت غطاء غبار المعركة

صار المصريون بعد ثلاثة أيّام من المعارك في وضع حرج للغاية، إذ أن القوات الصهيونية استطاعت أن تحتل كل المخافر المحاذية لمفرق الطرق الذي يربط بين المجدل في الغرب، وبيت جبرين في الشرق، وعراق سويدان بينهما، ويربط بين جولس شمالا وكوكبة والحليقات جنوبا، وفِي الوقت نفسه استطاعت قوة من لواء "يفتاح" أن تحدث اختراقا في الخطوط المصرية شمال وشرق بيت حنون، وتدق إسفينا من شأنه أن يشكل نقطة انطلاق للقوات الصهيونية للهجوم على المجدل وغزة، أو بالأحرى أصبح وضع القوات المصرية الموجودة في المجدل وشمالا في خطر شديد، ولذلك قررت القيادة العسكرية المصرية، تنفيذ انسحاب كامل لأكثر من خمسة آلاف جندي مصري من المجدل إلى غزة جنوبا.

مرت القافلة المصرية المنسحبة الأولى عند الساعة ٠٨:٠٠ صباحا من يوم ١٧ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، وعندما اقتربت من القوات الصهيونية فتحت عليها نيران المدفعية والمدافع الرشاشة، ولكن القوات المصرية نجحت بأغلبها في العبور، بعد أن أطلقت بدورها قذائف مدفعيتها على القوة الصهيونية من لواء "يفتاح"، المرابطة هناك للمحافظة على الإسفين وتوسيعه. ولما لم تستطع القوة الصهيونية منع الانسحاب المصري، قامت في ليلة ١٧-١٨ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، باحتلال تبة رقم ٨١.٣ القريبة من الطريق الرئيسي بين المجدل وغزة. حاول المصريون بكل قوتهم أن يستردوا التلة مرة أخرى، ولكن جميع محاولاتهم فشلت رغم الضغط الكبير الذي مارسوه على القوة الصهيونية، ولكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار في انسحابهم طوال يوم ١٨ تشرين أول/ أكتوبر، إذ أن احتلال التلة لم يحقق الهدف المنشود منه، وهو إغلاق الشارع نهائيا.

اشتدت قوة نيران المدفعية المصرية ضد قوات "يفتاح"، وبعد الظهر قامت القوات المصرية بقصف قيادة القوة الصهيونية المختبئة في بستان بجانب التبة رقم ٦٣.٥، وتم كشفها عن طريق الطيران المصري الذي قام بعدة طلعات استكشافية طوال اليوم، وقام بقصف قوات الإسفين الصهيونية فيما بعد. استمر ضغط الجيش المصري على القوة الصهيونية طوال اليوم والأيام القادمة، ولكنه لم ينجح باقتلاعها من مكانها، بل على العكس تماما إذ أن القوة الصهيونية صمدت، ومن ثم تقدمت فاحتلت تبة رقم ٧٠ الواقعة على بعد ٦٠٠ م من الشارع الرئيسي، ومن ثم التبة رقم ٥٧ الواقعة بمحاذاة الشارع، ثم بتاريخ ٢٠ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، احتلت بيت حانون الواقعة غربي الشارع، وبذلك سدت الطريق تماما في وجه الجيش المصري المنسحب.

لكن هذه الإنجازات الصهيونية لم تستطع أن تمنع حركة الجيش المصري، لأن قوات الهندسة المصرية أوجدت حلًا يمكن الجيش من الاستمرار في انسحابه، حيث قام المهندسون المصريين بإيجاد طريق على شاطئ البحر تماما، أقاموها مستعملين الشبكات الحديدية وجذوع الأشجار، مما مكن القوات المصرية المتمركزة شمال بيت حانون في دير سنيد والمجدل وأسدود من الانسحاب، تحت غطاء كثيف من القصف المدفعي الشديد، والغارات الجوية المصرية على قوات "يفتاح" الصهيونية. اعتبر الكثيرون من الصهاينة أن منع الانسحاب المصري كان فشلا لهم في حملة "يوآڤ"، فقد أرادوا محاصرة المصريين، ثم القضاء عليهم، كما حاولوا في الأشهر القادمة مع الوحدات المصرية المحاصرة في الفلاوجة.

احتلال كوكبة وبيت تيما وفشل صهيوني في الحليقات

كما تقدم، قرر ألون قائد حملة "يوآڤ" أن الهدف الأساسي هو احتلال الحليقات، ولتحقيق ذلك اقتضت الخطة مهاجمة كوكبة الواقعة شمال الحليقات واحتلالها، ومهاجمة الحليقات من الجنوب، لمفاجأة القوات المصرية المتمركزة هناك. أوكلت مهمة احتلال كوكبة للكتيبة الرابعة من "چڤعاتي"، أما احتلال الحليقات فأوكلت لكتيبة من لواء "هنيچڤ"، والكتيبة الثالثة من لواء "يفتاح" ولكن الخطة لمهاجمة الحليقات سرعان ما تغيرت، وتحولت المهمة للكتيبة الأولى/ "يفتاح"، على أن يتم الهجوم من الناحية الجنوبية لمفاجأة قوات الجيش المصري.

ابتدأ الهجوم البري على الحليقات في ليلة ١٧-١٨ تشرين أول / أكتوبر ١٩٤٨، وكان قد سبقه قصف جوي شديد، وقصف مدفعي مكثف. تقدمت سرية واحدة من "يفتاح" لمهاجمة القوة المصرية المتواجدة على التبة رقم ١٣٨.٥، ولكن هذه شعرت بالهجوم القادم من الجنوب الغربي، ففتحت نيرانها بكثافة على القوة المهاجمة التي كانت تحاول عبور الأسلاك الشائكة، فأوقعت فيها خسائر فادحة، وقتلت قائدها. كذلك حضرت مساندة للمدافعين من قرية بيت تيما، مما اضطر القوة الصهيونية للانسحاب، وإحضار تعزيزات من أجل مساعدتها في ذلك، عند الصباح أتمت وحدة "يفتاح" انسحابها بعد تكبدها خسائر فادحة.

أما بالنسبة للهجوم على كوكبة فقد انطلق عند الساعة ٢٣:٠٠ من نفس ليلة ١٧-١٨ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، حيث تقدمت قوة "چڤعاتي" باتجاه كوكبة من التبة رقم ١١٣ الواقعة عند المفرق، وكانت قد احتلتها في نفس اليوم صباحا، واستطاعت السيطرة على عدة مخافر خالية من الجيش المصري، ولذلك لم تتعرض لأية مقاومة، حتى الساعة التاسعة صباحا من اليوم التالي.

ابتدأ القصف المصري للقوة المهاجمة، عند الساعة التاسعة، بشكل مركز ودقيق، وكان منطلقا من المدافع المصرية المتمركزة في شرطة عراق سويدان، كان هذا القصف ينتقل من مخفر محتل إلى آخر، مما أوقع عدة خسائر في الأرواح بالقوة الصهيونية. استمر القصف حتى الساعة العاشرة ثم توقف وتقدمت ست حاملات مصرية لرشاشات "برّن" واشتبكت مع القوة الصهيونية، التي استطاعت تدمير حاملتي برّن، مما أدّى إلى استسلام ما تبقى من القوة المصرية.

بعد هذه المعركة القصيرة، دخلت قوة "چڤعاتي" إلى قرية كوكبة فوجدتها خالية من الجيش المصري ومن السكان. بعدها ابتدأ المصريون بالانسحاب من قرية بيت تيما، تحت وقع إطلاق نار كثيف من المدافع الرشاشة نحو القرية، ثم دخلتها القوة الصهيونية واحتلتها عند الساعة ١٢:٠٠ ظهرا، من يوم ١٨ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨.

فشل صهيوني فِي قطع الطريق الالتفافية للجيش المصري

قدم اللواء التاسع (لواء "عودد") من شمالي فلسطين، كما تقدم، للمساعدة في حرب النقب، وذلك لتتمكن الحملة من تنفيذ أهدافها بسرعة، قبل أن تصدر الأمم المتحدة قرارا بوقف إطلاق النار. أوكلت لهذا اللواء مهمة فورية وهي الهجوم على الطريق الالتفافية من عراق سويدان إلى عراق المنشية مرورا من جنوب كراتيا، فيما يصطلح تسميته بطريق "بورما" المصرية، حيث أن الجيش المصري أنشأ هذه الطريق إثر احتلال كراتيا في نهاية المعارك بين الهدنتين (أنظر الحلقة ٢١/٢ بعنوان معارك الجيش المصري بين الهدنتين). كان من شأن قطع هذه الطريق على الجيش المصري، أن يفتح الطريق إلى النقب دون الحاجة إلى هجوم مباشر على الحليقات المحصنة جيدا.

 كان الجيش المصري متمركزا في أربعة مخافر أساسية على هذا الطريق: المخفر الثاني الموجود كيلومتر ونصف جنوب كراتيا، وكانت الخطة الصهيونية تقضي بالهجوم عليه أولا، ثم تستمر الهجمة، بعد احتلاله، نحو المخفر رقم واحد الموجود جنوب وجنوب شرق المخفر الثاني، وعلى المخفر الرابع الموجود جنوب وجنوب غرب المخفر الثاني، في المرحلة الثالثة تتم مهاجمة المخفر الثالث الموجود على شارع كراتيا - كوكبة، شمال المخفر الرابع، وشمال غرب المخفر الثاني.

انطلق الهجوم في ليلة ١٨-١٩ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، عند الساعة ٢١:٠٠، عندما هاجمت سرية من لواء "عودد" المخفر المصري  الثاني، ففتحت النار من قبل الكتيبة الثانية المصرية بكثافة على المهاجمين، مما أسقط عددا كبيرا من القتلى والجرحى، منهم اثنان من قادة السرية. عندها زج قائد "عودد" بسرية احتياط إلى المعركة، ولكنها صُليت بالنار المصرية القوية، مما اضطر السريتين إلى الانسحاب، وأخذ جرحاهما من أرض المعركة.

رغم فشل احتلال المخفر الثاني، صدرت الأوامر بلزوم الهجوم على المخفر الرابع واحتلاله، وبعدها ينفذ الهجوم على المخفر الثالث، حيث تقدمت إحدى السرايا الصهيونية إلى المخفر الرابع، وابتدأت باقتحام الأسلاك الشائكة، دون أن تتعرض لإطلاق النار، فأبلغت القيادة أنها نجحت في احتلال المخفر الرابع، فأرسلت هذه سرية أخرى من أجل احتلال المخفر الثالث، ولكن هذه السرية تعرضت لقصف شديد براجمات القذائف المصرية، قبل أن تصل إلى المخفر. أما في المخفر الرابع، فقد فتحت النيران المصرية بكثافة، باتجاه القوة المهاجمة فأوقعت فيها الخسائر الفادحة، وكذلك الأمر في صفوف السرية التي هاجمت المخفر الثالث، فانسحبتا لا تلويان على شيء، معلنتان فشل حملة لواء "عودد"، ولَم يتحقق الهدف في فتح الطريق إلى مستعمرات النقب حتى الآن.

فشل آخر، هجوم على شرطة عراق سويدان

كان الصهاينة قد فشلوا خمس مرات سابقا في احتلال مقر شرطة عراق سويدان، والآن قرر ألون وضابط عمليات الحملة يتسحاك رابين أن تنفذ محاولة أخرى، خاصة بعد أن سقطت مخافر المفرق، الذي كان يشكل الفناء الخلفي لمقر الشرطة، ولأن سقوط هذا المركز من شأنه أن يشدد الحصار على الأربعة آلاف جندي المتواجدين في جيب الفالوجة.

كان الهجوم مخططا لليلة ١٩-٢٠ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، على أن تقوم به قوة من الكتيبة الأولى/ "چڤعاتي"، على أساس أن المعلومات الصهيونية المخابراتية عن مركز الشرطة، تفيد بأن فيها فصيل مصري منخفض المعنويات، ولذلك سيكون الاحتلال متاحا، خاصة أن مخافر المفرق قد سقطت بأيدي الجيش الصهيوني، ولذلك فمن المرجح أن الفصيل المتواجد في مركز الشرطة، سيكون همه الأول أن ينجو أعضاؤه بأنفسهم إذا اشتد الهجوم ولَم يستطيعوا الصمود في مواجهته.

ابتدأ الهجوم بقصف جوي من طائرتين من نوع "بوفايتر" عند الساعة ١٧:٣٠ من يوم ١٩ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، وألقت الطائرتان ٧٨٠ كيلو غراما من المتفجرات على مقر الشرطة وساحاته، وأصيبت إحدى الطائرات، وسقطت في المنطقة التي يسيطر عليها الجيش المصري، ومات كل طاقمها (قسم منهم مفقود حتى اليوم).

أما القوات البرية المهاجمة فقد انطلقت عند الساعة ٢٣:٠٠، وكانت مكونة من فصيل مشاة من السرية الثالثة من الكتيبة الأولى/ "چڤعاتي"، وقسم خبيري متفجرات من الكتيبة الأولى/ "چڤعاتي"، وفصيل خبراء متفجرات من الكتيبة الخامسة/ "چڤعاتي" لتفجير أسوار المركز، وفصيل مشاة من نفس الكتيبة لتأمين الأسلحة الداعمة، المكونة من بطارية مدفعية عيار ٧٥ ملم، ونصف مجنزرة مع مدفع ٦ رطل، وهاون من نوع "دويدكا" ورشاشات متوسطة الحجم.

عند الساعة ٢٣:٣٠، ابتدأ قصف مدفعي شديد على مركز شرطة عراق سويدان، وعلى الجدران الحصينة التي لم تستطع مدافع الستة أرطال اختراقها. ابتدأت القوة الراجلة بالاقتراب من المركز، ولما أصبحت على بعد ١٥٠ مترا، فتحت عليها نيران قوية جدا من مدافع رشاشة متوسطة من نوع "ڤيكرس" ومدافع رشاشة من نوع "برن". في الساعة ٠٠:٠٠ تقدمت القوة المهاجمة لاقتحام الأسلاك الشائكة، وعندما وصلت على بعد ٥٠ مترا من الجدار، فتحت عليها نيران قوية من المدافع الرشاشة من البرج الجنوبي الشرقي لعمارة الشرطة، ولكنها استطاعت الوصول إلى الجدار الأول بفضل نيران التغطية الشديدة من قبل قوة صهيونية أخرى، ومن ثم استطاعت فتح ثغرة في الجدار الأول، ثم استطاعت فتح ثغرة أخرى في الجدار الثاني الذي يبعد عن الأول ٢٠ مترا.

أصبح الموقف سيئا للمصريين، إذ أن خبراء المتفجرات كانوا قد تجاوزوا الجدار الثاني، وتقدموا من أجل نسف أسوار مركز الشرطة، عندها اطلق المصريون أربعة صواريخ متتالية، ثم أطلقوا نيران مدافعهم الرشاشة بكل قوة، ولَم يتركوا أي خيار للقوة المهاجمة، إلا خيار الانسحاب أو الموت قبل الوصول إلى الجدار الثالث، فأعلن قائد الهجوم أمر الانسحاب، رغم وصول نجدة عند الساعة ٠٢:٠٠، إذ أن الدفاعات المصرية ما زالت قوية، وأيقن المهاجمون أن هناك كتيبة كاملة في مركز الشرطة، وليس فصيل بدون معنويات، وأن هذه تحسن الحرب الدفاعية، ولذلك لن يكون من السهل احتلال مركز الشرطة حتى الصباح، وعندها تصبح الخسائر الصهيونية أكثر وأكبر.

انسحبت القوة الصهيونية تحت قصف شديد من المدفعية المصرية، تجر أذيال الهزيمة للمرة السادسة أمام مدافعي مركز شرطة عراق سويدان، الذين حاربوا ببسالة وحتى بن غوريون نفسه أشاد لهم بذلك.

قرار بوقف إطلاق النار تبعه قرار بمهاجمة الحليقات

حتى الآن لم تحقق حملة "يوآڤ" أيا من أهدافها، فرغم الانتصارات هنا وهناك، إلا أن الجيش المصري بقي صامدا، ومغلقا للطريق المؤدية إلى مستعمرات النقب، ولذلك كان رأي ألون أن الحل الوحيد هو مهاجمة النقطة الأقوى والأكثر تحصينا للجيش المصري، وهي مخافر الحليقات.

كانت مخافر الحليقات عبارة عن ست تلال (تبّات) تقع على جانبي الطريق الموصل بين جولس شمالا والحليقات جنوبا. كانت سيطرة المصريين على هذه المخافر، تمنع إمكانية وصول الصهاينة إلى مستعمرات النقب الواقعة جنوب الحليقات، وفي الوقت نفسه، مكنت وحدات الجيش المصري الموجودة في الخليل من التواصل مع القوة المصرية المركزية الموجودة على طول شاطئ البحر بين أسدود وغزة. استطاع الجيش المصري في بداية المعارك بين الهدنتين وتحديدا في يوم ٨ تموز/ يوليو ١٩٤٨، من السيطرة على مخافر الحليقات بعد هجوم مفاجئ على القوات الصهيونية المسيطرة عليها (انظر الحلقة ٢١/١ بعنوان معارك الجيش المصري بين الهدنتين).

في ١٩ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، اجتمع مجلس الأمن، وأصدر قرارًا بوقف فوري لإطلاق النار، وعودة كل طرف إلى الوضع الذي كان عليه قبل الخامس عشر من نفس الشهر، أي قبل بدء الحملة. لم يفاجئ القرار أيًا من الطرفين، ولكن الطرف الصهيوني المبادر للمعركة، لم يُرِد للحرب أن تتوقف قبل أن يحقق مآربه منها. رغم ذلك، أفهم بن غوريون قيادة الحملة وخاصة يغئال ألون أن لديهم ليلتان أو ثلاثة من أجل وقف الحرب، ويجب استغلال هذه المدة لفتح الطريق إلى النقب، وإلا فشلت الحملة. من جهة أخرى، تجاهل بن غوريون القرار، ولَم يسلم الوسيط الأممي بالوكالة، رالف بانش، والذي حلّ محل الكونت برنادوت الذي اغتاله تنظيم "الإيتسل" الصهيوني خلال الهدنة الثانية، جواب الحكومة الصهيونية مباشرة، بل انتظر الأحداث الدائرة في الجبهة عساها تأتي مبتغى الحملة سريعا، فيبلغ الأمم المتحدة بموافقته على وقف إطلاق النار، وانتظر يومين آخرين حتى سلّمه موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار.

لم تعد أمام ألون أية فرصة، وكان عليه أن ينفذ الهجوم على الحليقات فورا، وأراد لهذا الهجوم أن ينفذ على يدي الكتيبة الثانية/ "چڤعاتي" وهي الكتيبة الوحيدة المؤهلة لهجوم كبير ومعقد من هذا النوع، إذ أن خسائرها كانت طفيفة مقابل خسائر الكتائب الصهيونية الأخرى. كانت الخطة الأصلية، كما ذكر في مقدمة هذه الحلقة، أن تقوم هذه الكتيبة باحتلال عراق المنشية، بالتوازي مع الهجوم على مركز عراق سويدان في ليلة ١٩-٢٠ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، وبسبب تغيير الخطة، حولها ألون لمهاجمة الجيش المصري في الحليقات، وهذا ما كان.

انطلاق الهجوم على مرتفعات الحليقات

كان الجيش المصري متمركزا على ست مرتفعات، ثلاثة منها بجانب طريق كوكبة - الحليقات وهي المرتفعات رقم ١٢٠أ و ١٢٨.٢ و ١٣١.٢، وثلاثة أخرى موجودة غربي الطريق، وشمال غربي قرية الحليقات، وهي المرتفعات رقم ١٢٠ و ١٢٣.٢ و ١٣٨.٢ (ملاحظة هامة: في هذه الحلقة والحلقات السابقة استعملنا أرقام المرتفعات، وهي تمثل ارتفاعها عن سطح البحر، حسب الخرائط الجغرافية). كان كل مخفر محصنًا بشكل جيد، ومحاطًا بالأسلاك الشائكة والألغام، ومجهزًا بخنادق وقنوات اتصال، وتحيط به المدافع الرشاشة المتوسطة الحجم. أجرى الجيش الصهيوني ثلاث دوريات استكشاف في ليلة ١٨-١٩ تشرين أول/ أكتوبر من أجل معرفة مواقع الجيش المصري وأسلحته ونقاط تمركزه، مما مهد الطريق لخطة جديدة ومتكاملة للسيطرة على المخافر المصرية.

كانت الخطة باختصار، تقضي بأن يكون الهجوم على الأربعة مخافر الشمالية (١٢٠أ و ١٢٨.٢ و ١٢٠ و ١٢٣.٨)، أي الأقرب إلى كوكبة، في آن واحد، حتى ينشغل كل مخفر بالدفاع عن نفسه، وبذلك لا يتمكن من مساعدة غيره، على أن يتم الهجوم البري بعد قصف مكثف بمدافع الهاون وراجمات القذائف من الجهة الشمالية والجنوبية الغربية من مستعمرة "چيڤر عام"، وأوكلت مهمة الهجوم للكتيبة الثانية/ "چڤعاتي" وسرية واحدة من الكتيبة الرابعة "چڤعاتي"، بالإضافة إلى دعم من الكتيبة التي تسيطر على كوكبة والتي أرسلت في مساء يوم ١٩ تشرين أول/ أكتوبر، قوة بجانب خربة بيت سمعان الواقعة على بعد كيلومتر واحد غربي بيت تيما ، وذلك لمنع قدوم دعم مصري من الغرب، وقوة أخرى احتلت خربة عمودة الواقعة على بعد كيلومتر ونصف شمال مستعمرة "چيڤر عام" وذلك لمنع أي قوة من التقدم من جهة بربرة الواقعة بين المجدل ومستعمرة "يد مردخاي".

ابتدأ القصف المدفعي عند الساعة ١٩:٣٠، من مدافع عيار ٦٥ مم، وقذائف الهاون عيار ٨١ مم من مستعمرة "نير عام" وقدائف الهاون عيار ١٢٠ مم من المرتفع رقم ١٠٨.٣ عند المفرق. كانت ساعة الصفر للهجوم البري هي ٢٢:٤٥، وقبلها بربع ساعة أصبح القصف عنيفًا وسريعًا على كل المواقع المصرية في مخافر الحليقات.

احتلال الحليقات وفتح الطريق إلى مستعمرات النقب

في الساعة ٢٢:٤٥ من ليلة ١٩-٢٠ تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، انطلقت السرية الأولى من الكتيبة الثانية/ "چڤعاتي"، مع فصيل من السرية الثانية لنفس الكتيبة، من كوكبة باتجاه الجنوب الغربي نحو المرتفع ١٢٠. في الوقت نفسه انطلقت السرية الأولى للكتيبة الرابعة/ "چڤعاتي" من كوكبة جنوبا بخط متوازٍ مع طريق كوكبة - الحليقات باتجاه المرتفع ١٢٣.٢، مع دعم من السرية الثالثة لنفس الكتيبة كقوة دعم من بيت تيما.

أما السرية الثالثة من الكتيبة الثانية/ "چفعاتي"، فقد انطلقت من كوكبة أيضا، بالتوازي مع الطريق وعلى بعد ٤٠٠ متر منه، بغرض الهجوم على تلة ١٢٨.٢ وتلة ١٢٠أ، بحيث يقوم فصيل واحد بمهاجمة التلة ١٢٠أ، وفصيل يهاجم التلة ١٢٨.٢ بمساندة فصيل مدافع رشاشة، وفصيل آخر يهاجم نفس التلة بمساندة مدفع هاون ٨١ ملم.

وأوكلت مهمة احتلال تلة ١٣١.٢ الموجدة شمال شرق الحليقات، للسرية الرابعة من الكتيبة الثانية/ "چڤعاتي". أما الفصيلين المتبقيين من السرية الثانية للكتيبة الثانية/ "چڤعاتي"، فقد انطلقت كقوة احتياط إلى الجنوب من كوكبة وأوكلت بحراسة مدافع الهاون عيار ٨١ ملم.

خلال فترة قصيرة وفِي الساعة ٠٠:١٥ سقط المخفر رقم ١٢٠أ، بعد معركة بالقنابل اليدوية ثم بالسلاح الأبيض. اما الفصيل الذي هاجم المخفر رقم ١٢٨.٢ فاستطاع احتلال الطرف الغربي منه، ولكن القوة المصرية التي انسحبت من المخفر ١٢٠أ، جاءت للدفاع عن هذا المخفر، وسرعان ما نفذ المدافعون هجمة مضادة، استطاعوا من خلالها صد القوة المهاجمة، وهم يلقون القنابل اليدوية من مسافة قريبة من المهاجمين. عندها أرسلت السرية الثانية لتشارك في الهجوم، وشنت بدورها هجوما مضادا من المخفر ١٢٠أ، مدعومة بالهاون عيار ١٢٠ ملم، والمدافع الرشاشة المتوسطة، التي قامت بقصف شديد للمخفر ١٢٨.٢، مما أدى إلى انسحاب القوة المصرية منه، وعندما تم احتلاله كان خاليا من الجنود.

هاجمت السرية الأولى المخفر رقم ١٢٠، الذي تتمركز عليه قيادة القوات المصرية في الحليقات، فتعرضت إلى نيران شديدة بالمدافع الرشاشة المصرية، ولكن فصيلين منها استطاعا التقدم واختراق الأسلاك الشائكة، ثم استعمال الخنادق المصرية للاختباء من نيران القوة المدافعة، وحصلت معركة رهيبة بالقنابل اليدوية والسلاح الأبيض حتى استطاع الصهاينة احتلال التلة، وأسر عدد من الجنود المصريين، وانسحب باقي الجنود إلى المخافر الأخرى.

هاجمت السرية الثالثة للكتيبة الرابعة / "چڤعاتي" المخفر رقم ١٢٣، فتعرضت لنيران المدافع الرشاشة، ورغم الخسائر في الأرواح إلا أنها استطاعت احتلال القسم الشمالي الشرقي للمخفر، وبقيت صامدة حتى وصلها دعم من فصيل مشاة وبعض سيارات الجيب المزودة بالرشاشات المتوسطة، فاستطاعت استكمال احتلال المخفر بعد معركة شرسة وجها لوجه مع القوة المصرية على التلة.

خلال الهجوم قامت المدفعية الصهيونية بتركيز قصفها على المخفر رقم ١٣٨.٥ والمخفر رقم ١٣١.٢، واستعملت راجمات الصواريخ مما أدى إلى انسحاب القوة المتمركزة على التلة ١٣٨.٥، فاحتلها فصيل من السرية الأولى للكتيبة الثانية/ "چڤعاتي"، بدون أن تتعرض لأية مقاومة. بعد أن احتل المخفر ١٢٠أ والمخفر ١٢٨.٢، انطلقت السرية الرابعة إلى الشرق، وبعد قصف مركز على المخفر رقم ١٣١.٢، تم احتلاله بعد تبادل قصير لإطلاق النار.

تم احتلال جميع مخافر الحليقات قبل بزوغ الفجر، ورغم بسالة الجنود السعوديين والمصريين الذين حاربوا بكل شجاعة، وأوقعوا خسائر فادحة بقوة "چڤعاتي" المهاجمة، حيث وصل عدد قتلاها ٢٨ وسبعين جريحا، إلّا أنَّ أربعين جنديا مصريا وسعوديا منهم ضابطين أسرى وقعوا في الأسر، وغنم الصهاينة مدفعي ٦ أرطال، ومدفعين عيار رطلين، و ١٥ حمالة رشاش "برن"، و ١٦ مدفع رشاش، وأكثر من خمسين سيارة.

فتحت الطريق إلى مستعمرات النقب التي كانت محاصرة من قبل الجيش المصري، وأحكم الحصار على الجنود المصريين المتواجدين في ما يسمى بجيب الفالوجة، والذي أصبح يضم عراق المنشية وعراق سويدان والفلوجة، وأصبح أكثر من أربعة آلاف جندي وضابط مصري، محاصرين بشكل كامل ومفصولين عن باقي وحدات الجيش المصري. وبهذا تحقق هدف حملة "يوآڤ" وتحولت إلى نصر وإن لم يتحقق هدف الحملة وشعارها المركزي بالقضاء على الجيش المصري المتواجد في فلسطين كليا، كما أعلن قبل بداية الحملة.

يتبع....


المصادر:

١. بيني موريس، ١٩٤٨- تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى؛
٢. محمد حسنين هيكل، جيوش وعروش- الجزء الثاني؛٣. أبراهام ألو"، لواء "چڤعاتي" في مواجهة الغازي المصري؛٤. د. رفعت سيّد احمد، وثائق حرب فلسطين- الملفات السرية للجنرالات العرب؛٥. نتانائيل لورخ، سيرة حرب "الاستقلال"؛
٦. إبراهيم شكيب، حرب فلسطين ١٩٤٨- رؤية مصرية،
٧. داڤيد بن غوريون، يوميات الحرب ١٩٤٧-١٩٤٩؛
٨. د. عبد الوهاب بكر محمد، الجيش المصري وحرب فلسطين ١٩٤٨-١٩٥٢؛
٩. عارف العارف، نكبة فلسطين والفردوس المفقود؛
١٠. الجيش الإسرائيلي، معارك ١٩٤٨، ٢٣ قصة معركة في حرب الاستقلال؛
١١. أحمد خليفة (مترجم)، حرب فلسطين ١٩٤٧-١٩٤٨؛
١٢. موشيه چڤعاتي، في طريق الصحراء والنار، سيرة الكتيبة التاسعة؛
١٣. الجيش الإسرائيلي، لواء النقب في الحرب؛
١٤. "عميعاد برزنر"، النقب في الاستيطان والحرب؛
١٥. "يتسحاك رابين"، دفتر الخدمة؛
١٦. أنيتا شاپيرا، يغئال ألون، ربيع حياته؛
١٧. الجيش الإسرائيلي، أطلس معارك حرب "الاستقلال"، خرائط وحملات.