"جنود" في منظمات الإجرام يتحدثون: مجرمون أم ضحايا؟

"جنود" في منظمات الإجرام يتحدثون: مجرمون أم ضحايا؟
(الصور: أورن زيف - سيحا مكوميت)

أعدَّت هذه السلسلة المخرجة سهى عراف في الأشهر الأخيرة لموقع "سيحا مكوميت" باللغة العبرية، وينشرها موقع "عرب ٤٨" في إطار التعاون بين الموقعين. أعد التقارير للنشر بالعربية سليم سلامة.


"إنهم يكرهوننا. هم يكرهون العرب. من ناحيتهم، عربيّ أقلّ، أفضل لهم. كل القضية اليوم هي قضية مال وقوة. إن توفر لديك المال والقوة، فسيهاب الناس جانبك ("يحسبون لك حسابًا")". هذا الكلام القاسي يقوله "جندي" في إحدى منظمات الإجرام، من سكان الشمال.

الجدل العام الدائر، مؤخرًا خصوصًا، بشأن الإجرام والجريمة في المجتمع العربي يخوض، بصورة ما، في رؤساء منظمات وعائلات الإجرام، مثل حريري، كراجة، جاروشي وغيرها. لكنّ من يقوم بالمهمات فعليًا، من يتولى تنفيذ "العمل الأسود" نيابة عن هذه المنظمات وباسمها، هم "الجنود"، الذين يبقون في الظل، في هامش هوامش المنظمة.

من هم هؤلاء "الجنود"؟ ما الذي يحرّكهم؟ وما هي دوافعهم؟

التقيتُ (أ)، شاب في أوائل الثلاثينات من عمره، في إحدى المدن العربية في الشمال. شاب طويل القامة ونحيف، وجهه حزين وصوته أكثر حزنًا وانكسارًا.

"انحدرتُ إلى عالم الجريمة حين كنت في الخامسة عشرة من العمر. بعتُ قليلًا من المخدرات، بعض عمليات السطو الصغيرة هنا وهناك. وفي سن الخامسة عشرة كان قد أصبح لديّ مسدسان اثنان. قبل خمسة عشر عامًا، كان ثمن المسدس الواحد لا يزيد عن 1,000 شيكل، فاستطعتُ تدبر أموري وشراء المسدسين"؛

"بدأت العمل بمفردي ولم أنضمّ إلى أية منظمة إجرام. في المدينة التي أسكن فيها، معظمنا غير منتمين إلى منظمات، بل نعمل بصورة فردية. أنا لم أقتل، لكن كان السلاح بحوزتي لإخافة الناس. لم استخدم السلاح إلا للتهديد ولحلّ نزاعات بين أشخاص، مقابل مبالغ من المال، أو لإخافة شخص ما والحصول على مقابل. في مدينتي كثيرون مثلي وكثير من الأسلحة".

لنفترض أنني أرغب في شراء مسدس. خلال كم من الوقت يمكنني الحصول عليه؟

"بصورة فورية. ضعي النقود على الطاولة الآن، وستحصلين على مسدس على الفور. الأمر متاح تمامًا".

يضيف (أ): "عالم الإجرام نفسه ليس سهلًا، على الإطلاق. ثمة على الدوام مجرمون أكبر منك. أنت مثل سمكة صغيرة، يلتهمونك بسهولة. ولهذا، ينبغي عليك الانتماء إلى منظمة. أنت لا تستطيع الاستمرار في كونك مجرمًا صغيرًا، وإلا فسيدوسونك".

اللقاء مع الجنائيّ الثاني الذي تحدثتُ معه كان أكثر تعقيدًا بكثير. حددنا بضعة مواعيد للقاء، لكنها ألغيت جميعها بأعذار مختلفة كل مرة. رفض التنسيق معي مباشرة، وإنما من خلال وسيط فقط كان ينقل إليّ الرسائل منه حول موعد ومكان اللقاء. وحين التقينا، أخيرًا، أصرّ على الـتأكد أولًا من أنني قد أطفأت هاتفي الخلويّ والتحقق من أنني لا أقوم بتسجيل المحادثة.

(ب)، سنسميه، هو شاب في أواسط العشرينات من العمر؛ قصير القامة، أسمر البشرة ونحيف جدًا. على وجهه وذراعيه العديد من الندوب، آثار الجروح، وقد بدا مفزوعًا: دائم التلفّت حوله، مضطرب للغاية. كان من الصعب انتزاع قصة حياته منه وكيف وصل إلى عالم الإجرام.

"ولدتُ في مدينة مختلطة في أحد أحياء الضائقة والفقر. أنت ترين بنفسك، حيّنا هذا وأحواله. أشبه بمخيم لاجئين، بل إن مخيم جنين للاجئين يبدو أفضل منه. إسرائيل لا تخجل"؛

"تسربتُ من مقاعد الدراسة وأنا في الصف السابع. لم يكن ثمة مَن شجعني على مواصلة التعليم، إطلاقًا. والداي كانا مطلّقين، وقد تزوج كلاهما مرة ثانية. بقينا نسكن مع والدي، أنا وشقيقي البكر. رُزق والدي بخمسة أولاد آخرين. كنا نسكن، جميعًا، في بيت مكون من غرفتين. والدتي أيضًا أنجبت ثلاث بنات من زوجها الثاني، الذي لم يكن يطيقنا، أنا وشقيقي. في كل مرة كنا نزورها فيها، كان يعبس في وجهينا ويتعامل معنا بفظاظة. وإن كانت أمي تعطينا شيئًا لنأكله، كان يوجه إليها نظرات قاتلة ويبدأ بإسماعنا كلامًا، مثل ‘ليذهبا إلى والدهما، لديه أموال أكثر منا، أنا لستُ مسؤولًا عنهما، أنا أعيلك أنتِ وبناتنا بصعوبة‘"؛

"أنا أحب والدتي كثيرًا. إنها امرأة مسكينة. الوحيدة التي تحبّني، لكنها لا تجرؤ على إظهار مشاعرها أمامي، لأنها تخاف من زوجها، فهو يضربها ويصرخ عليها. والدي أيضًا كان يضربها وكنت – طفلًا - أخاف كثيرًا جدًا حين أراه يضربها. كانت تصرخ، تبكي، تتوسل وأنا أتجمّد خوفًا من أن أفعل أي شيء. كان يصيبني شلل. أقف وأنظر، أو كنا نختبئ أنا وأخي في الغرفة ونبكي. ذات يوم، قال شقيقي الذي يكبرني بسنتين، وكان في الصف السابع آنذاك، لوالدي: توقّف! يكفي! فأحضر والدي حزامًا وانهال عليه ضربًا حتى سال الدم من جسمه، بينما بقيت أنا واقفًا دون أن أفعل أي شيء. كنتُ طفلًا جبانًا جدًا والعنف كان يُدخلني في حالة من الشلل. كان والدي يضربنا أنا وأخي بدون سبب، لمجرد أن زوجته كانت تحرضه ضدّنا. كن يدخل إلى البيت مثل الثور ويبدأ بضربنا. كرهتُه وكرهتُ زوجته، لكن لم يكن هنالك أي مكان يمكنني الذهاب إليه".

في جميع النقاشات والمداولات حول ظاهرة الإجرام في المجتمع العربي، لم يُسمع صوت "الجنود" الصغار، مطلقًا. هم ليسوا في الحسبان: لا في نظر المنظمة (الإجرامية)، لا في نظر الإعلام ولا في نظر المجتمع.

حمودي مصري

ويقول المحامي حمودي مصري، الذي يترافع عن متهمين كثيرين بالعضوية في منظمات الإجرام: "ثمة لدى منظمات الإجرام تنظيم هرميّ واضح، تسلسل وظيفيّ، كما في الجيش تمامًا. هنالك رئيس المنظمة، الذي يسمى باللغة الجنائية، ‘رأس الهرم‘. لا نائب له، لكن لديه نواة من الأشقاء وأبناء الأعمام، أشخاصًا مقرّبين يمكن الاعتماد عليهم والوثوق بهم"؛

ويوضح مصري: "هؤلاء يعرفون جميع أسرار المنظمة، بما في ذلك أيضًا النسب التي تُجبى من كل صفقة أو من الشخص الذي سيتم قتله أو على أية منطقة سيتم الاستيلاء، سواء في الكازينو، في الجباية، في المخدرات أو في أي فرع آخر من فروع الإجرام. في حالة إصابة رئيس المنظمة، سفره إلى خارج البلد أو دخوله إلى السجن، يتولى مهام القائم بأعماله، دائمًا، شخص تربطه به قرابة من الدرجة الأولى. إذا كان أشقاؤه غير منخرطين في عالم الإجرام، فعندئذ تنتقل دفة القيادة إلى أبناء الأعمام أو شخص آخر مقرب من العائلة النووية".

ويضيف: "للمنظمة ‘أذرع‘ في كل قرية ومدينة تتلقى الأوامر والتعليمات من الشخص المسؤول عن العمليات، مباشرة. يتم إرسال أعضاء الخلية المحلية لإحداث بعض الضجة، لإطلاق النار على منزل، على سيارة أو على مصلحة تجارية"؛

"الحلقة الأهمّ في التسلسل الوظيفي، في التنظيم الهرمي، هي فئة/ مرتبة ‘الجنود‘، التي تتحمل عبء الجزء الأكبر من ‘العمل الأسود‘. هؤلاء هم سفراء المنظمة ومبعوثوها الذين يطلقون النار وينقلون المخدرات والسلاح. لكل منظمة رجال الاغتيالات المهنيون خاصتها، ولكل منهم تسعيرة تبعًا لدرجة كفاءته ومستوى مهنيته، وهوية الشخص الذي سيقوم باغتياله بالطبع"؛

"بعد الجنود، يأتي ‘البوتشريم‘ (بوتشر - نوع من أنواع الكلاب)، وهم أشخاص يعملون مع منظمة الإجرام، لكن ليسوا أعضاء فيها؛ هم أشخاص غير مهنيين وليسوا ذوي أهمية، بل هم الحلقة الأضعف في المنظمة. وظيفة هؤلاء هي إطلاق النار في الهواء أو على البيوت والمطاعم، هؤلاء هم ‘رجال مازدا 3‘ عادة (الذين يستخدمون سيارات من نوع "مازدا 3"). المنظمة غير مسؤولة عنهم وعن عائلاتهم وإذا ما قُتل أحدهم، فإن عائلته لا تستحق الحصول على مرتب شهري، كما الآخرين"؛

"في أدنى سلم التسلسل الوظيفي، يقبع ‘القرد‘، أي الشخص الذي يأخذ على عاتقه المسؤولية عن الملف الجنائي، بدلًا من الجنائيين الحقيقيين، ويدخل إلى السجن بدلًا منهم مقابل مبلغ كبير من المال يُدفع له ولأبناء عائلته"، يوضح مصري.

"معظم الجنود هم أشخاص غير متعلمين؛ عادة ما يتجندون إلى المنظمة وهم في بداية العشرينات من العمر، أشخاص وُلدوا لعائلات متورطة في عالم الإجرام أو انضموا إلى منظمات الإجرام في مرحلة لاحقة"، بحسب مصري.

(ب): "اكتشف أبي، بعد سنة ونيّف، أنني أتعاطى المخدرات. انهال عليّ بالضرب المبرح، ضرب رأسي بالسرير فشجّه. ما زالت العلامة والقُطب بادية. أشفقت زوجته عليّ. راحت تصرخ فجاء الجيران وخلّصوني من بين يديه، ثم نقلوني إلى المستشفى. تملكني شعور بالكراهية تجاه هذا الرجل. لم أفهم كيف يكون هذا والدي، لكنني خجلتُ جدًا في الوقت ذاته. عرف الحيّ كله أنه أوسعني ضربًا مبرحًا. كنت ابن خمسة عشر عامًا آنذاك. فتىً. كلهم سخروا مني ووصفوني بأنني جبان وضعيف وهلاميّ، فتى يتلقى الضرب وامرأة تنقذه. امتلأتُ خجلًا، إهانةً وغضبًا"؛

"في عائلتي الموسعة، هنالك مجرم معروف جدًا، قريب بعيد من الحمولة نفسها. توجهتُ إليه وقلت له إنني أريد أن أعمل معه. ضحك الرجل مني وقال إنني نحيف جدًا، قصير القامة جدًا، ضعيف ومُخَدَّر. قال لي: ‘يجب أن تأكل وأن تكبر وتتقوى حتى تصبح رجلًا‘. توسلتُ إليه أن يأخذني معه، ولو حتى لإعداد القهوة له. في النهاية، أشفق عليّ وضمّني إليه. طلبتُ أن يعطيني مسدسًا، لكنه رفض وقال إنه يجب عليّ التعلم وإثبات نفسي أولًا. بعد سنة ونيف فقط، وثق بي الزعيم وأعطاني مسدسًا. تأثرتُ جدًا وكان انفعالي شديدًا. شعرتُ بأنني أصبحتُ متساويًا، رجلًا وذا قيمة. بعد ذلك، بدأت أرافق الشبان إلى الأحراش والتدرب على إطلاق النار والتصويب على زجاجات فارغة. تعلمتُ إطلاق النار فشعرتُ بأنني قوي تمامًا. هجرتُ البيت وسكنتُ مع الشلّة. لا أزال أتعاطى المخدرات. في الواقع، جميعنا نتعاطى المخدرات".

معنى هذا أنك تعتبر الإجرام مهنتك، إذن؟

يغرق (ب) في صمت طويل وحزين قبل أن يجيب على السؤال؛ "الإجرام ليس مهنة. ببساطة، أنت تجد نفسك في داخله ولا طريق أمامك للخروج. إذا ما دخلتَ إلى هناك، فمن الصعب جدًا أن تخرج. إما أن تعتقلك الشرطة وإما أن تُقتَل".

يؤكد "الجندي" (أ) ما يقوله "الجندي" (ب): "يعرف كل مجرم أنه سوف يُقتل في يوم ما. هذه مسألة وقت فقط. لم تعد الحياة تعنينا وليس لدينا ما نخسره. إذا ما دخلتَ في عالم الإجرام، فلا مخرج أمامك ولا طريق للخروج. وإن خرجتَ، فالويل لك إن وشيتَ بأي شخص. عندها، لن يتركوك ولن يرحموك. يمكن أن يحرروك، فقط إذا لم تشِ بأي شخص".

يقول المحامي حمودي مصري: "من أجل الحفاظ على وحدة الجنود والجيش وصيانة ولائهم، يضطر الزعيم أو رئيس العائلة إلى تمويل ما يضمن تدليل الأقرباء. فقد يمنح أحدهم قسيمة أرض هدية وقد يعطي آخرين أسلحة أو أية امتيازات أخرى، مثل الدخول الحر والمجاني إلى نوادٍ، تنفيذ بعض أعمال الابتزاز والتهديد (باسم عائلة الإجرام ونيابة عنها، ظاهريًا) والحصول على المال مقابلها. وقد يمنحهم حرية العمل، لكن بشروط وتقييدات وضوابط. هذه بعض الطرق المتبعة للمحافظة على ولاء الجنود، إخلاصهم وطاعتهم".

يعترف المحامي مصري بأن الأسعار المدفوعة لمنفذي الجرائم قد انخفضت، بسبب العرض الزائد. في المقابل، ارتفعت أسعار الأسلحة. "هنالك جنود يعملون مجانًا، دون أي مقابل مادي، فقط من أجل إثبات ‘رجولتهم‘ أو بغرض إثبات ولائهم للزعيم وللمنظمة. وثمة آخرون مستعدون، مقابل مبلغ يتراوح بين 500 و1,000 شيكل، لإطلاق رصاصات تحذيرية على منزل شخص ما، أو على مصلحته التجارية أو سيارته، من قبيل: ‘هذا تحذير: اليوم أطلقنا رصاص على زجاج شبّاك، وغدًا قد نزعها في رأسك‘".

أسأل (ب) عن الشعور لدى إطلاق النار في المرة الأولى، فيصمت طويلًا ثم يقول: "في المرة الأولى، كان الأمر صعبًا. أشحتُ بوجهي، لكنني لم أكن وحدي. لا يكون شخص لوحده في أية عملية، أبدًا".

هل أطلقت النار على شخص ما في المرة الأولى؟

"لا، أطلقتُ النار على منزل، على شبابيك المنزل. الأمر يثير توترًا وقلقًا كبيرين، لأنك قد تُضبَط ويلقى القبض عليك. لكن الأمر كان أسهل، لأنني لم أكن وحدي".

وحين تطلق النار الآن، بماذا تشعر؟

"لا أشعر بشيء. عادي. تعوّدت".

"الجندي" (أ)، الذي بدأ باستخدام السلاح بصورة مستقلة وهو في الخامسة عشر من العمر، دون أن يكون منتميًا لأية منظمة، يقول: "تعلمت إطلاق النار في ‘الكريون‘ (المركز التجاري في "كريات بياليك"، قرب حيفا). توجد هناك صالات للرماية، للتدرب على الرماية والتصويب. كنت أدفع وأدخل لأتدرب، وحدي. اليوم، هنالك شبان يسافرون إلى خارج البلاد، إلى تيلاند خصوصًا، لهذا الغرض تحديدًا".

على حسابهم الخاص؟

"كلا".

يؤمن "الجندي" (أ)، مثل "الجندي" (ب)، بأن الموت أفضل من الدخول إلى السجن. السجن لسنوات غير قليلة هو الكابوس الأكثر فظاعة.

ألا تهمّك حياتك؟

"كلا".

لماذا؟

"لماذا؟ لأنني لا أعني أحدًا ولا أحد يهتمّ بي، فلمَ أهتمّ بحياتي؟ ما هي هذه الحياة كلها، أصلًا؟ حتى المجرمون يكرهون الإجرام".

سمعتُ عن أشخاص نجحوا في الخروج ومغادرة عالم الإجرام والتخلص منه، خضعوا لعملية إعادة تأهيل فعادوا وانخرطوا في المجتمع والحياة الاجتماعية.

"كذابون. ‘المخنّن‘ ("خْنون"، بالعبرية) فقط هو الذي يترك. وهم يسمحون له بذلك، لأنه لم يثبت نفسه. فلو أثبت نفسه، لتقدم وترقّى. لكن، حتى ذلك الذي يترك، من الذي سيقبل بتشغيله لديه؟ من التي ستقبل الزواج منه؟ سيبقى الناس ينظرون إليه دائمًا باعتباره مجرمًا، فلا يلبث أن يعود إلى دوائر الإجرام، لأن أحدًا لن يصدّق أنه تاب ونظف".