افتتاح مراكز الشرطة في البلدات العربية: جرائم القتل لم تقل

افتتاح مراكز الشرطة في البلدات العربية: جرائم القتل لم تقل
نتنياهو يفتتح محطة الشرطة في كفر كنا (مكتب رئيس الحكومة)

أعدَّت هذه السلسلة المخرجة سهى عراف في الأشهر الأخيرة لموقع "سيحا مكوميت" باللغة العبرية، وينشرها موقع "عرب ٤٨" في إطار التعاون بين الموقعين. أعد التقارير للنشر بالعربية سليم سلامة.


في شباط/ فبراير 2019، نشرت شرطة إسرائيل شريطًا ترويجيًا مصوَّرًا "بطله" الليفتينانت كولونيل أمير حيوت، قائد محطة الشرطة في بلدة مجد الكروم. هذه المحطة تعمل منذ فترة قصيرة فقط، كما فاخر حيوت، لكنه يرى أنّ تغييرًا قد حصل. فالمنطقة أكثر هدوءًا ورجال الشرطة يجمعون الأسلحة. ويقتبس حيوت عن بعض سكان مجد الكروم قولهم له: "نحن نريد أن نرى ’الزُّرق’ (رجال الشرطة بالأزرق) في الليل. حين نرى ’الزُّرق’ نشعر بالهدوء والسكينة".

هذا الشعور بالهدوء كان نسبيًا جدًا، كما يبدو. في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، بعد ثمانية أشهر من نشر شريط الفيديو، قُتل ثلاثة رجال في مجد الكروم في وضح النهار، على بُعد سفرِ ثلاث دقائق فقط من محطة الشرطة ـ وهم أحمد مناع، خليل مناع ومحمد سبع. أشعلت هذه الجريمة موجة الاحتجاج التي تعمّ المجتمع الفلسطيني برمّته منذ ذلك اليوم. أحد المطالب المركزية التي طُرحت خلال المظاهرة الجبارة التي سارت في مجد الكروم بعد الجريمة بأيام قليلة، بمشاركة نحو 30 ألف شخص، كان: إغلاق محطة الشرطة في القرية. المحطة نفسها التي تباهى حيوت بها كثيرًا. متظاهرون كثيرون قالوا إن هذه المحطة، مثل محطات الشرطة الأخرى التي أقيمت في البلدات العربية خلال السنوات الأخيرة، تساهم في زيادة الجريمة وتفشيها بالذات، بدلاً من تقليلها ومحاصرتها.

فهل إقامة محطات الشرطة في البلدات العربية هي الحل لمحاربة الجريمة ومحاصرة العنف، إذن، كما ادعى قائد محطة الشرطة في مجد الكروم، وكما ادعت الحكومة التي قررت إقامة سبع محطات جديدة للشرطة في البلدات العربية خلال العام 2005 وحده؟

المعطيات المفاجئة التي نوردها هنا تعرض صورة عكسية تمامًا، تقريبًا: في غالبية البلدات العربية التي أقيمت فيها محطات للشرطة خلال السنوات الأخيرة، ازداد عدد جرائم القتل بدل أن ينخفض. لذا، فإن إقامة محطات الشرطة في البلدات العربية، كما تبيّن المعطيات، ليست وصفة سحرية لمواجهة الجريمة والعنف والحد منها.

ولكن، ثمة شخصيات جماهيرية، ضباط شرطة متقاعدون ومحققون فلسطينيون في إسرائيل يقولون ما هو أكثر من هذا: في الوضع الحالي، محطات الشرطة في البلدات العربية تعود بالضرر وتساهم في تصاعد العنف واتساعه، بدلاً من خفضه وتضييق رقعته. والهدف من وراء هذه المحطات، كما يقول بعض هؤلاء، هو "حبس" العنف في داخل البلدات العربية ومنعه من الانتقال إلى البلدات اليهودية.

رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، محمد بركة، حادٌّ جدا في معارضته لمحطات الشرطة في البلدات العربية، إذ يقول "أنا ضد إقامة محطات الشرطة"، يوضح "لأن هدفها هو ليس الحفاظ على الأمن حقًا. أنظري إلى أم الفحم، مثلاً: أقاموا محطة للشرطة هناك ولم يقلّ العنف والإجرام. كنا في لقاء مع الشرطة قبل بضعة أسابيع، لكنّ حكروش (النقيب جمال حكروش، النقيب العربي الأول في شرطة إسرائيل، الذي كُلِّف برئاسة مديرية تحسين الخدمة للعرب - س. ع.) لم يكن حاضراً. سألت عن السبب فأجابوا، بصراحة، بأنّ مهمته ووظيفته ليس محاربة العنف، وإنما إقامة محطات جديدة للشرطة وتجنيد مسلمين للانخراط في سلك الشرطة. الهدف من هذه المحطات هو تجنيد أبنائنا وبناتنا لقوات الأمن وللخدمة القومية (المدنية).

ولكن، ليس بركة وغيره من السياسيين وحدهم هم الذين يحملون هذا والرأي ويضعون هذا التقييم. ثمة أيضًا ضباط سابقون في الشرطة يعتقدون بأن لا حاجة لمحطات الشرطة في الوضع الراهن. المحامي نبيل ضاهر، الذي خدم في سلك الشرطة طوال 28 عامًا، أشغل فيها مناصب ومهمات مختلفة من ضمنها ضابط تحقيقات في الناصرة، طبرية ومسغاف، ويعمل اليوم في القطاع الخاص، يقول إن "محطات الشرطة في القرى العربية هي مجرد زينة. أقمنا محطات للشرطة لكن العنف يزداد. لو سُئلت، لأوصيتُ بعدم تقديم شكاوى إلى الشرطة اليوم، بل التوجه إلى أقسام الخدمات الاجتماعية أو إلى لجان الصلح وإنهاء قضايا الخلافات أو النزاعات. الشرطة اليوم هي مجرد ديكور، تعمل في إطفاء الحرائق فقط. حين يقع شجار في قرية ما، يمرّ وقت طويل حتى يتم تجميع القوات اللازمة. لو كانت سيارة شرطة في مجد الكروم، لكان بالإمكان منع القتل، ربما".

مظاهرة في الناصرة ضد تواطؤ الشرطة في مواجهة الجريمة (تصوير: أورن زيف - سيحا مكوميت)

كذلك الرقيب ميشيل حداد، رئيس قسم الجرائم في قيادة منطقة "دان" سابقًا والذي اشتهر بحل لغز جريمة قتل ميلا ميلفسكي، يحمل رأياً كرأي ضاهر. "لا حاجة إلى محطات شرطة في داخل البلدات العربية. ليس في هذه المرحلة على الأقل. يجب أن تكون هذه المحطات خارج البلدات. في الداخل، هي سبب تعطيل فقط. حين ينشأ احترام متبادل، سيكون بالإمكان إقامة محطات للشرطة في داخل البلدات العربية. ينبغي ألا يخاف المواطن من الدخول إلى الشرطة. يجب أن يفهم الناس أن الشرطة ليست عدوة الشعب، وإنما هي عون للضحية".

تبيّن المعطيات، كما ذكرنا آنفًا، أن الرأي القائل بأن محطات الشرطة لا تقلل من نسبة جرائم القتل هو الرأي الصائب. وفي مجد الكروم، حيث انطلقت موجة الاحتجاج، تدل المعطيات على حصول ارتفاع في أعمال العنف والجريمة منذ إقامة محطة الشرطة وافتتاحها في البلدة. فطبقًا لمعطيات مركز "أمان"، خلال السنوات الخمس التي سبقت افتتاح محطة الشرطة في البلدة، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، قُتل في البلدة أربعة أشخاص ـ اثنان جراء إطلاق نار، الثالث طعناً بسكين والرابع بطريقة "غير معروفة". أما منذ افتتاح محطة الشرطة، فقد قُتل ثلاثة أشخاص بإطلاق نار.

في أم الفحم، كما نوّه بركة، المعطيات أكثر وضوحًا وتأكيدًا. فقد أقيمت محطة الشرطة في المدينة في العام 2014، وطبقًا لمعطيات مركز "أمان"، سُجلت في المدينة في العام 2012 ثلاث جرائم قتل، لم تكن أي منها بإطلاق نار. وفي العام 2013، سُجلت أربع جرائم قتل، كانت اثنتان منها بإطلاق نار. وفي العام 2014، السنة التي افتُتِحت فيها محطة الشرطة في المدينة، وقعت جريمتا قتل بإطلاق نار. وفي العام 2015، لم تقع أية جريمة قتل. ثم بدأ الارتفاع الحاد: ثلاث جرائم قتل في العام 2016، جميعها بإطلاق نار. ثلاث جرائم قتل في العام 2017، اثنتان منها بإطلاق نار. وفي العام 2018، وقعت في المدينة ليس أقل من سبع جرائم قتل، جميعها بإطلاق النار. وفي العام 2019، وقعت ست جرائم قتل، أربع منها بإطلاق نار. والحصيلة: 19 قتيلاً في أم الفحم منذ افتتاح محطة الشرطة في المدينة، أي بمعدل 4 جرائم قتل في السنة، مقابل أقل من ثلاث في السنة، قبل إقامة محطة الشرطة.

تشير المعطيات إلى ارتفاع كبير في معدّلات الجريمة في قرية كفركنا أيضًا. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 افتُتحت محطة الشرطة هناك. بحسب معطيات مركز "أمان"، سُجلت في البلدة خلال العام 2012 جريمتا قتل، في العام 2013 جريمة قتل واحدة، ثم في العام 2016 جريمتا قتل، وفي العام 2017 ـ السنة التي تم فيها افتتاح محطة الشرطة في البلدة ـ ست جرائم قتل. لكن إقامة محطة الشرطة لم تمنع جرائم القتل ولم توقفها. ففي العام 2018، في السنة التالية على افتتاح محطة الشرطة، وقعت في البلدة خمس جرائم قتل؛ وفي 2019 وقعت ثلاث جرائم، أي أن البلدة انتقلت من واقع جريمتيّ قتل في السنة بالمعدل خلال السنوات ما بين 2012 و2017 (قبل إقامة محطة الشرطة) إلى أربع جرائم قتل في السنة بالمعدل، بعد إقامة محطة الشرطة في البلدة.

كذلك هو الحال بالنسبة لمحطة الشرطة الجديدة في مدينة باقة الغربية، والتي أقيمت في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 ـ لم تمنع القتل ولم توقفه، بل العكس هو الصحيح. في كل السنوات السبع التي سبقت إقامة محطة الشرطة، بما فيها سنة 2018 نفسها، سُجلت في المدينة جريمتا قتل اثنتان (واحدة في العام 2012 والثانية في العام 2018). في المقابل، سُجّلت في العام 2019 وحده ثلاث جرائم قتل، أكثر من مجموع كل جرائم القتل خلال السنوات السبع السابقة، معًا.

وفي مدينة الطيرة، افتُتحت محطة الشرطة في نيسان/ أبريل 2013، لكنها لم تؤد إلى أي تحسن في الوضع، وذلك في إحدى المدن ذات عدد جرائم القتل الأكبر في المجتمع العربي. في العامين 2012 و2013، قُتل في المدينة أربعة أشخاص، أي اثنين في كل سنة، لكن العدد ارتفع بعد ذلك بصورة حادة جداً ـ ثلاثة قتلى في العام 2014، ثلاثة في العام 2015، اثنان في العام 2017، ثم سبعة قتلى (!) في العام 2018 وأربعة قتلة في العام 2019. وفي المجموع: 19 جريمة قتل منذ إقامة محطة الشرطة في المدينة، بمعدل ثلاث جرائم قتل في السنة الواحدة، مقابل جريمتين اثنتين في السنة الواحدة قبل افتتاح محطة الشرطة.

المكانان الوحيدان اللذان شهدا تراجعًا في عدد جرائم القتل هما قريتا جسر الزرقاء وعرعرة النقب. في عرعرة (النقب)، افتتحت محطة الشرطة في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، ومنذ ذلك اليوم لم تُسجل أية جريمة قتل، مقابل أربع جرائم قتل بين 2012 و2017 (جريمة قتل واحدة في كل واحدة من السنوات 2012، 2014، 2015 و2017).

من الصعب، أيضاً، ملاحظة الفرق بين بلدات التي فيها محطات للشرطة والبلدات التي لا محطات شرطة فيها، وبينها وبين البلدات التي فيها محطات للشرطة منذ سنوات عديدة. في اللد، على سبيل المثال، هناك محطة للشرطة منذ عهد الانتداب البريطاني، وهو ما لم يحُل دون احتلال المدينة المكان الأول في قائمة البلدات العربية في عدد جرائم القتل، إذ وقعت فيها ليس أقلّ من 30 جريمة قتل منذ العام 2012، من بينها ثماني جرائم في العام 2019 وحده. وفي يافا، التي فيها محطة للشرطة بالطبع، وقعت في العام 2019 وحدت خمس جرائم قتل.

ليس ثمة أي إثبات على أن عدد جرائم القتل في البلدات التي لا توجد فيها محطات للشرطة فيها أكبر منه في البلدات الأخرى، التي فيها محطات للشرطة. في كفر برا مثلاً، حيث لا محطة للشرطة، وقعت خلال الفترة من 2012 حتى 2019 أربع جرائم قتل. وفي جلجولية، التي لا محطة للشرطة فيها أيضاً، سُجّل ارتفاع في عدد جرائم القتل خلال السنتين الأخيرتين (ثلاث في العام 2018 وثلاث في العام 2019)، غير أن هذه الوتيرة لا تختلف عمّا هي عليه في بلدات أقيمت فيها محطات للشرطة خلال السنوات الأخيرة، مثل كفر قاسم أو كفر كنا مثلاً.

من الصعب، بالطبع، إثبات وجود علاقة سببية بين إقامة محطات الشرطة وبين الارتفاع في عدد جرائم القتل، إلا أنه من الصعب دحض حقيقة أن المعطيات تبيّن، بصورة واضحة وقاطعة، أن إقامة محطات الشرطة ليست هي الحل، إطلاقاً.

حالة مجد الكروم مثيرة في هذا السياق. فمحطة الشرطة فيها افتُتحت في كانون الأول/ ديسمبر 2017، بعد معارضة حادة من سكان القرية ورئيس المجلس المحلي، عبروا عنها، أيضاً، بمظاهرة كبيرة نظموها ضد إقامة محطة للشرطة في القرية. ورغم ذلك، أقيمت المحطة وافتُتحت في البناية الأعلى ارتفاعًا في القرية ـ وهي بناية مكونة من خمسة طوابق كانت معدّة لتكون بيتًا للمسنين ـ يخدم فيها نحو 80 شرطيًا!

"كنت معارضاً لإقامة محطة الشرطة، لأنه لا ثقة لنا بالشرطة"، يقول رئيس المجلس المحلي، سليم صليبي. "علاقتنا بالشرطة هي علاقة عدم ثقة، منذ عشرات السنين. محطة الشرطة لا تعدو كونها ديكورًا تريد الشرطة به ومنه أن توصل لنا رسالة تقول: ’ها نحن نعمل!’ ربما كانت لديها نية لتسحين صورتها في نظرنا وإعادة الثقة، لكن هذا لم يحصل. المواطن العربي يعتبر الشرطة أداة قمع واضطهاد والشرطة تعتبر العرب أعداء".

"نحن في مجد الكروم، عارضنا إقامة محطة للشرطة لأننا كنا نعرف، من التجربة، أن محطة الشرطة لن تؤدي إلا إلى زيادة العنف وتوسيعه"، يقول المحامي حسن مناع، ابن القرية، الذي يعمل منذ 20 عاماً في المجالين الجنائي والأمني. "نظرنا إلى أماكن أخرى، فرأينا أن أحداث العنف قد ازدادت. وهذا ما حصل عندنا أيضًا. منذ افتتاح محطة الشرطة في قريتنا، ازدادت حالات إطلاق النار والعنف واستخدام السلاح".

"يلوموننا على أننا لا نتعاون مع الشرطة"، يضيف المحامي مناع، "لقد قالوا لشخص كنت أترافع عنه إنه إذا لم يبلغ عن أسماء المشتبه بهم الذين أطلقوا النار على منزله، فلن يستطيعوا معالجة الملف. أي منطق هذا؟ هذه هي وظيفتهم هم ـ أن يعرفوا هوية مطلق النار، وليست وظيفتنا نحن التحقيق وتزويدهم بالمعلومات. لا ثقة لنا بالشرطة وكذلك هي لا ثقة لها بنا. هي تتعامل معنا كأعداء، كخطر أمنيّ. وما دام العنف بعيداً عنهم ولا يمسّهم، وطالما أن السلاح موجه ضد العرب فقط ـ فهذا وضع جيد لهم. أن ننشغل ببعضنا بعضاً ونبتعد عن السياسة".

رجل آخر يسكن بالقرب من محطة الشرطة (فضل عدم الكشف عن هويته)، لكن هذا لا يمنحه أي شعور بالأمن. بل العكس تماماً. "خلال الأشهر الأخيرة، نسمع بشكل يومي أصوات إطلاق الرصاص تأتينا من منطقة خالية تقع بمحاذاة مركز الشرطة. هي مجموعات من المجرمين تأتي للتدرب على استخدام السلاح وإطلاق النار". أما الشرطة، يضيف، فلا تحرك ساكنًا ولا تفعل أي شيء، رغم أن موقع "التدرب" هذا هو تحت شبابيكها مباشرة. "لا عجب، إذن، أن ثلاثة شبان قد قُتلوا على بعد سفر ثلاث دقائق فقط من محطة الشرطة"، يقول.

حتى حين تكون هناك محطة شرطة في البلدة، وحتى حين يحضر إليها مواطنون لتقديم شكاوى، فهذا لا يساعد حقاً. سميرة الحاج يحيى، ابنة مدينة الطيبة، هي صحافية تغطي مجال الجنائيات في إذاعة "الشمس" منذ 16 سنة. تقول سميرة إنها تلقت تهديدات بعد تقرير أعدته عن تجار مخدرات في مدينتها. "في يوم حفل زفاف ابني"، تستذكر، أتاني شخص ما وقال لي: "احذري، أنت تعرفين ما أستطيع أن أسببه لك؟". فقدت صوابي من الخوف. عرفت الشخص الذي هددني. تقدمتُ بشكوى إلى الشرطة، لكنها لم تفعل شيئاً. هم (الشرطة) يتحدثون عن أن العرب لا يتعاونون معهم، لكن أنا ساعدتُ الشرطة في الوصول إلى مجرم كان يهددني، لكنهم لم يفعلوا أي شيء، بل لم يحققوا معه حتى. سألتُ الشرطة عما حصل، فأجابوني: "نحن نعمل"، ثم بعد فترة من الزمن أغلقوا الملف. توجهت إلى وحدة التحقيق مع رجال الشرطة (ماحاش) قبل بضعة أشهر وتقدمت بشكوى على خلفية إغلاق الملف، لكنني لم أتلق ردًا حتى الآن". وعقبت الشرطة على هذا الموضوع بالقول: "قُدِّمت شكوى ومع انتهاء التحقيق فيها، تقرر إغلاق الملف".

مثل هذه الشهادة، يقدمها أيضًا د. وليد حداد، المختص في علم الإجرام والذي يقيم في مدينة شفاعمرو التي فيها محطة للشرطة منذ عهد الانتداب البريطاني. في أيلول/ سبتمبر 2018 تم إحراق المدرسة التي تعمل فيها زوجته. "بحكم مهنتي، اهتممتُ أن تنصب كاميرات على بناية المدرسة"، يقول. "لم نعثر على الكاميرات فتوجهنا إلى الجيران، الذين لديهم، هم أيضاً، كاميرات منصوبة فوق المدرسة. رأينا السيارة واستطعنا التحقق من رقمها، بل رأينا في شريط التصوير أيضًا وجه الشخص الذي أحرق المدرسة. ماذا تريد الشرطة أكثر من هذا؟ لكن، هذا قد مرت سنة وشهران منذ ذلك الحين، إلا أن الشرطة لم تلق القبض على الفاعل، لم تستدعِ أي شخص للتحقيق ولم تقدم أي لائحة اتهام بالتأكيد. لو أن هذا الشخص نفسه أحرق مدرسة في كريات آتا، فهل كان ما زال حراً طليقاً حتى اليوم؟".

هل الشرطة هي التي لا تريد أن تعمل أم أن لديها تعليمات من فوق بألاّ تعمل؟

"لا أعرف. من التجربة والعمل في دراسة عالم الإجرام، أعلم أنه إذا كان المجرم يتعاون مع الشرطة ويشي لها بمعلومات ذات أهمية، فإنها تحذّره لئلا يكرر الفعلة مرة أخرى ولا يفتحون له ملفًا".

يؤكد حداد الادعاء القائل بأن الشرطة معنية، بالأساس، في المراقبة والضبط السياسيين وليس في حماية المواطنين العرب. "قبل بضعة أشهر، جرت مظاهرة كبيرة على شارع حيفا - الناصرة"، يقول حداد، "قام بعض الشبان بتفكيك أعمدة الكهرباء ورميها في وسط الشارع. في تلك الليلة، تم اعتقال الشبان بتهمة إتلاف ممتلكات عامة، لأن الشرطة اعتبرت الأمر مسألة أمنية. استخدمت الشرطة كاميرات التصوير التابعة لمشروع ’مدينة بلا عنف’ (المشروع الذي تم إطلاقه في العام 2004 وجرى في إطاره نصب كاميرات تصوير في بلدات مختلفة، سعياً إلى محاربة العنف - س. ع.) ليس من أجل كبح العنف، وإنما لأغراض أمنية. ولهذا، فأنا أسمي هذا المشروع ’عنف بلا مدينة’". ويروي حداد، مثلاً، أنه في المظاهرات التي جرت في شفاعمرو، كما في بلدات عربية أخرى، في صيف العام 2014، احتجاجًا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، استخدمت الشرطة الصور التي قُدِّمت بواسطة كاميرات "مدينة بلا عنف" من أجل الوصول إلى عدد من المتظاهرين واعتقالهم.

ويعبر رئيس بلدية طمرة، د. سهيل ذياب، أيضاً، عن إحباط من نتائج مشروع "مدينة بلا عنف". ورغم أن عدد الجنائيين في مدينته لا يزيد عن "عشرة شبان يحملون السلاح"، كما يقول، إلا أن ثمة حالات إطلاق نار كثيرة على الحوانيت في طمرة. "يتلقى الشاب 500 شيكل فيطلق النار على حانوت من أجل الحصول على ’الخاوة’، لأنه مال سهل"، يقول ذياب. وإضافة إلى هذا، هناك سوق سوداء ينشط فيها جنائيون يعطون قروضًا ويطلقون النار على المواطنين الذين يتأخرون في تسديد دفعات هذه القروض. "قبل بضع سنوات، انضممنا إلى مشروع ’مدينة بلا عنف’، لكن هذا لم يوقف العنف"، يقول. "هذا ليس ناجعًا تمامًا، لأن الميزانية تتوزع بطريقة غير سليمة. لدينا الآن نحو 50 كاميرا فقط، وهو عدد لا يُذكر لمدينة كبيرة مثل طمرة. في كرميئيل مثلاً، هناك 400 كاميرا وفي عكا 600".

سواء توفرت الكاميرات أم لا، فإن القوى البشرية في محطات الشرطة ليست كافية لمواجهة التحديات، في كل الأحوال. نبيل ضاهر يعرف هذه الحقيقة عن كثب. "إذا ما ذهبت إلى أية محطة شرطة بعد الساعة الخامسة، فلا يمكنك إلا أن تعدّي مصابيح الكهرباء فقط. هناك محقق مناوب أو اثنان، رجلا تحريات ورجلا دوريات، أي أربعة أو ستة رجال شرطة بالمجموع. كيف يمكن أن يكون هذا العدد كافيًا للتحقيق وتطبيق القانون في مدينة مثل الناصرة وضواحيها، أو في قرية كفر كنا أو في كفر مندا أو في شفاعمرو وطمرة؟".

المحامي حمودي مصري، الذي يترافع عن كثيرين من أعضاء منظمات الإجرام، مقتنع بأن عدم تطبيق القوانين هو سياسة مقصودة. "الشرطة تعرف تمامًا من الذي بحوزته قطعة سلاح، نوعها ومكانها، بالضبط"، يقول. "قبل بضع سنوات، قتل عربيّ يهوديًا في مدينة حيفا. أعلنوا أن القتل جرى ’على خلفية قومية’"؛ ألقوا القبض على القاتل بسرعة مذهلة. استخدموا كل الوسائل، بما فيها الكاميرات والقمر الاصطناعي وتعقب الهاتف وأطلقوا طائرات مروحية فوق حي الحليصة، أغلقوا الحي، اعتقلوا عشرين شخصًا، عثروا على أسلحة مخبأة في المخازن. فلماذا لم يواصلوا التفتيش، إذن؟ ما داموا قد بدأوا بتمشيط الحي، فليكملوا التمشيط حتى النهاية وليُخرِجوا كل الأسلحة منه، ثم ليواصلوا إلى منطقة ’تشيك بوست’ ثم إلى قريتيّ بسمة طبعون وإبطن. في اللحظة التي تكون فيه الاستخبارات جيدة، يستطيعون القبض على كل الجنائيين وكل الأسلحة".

المحامي رسول سعدة، مدير مشروع "مجتمعات آمنة" في "مبادرات أبراهام"، الذي يركز على مكافحة العنف والجريمة، يرى جانبًا إيجابيًا في محطات الشرطة، رغم كل شيء. "إقامة محطات الشرطة هي خطوة هامة، لكن ليس لمحاربة إطلاق النار. ففي الأماكن التي أقيمت فيها محطات للشرطة، هناك انخفاض في العنف من الدرجتين 1 و 2، أي هناك عنف أقل في الشوارع، عدد أقل من التركتورات الصغيرة في داخل البلدات، هناك نظام في حركة السير، السائقون يضعون أحزمة الأمان، هناك بلاغات أكثر عن العنف داخل العائلة. بسبب منالية الشرطة وخدماتها، هناك ردع عام. لكن هذا ليس للإجرام المنظم، لأن المجرمين لا يعملون حسابًا للشرطة".

يقول سعدة إنه من الصعب جدًا، على أية حال، الاعتماد على معطيات الشرطة. في المجتمع العربي، يقول، لا يتم التبليغ عن حالات إطلاق النار؛ "من يبلّغ عن إطلاق النار في أم الفحم هم الجيران اليهود من المنطقة". حول طمرة، مثلاً، ليس ثمة بلدات يهودية، ولذلك فإن المعطيات عن حالات إطلاق النار فيها هي أقل بكثير..

وبحسب ما يقوله سعدة، المكان الوحيد الذي كانت فيه محطة الشرطة مفيدة حقًا ونجحت في اجتثاث الجريمة والعنف هو قرية جسر الزرقاء. والمعطيات تؤكد ذلك. أدرك قائد محطة الشرطة هناك، كما يقول سعدة، أن عليه التعاون مع رئيس المجلس المحلي، أن ينزل إلى الشارع وإلى المقاهي وأن يتحدث مع الناس. وبالإضافة إلى ذلك، هنالك سيارة شرطة تتجول في القرية كل الوقت. كما أن حقيقة كون جسر الزرقاء قرية معزولة ولا منفذ للهروب منها قد ساعدت كثيرًا.

مظاهرة في وادي عارة ضد تواطؤ الشرطة (تصوير: أورن زيف - سيحا مكوميت)

هناك مكان آخر سُجّل فيه انخفاض في معدلات الجريمة هو الطيبة، كما يقول سعدة، رغم أنه لا محطة للشرطة هناك. رئيس البلدية، شعاع منصور، يضيف سعدة، "عمل على طريقة (رودي) جولياني في نيويورك ـ استخدم طريقة ’النوافذ المكسورة’. فقد كانت البلدة القديمة في الطيبة وكرًا للجنائيين. بدأ منصور بتنظيم سوق رمضان (رمضان ماركت) في الأعياد، ثم بأعمال ترميم، وضع مصابيح إنارة وكاميرات، وبدأ الناس يتوافدون إلى ’السوق’. أما الجنائيون الذين كانوا يسببون المشاكل، فقد عيّنهم منظِّمين في ’السوق’ مما أشعرهم بالانتماء إلى المكان وبالاحترام بين الناس، فاستطاع دمجهم في الحياة الاجتماعية العامة من جديد".

لكن الطيبة وجسر الزرقاء هما الاستثناء الذي يثبت القاعدة، كما يوضح سعدة. "في الأماكن الأخرى التي أقيمت فيها محطات للشرطة هناك ارتفاع في معدلات العنف والجريمة". القرار بشأن إقامة سبع محطات جديدة للشرطة في بلدات عربية، يقول سعدة، مرتبط بقرار الحكومة رقم 922 بشأن الاستثمار في المجتمع العربي. وحتى قبل القرار بشأن الخطة في نهاية العام 2015، ثم بعده بدرجة أكبر أيضاً، أدركت الدولة أنها ملزمة بتحسين أوضاع العمل والتشغيل في المجتمع العربي من أجل ضمان النمو الاقتصادي في إسرائيل كلها. "أدركوا أنهم لا يستطيعون تغيير أي شيء إذ لم يتمتع الناس بالشعور بالأمن والأمان"، يقول سعدة، "لكنهم اختاروا الطريق الأسهل: إقامة محطات للشرطة وتجنيد شرطيين عرب".

لا يعارض وليد حداد، مبدئيًا، إقامة محطات للشرطة في البلدات العربية. وهو يتفق مع سعدة على أن الشرطة تساعد في مكافحة مخالفات السير، مثلاً، لكنه يبدي تخوفًا عميقًا من أن يتم إغراق البلدات العربية برجال الشرطة، كما هو مقترح الآن. وهو يعتبر ذلك بمثابة عودة إلى أيام الحكم العسكري. "الشرطة تتعامل بعنصرية تجاهنا، أصلاً"، يقول، "وستزداد معاناتنا بألف ضعف". أما الحل، برأيه، فهو إنشاء سلطة حكومية لمحاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي، بالتعاون مع باحثين ومختصين من المجتمع العربي ومع ممثل عن لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل، بحيث يكون عضوًا في مجلس إدارة هذه السلطة. وهذا، إلى جانب ما تقوم به الشرطة، بالطبع. "نحن أدرى باحتياجاتنا"، يقول.

ويعتبر المحامي رضا جابر، مدير مركز "أمان" لمجتمع آمن، أن الحديث يدور هنا حول مسألة السيطرة، بالأساس. طالما بقي العنف والإجرام في داخل البلدات العربية، فهو "شرعي"، أما حين يخرج إلى خارجها، فعندئذ يصبح "مشكلة". "قبل بضعة أشهر، نُشر شريط مصور يبدو فيه شبان في سيارة يطلقون النار في الهواء في شارع بين مدينة رهط وبلدة يهودية في جنوب البلاد"، يستذكر جابر؛ في اليوم التالي، عقد (وزير الأمن الداخلي، غلعاد) إردان لقاء خاصًا في مدينة بئر السبع وطالب بـ "استعادة السيطرة" على المحاور الرئيسية والمواصلات في النقب. وكانت الرسالة التي أطلقها الوزير أنه ينوي حماية المجتمع اليهودي من المجتمع العربي العنيف.

ويرى جابر أن هذه هي الرسالة ذاتها التي يتلقاها رجال الشرطة في محطات الشرطة في البلدات العربية، أيضاً. "في اللحظة التي يقول فيها إردان إن المجتمع العربي هو مجتمع عنيف، فمعنى هذا أنه يوجّه رسالة إلى الشرطي في محطة الشرطة في كفر قاسم أو في الطيبة مفادها أنه ليس مهمًا على الإطلاق ما يفعله أو لا يفعله، لأن المشكلة هي في عقلية المجتمع العربي، العنيف. وهي رسالة إلى رجال الشرطة هؤلاء بأنهم موجودون هناك (في البلدات العربية) لمراقبة وضبط العنف والجريمة كي لا يتجاوزا حدود البلدات والأحياء العربية".

تعقيب شرطة إسرائيل:

"خلال الفترة بين 2016 و2019، رصدت وزارة الأمن الداخلي، بصورة تدريجية، مبلغًا قيمته 882 مليون شيكل لتعزيز وتعميق خدمات الشرطة في الوسط العربي فقط، وذلك كإضافة على ميزانية الشرطة الأساسية المرصودة لمعالجة الجريمة في الدولة كلها، على الرغم من التقليصات التي أجرتها وزارة المالية. ومن هذا المبلغ كله، تم رصد 640 مليون شيكل للتكاليف الجارية و242 مليون شيكل لاستثمارات لمرة واحدة واقتناء وسائل مختلفة ودورات تأهيلية.

كذلك، أضيفت مئات الملاكات، غالبيتها في الوسط العربي وتم تجنيد أكثر من 600 شرطي وشرطية من المجتمع العربي في صفوف شرطة إسرائيل، غالبيتهم للخدمة في البلدات العربية والبلدات المختلطة.

خلال تلك الفترة، أقيمت ست محطات جديدة للشرطة (في كل من: كفر كنا، مجد الكروم، طمرة، باقة الغربية، كفر قاسم، عرعرة النقب)، وأقيمت خَمس نقاط جديدة للشرطة (في كل من: جديدة -المكر، طوبا الزنغرية، جسر الزرقاء، كفر مندا والمغار)، كما تم تعزيز محطات الشرطة القائمة (في أم الفحم، الرملة، رهط وغيرها).

ونشير إلى أن إقامة محطات الشرطة أدت إلى ارتفاع ثقة الجمهور. والدليل: قبل إقامة محطة الشرطة في كفر كناـ كانت ثقة الجمهور بمستوى 42%، بينما تبلغ اليوم 52%. قبل إقامة محطة الشرطة في مجد الكروم، كانت ثقة الجمهور بمستوى 33%، بينما تبلغ اليوم 46%".