72 عاما على النكبة: صمود رجال الحصن 1948 (28/1)

72 عاما على النكبة: صمود رجال الحصن 1948 (28/1)
قوّات عربية في النكبة (أ ب)

(أهدي هذه السلسلة لروح صديقي المرحوم هاشم حمدان، الذي كان له الدور الأكبر في تشجيعي على الاستمرار بكتابتها)


قصة احتلال مركز شرطة عراق سويدان 1948

من نافل القول إن الجيش المصري مني بهزيمة قاسية في حرب 1948، وهو بهذا لا يختلف عن باقي الجيوش العربية، والتي وإن حقّقت إنجازات هناك وهناك في بداية الحرب، إلا أنّها هزمت في النهاية، حيث أن فلسطين احتلت وتعرض سكانها العرب للطرد والتهجير. لكن، ورغم هزيمته المرّة، إلا أنّ جنوده كانوا قد حاربوا ببسالة منقطعة النظير وإن عجزوا عن النصر. أسباب هزيمتهم كانت تكمن في قيادتهم السياسية التي لم تكن لديها البصيرة الصحيحة بحيث تؤدي دورها في التنسيق وقيادة الدول العرب التي شاركت في الحرب، كذلك فشلت هذه القيادة في تزويد جيشها بالعدة والعتاد العسكرييّن المطلوبين من أجل حرب شرسة طويلة الأمد. أما السبب الآخر للهزيمة، فكان افتقار قيادتهم العسكرية للتجربة الحربية، حيث افتقدت هذه القيادة التخطيط السليم وإدارة المعارك القوية في مواجهة عدو يمسك بزمام الأمور ويدير الجولات ضد الجيش المصري وفق خطط عسكرية واضحة.

اشتهر الجيش المصري، والمتطوعون الذين رافقوه من السودان والسعوديين والفلسطينيين، بإجادتهم الأسلوب الدفاعي في حرب 48، مما كبد الجيش الصهيوني خسائر فادحة في معارك كثيرة خلال الحرب، من خلال محاولات فاشلة من أجل احتلال مواقع يسيطر عليها الجيش المصري، مما تسبب له، أي الجيش الصهيوني، بهزائم مرّة بل وقاسية أحيانا. وحتى عندما كان الصهاينة يحققون نجاحا ما، أو يفلحوا في احتلال موقع معين أو أكثر من المواقع التي يسيطر عليها الجيش المصري، فإنّ ذلك كان يتم بعد بذل جهد كبير، مستعينين بقوات كبيرة، وهجمات نارية كثيفة، يوفرها لهم تفوقهم العسكري في العدة والعدد والعتاد.

في هذه الحلقة سنتطرق إلى أحد المواقع، ألا وهو مركز شرطة عراق سويدان، الذي وقف في وجه سبع هجمات صهيونية شرسة خلال ستة أشهر، وكبّد القوات المهاجمة خسائر فادحة، ولم يسقط إلا بعد الهجوم الثامن، حيث تمت مهاجمته من قوات كبيرة من المدرعات والمدافع والجنود الراجلة، دون أن تكون هناك أيّة إمكانية لنجدة هذا الموقع المحاصر، حيث أنّ هذه المعركة الفاصلة كانت في الفترة الأخيرة للحرب، حيث كان وضع الجيش المصري متأزمًا، وقسم كبير من جنوده محاصرا في جيب الفلوجة الذي سنلقي الضوء عليه في حلقات قادمة (كذلك انظر/ي الحلقات 26/1 حتى 26/4 عن حملة "يوآڤ" وبدء الحصار على الفلوجة).

السير تيغارت وبناء حصون الشرطة في فلسطين

مركز شرطة عراق سويدان هو جزء من مشروع مكون من 69 مركز شرطة محصنا بحيث أطلق على هذه المراكز اسم الحصون بسبب أنّها بنيت خصيصا لتكون كذلك، وهي موزعة على جميع مناطق فلسطين التاريخية، ما عدا في المدن الكبيرة مثل حيفا والقدس ويافا وتل أبيب. وكانت بريطانيا قد قامت ببناء هذه القلاع بناءً على اقتراح من السير تشارلز أغسطس تيغارت، الذي قدم خصيصًا من الهند، من أجل تقديم استشارة وحل لحكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، يوفر لها سيطرة كاملة بواسطة جهاز الشرطة، في حال وجود اضطرابات أو انتفاضات شعبية كبيرة.

وبعد سنة تقريبا من انطلاقة الثورة الفلسطينية الكبرى التي استمرت ثلاث سنوات (1936-1939)، دعا وزير المستعمرات البريطاني، أورموسبي غور، السير تيغارت من الهند، حتى يطلع على أوضاع الشرطة البريطانية في فلسطين ويقترح حلا يجعلها قادرة على أن تسيطر على الأوضاع الأمنية وتقمع الثوار العرب، وتحل في ذلك مكان الجيش البريطاني الذي استلم زمام الأمور خلال الثورة، ودخل إلى القرى والمدن المشتعلة من أجل إخماد لهيب الثورة، التي كانت تستهدف مراكز الشرطة الموجودة في المناطق العربية، وتقوم بإحراقها تارة، وتسيطر على أسلحتها تارة أخرى. وبالفعل، قام تيغارت بزيارتين إلى فلسطين، الأولى من شهر كانون ثانٍ/ديسمبر 1937 حتى شهر حزيران/يونيو 1938، والثانية ابتدأت في شهر أيلول/سبتمبر 1938 واستمرت حتى أيار/مايو 1939. خلال الزيارتين، درس تيغارت المشاكل السياسية القائمة في فلسطين، وأجرى مقابلات عديدة مع كافة المستويات، من المندوب السامي وحتى رجال شرطة عاديين، واستعان برجال المخابرات البريطانية، وترأس لجنة خاصة بحثت أوضاع الشرطة في فلسطين، وفي 24 كانون أول/يناير 1938، قدّم تقريره الأول الذي يفصّل فيه كيفية معالجة المشاكل الأمنية التي تواجهها بريطانيا مع العرب بسبب انحيازها للمشروع الصهيوني، وشمل التقرير، أيضًا، الوسائل التي من خلالها يمكن تطوير وتحسين وضع الشرطة.

بقي أن نذكر هنا أن تيغارت كان رئيسا لشرطة كلكتا في الهند، منذ سنة 1923 حتى سنة 1931، حيث استقال بمبادرته الشخصية، وكان يعتبر شرطيًا كولونياليًا نموذجيًا، واستعمل أساليب قاسية جدا في التحقيقات وقمع السكان الأصليين، وما زالت أساليبه سرية حتى الآن في وجه المؤرخين، وقد عرّضته هذه الأساليب إلى ست محاولات اغتيال فاشلة.

جدار الشمال وحصون تيغارت

كانت توصيات تقرير تيغارت الأول متماهية تماما مع شخصيته الكولونيالية. من ناحية أخرى كان هذا الجنرال "مؤمنًا" بالفكرة الصهيونية ولذلك كان تقريره أساسا ضد العرب الفلسطينيين. اقتراحه الأول كان يقضي بضرورة بناء سياج من أسلاك شائكة على الحدود الشمالية لفلسطين مع سورية ولبنان، وذلك لمنع وصول الأسلحة والمناضلين العرب من الخارج. سمي هذا السياج بجدار تيغارت، وكان طوله 89 كم، وامتد من نهر اليرموك إلى بحيرة طبرية، ومن شرطة الطابغة (عند البحيرة) حتى شارع المطلة، ثم يمتد الجدار على طول شارع المطلة وحول بحيرة الحولة حتى النبي يوشع، ومن عين المالحة (القريبة من النبي يوشع) حتى البصة. وقد تم تنفيذ بناء الجدار خلال ثلاثة أشهر من أيّار/مايو وحتى تموز/يوليو عام 1938. وقامت بتنفيذ المشروع شركة سوليل بونيه، التّابعة لمنظمة الهستدروت الصهيونية، بعد أن جنّدت للمهمة أكثر من ألف عامل و300 حارس، 200 منهم تلقوا رواتبهم من الحكومة.

أما اقتراحه الثاني، فكان أن يتم بناء سبع حصون للشرطة في شماليّ فلسطين، حتى تستطيع هذه أن تمنع أي دخول لأي عناصر "معادية" من خلف الحدود، وبنيت هذه الحصون السبع في القرى التالية: طربيخا وسعسع والنبي يوشع والبصة والصالحة ومجد الكروم والرامة، وتم بناؤها كلها عام 1938.

في تقريره الثاني، تناولت لجنة برئاسته موضوع مراكز الشرطة وأماكن سكن عناصرها. وفي 4 نيسان /أبريل 1939، قدّمت اللجنة توصياتها للمندوب السامي ببناء العشرات من مراكز الشرطة المحصنة، والتي تتمكن من إعادة سيطرة "المحطة" (محطة الشرطة) والتي فقدت خلال الثورة، ورأى تيغارت أن هذه الحصون يجب أن تكون مسكنا لعناصر الشرطة، لأن الشرطي لا يستطيع أن يشارك في قمع جمهور القرى والمدن الذي يعيش بينه، حيث أن تيغارت أراد أن يكون قسم كبير من عناصر الشرطة من العرب، على أن تكون الأغلبية يهودية والقيادة بريطانية.

وبناء على توصيات تيغارت، تم بناء 55 مركز شرطة في أنحاء فلسطين، خلال 19 شهرا فقط، واكتمل بناء مركز الشرطة الأخير من بين هؤلاء في شهر آب / أغسطس 1941. التكلفة الإجمالية لبناء هذه الحصون كانت 2،2 مليون ليرة فلسطينية، استعمل فيها 5 مليون طن حديد، وأقيمت على 1400 دونم. في ما بعد، وفي العامين 1942-1943، بنيت 7 حصون أخرى، وبذلك يصل العدد الإجمالي لحصون تيغارت في فلسطين إلى 69 حصنًا، وقد نفذ بناء كل الحصون بواسطة شركة المقاولات الصهيونية سوليل بونيه ومقاولين يهود آخرين.

فكرة طريقة بناء هذه الحصون تم التوصل إليها بعد أن وصلت للسير تيغارت صورة من الجو لمركز الشرطة الصحراوي في وادي رام شرقي الأردن، الذي بني حسب توصية غلوب باشا، الذي أحضر إلى الاْردن عام 1930 من أجل إعادة بناء الجيش الأردني.

جميع مراكز الشرطة، بجميع نماذجها الخمسة، أقيمت على مرتفع بعيدًا عن أماكن السكن، ويجب أن يكون المركز مكشوفا بحيث يتمكن المتواجدون فيه أن يكتشفوا أي هجوم من بعيد، ويجب على مركز الشرطة، أيضًا، أن يكون قريبًا من الشارع الرئيسي، بحيث يكون له مدخل خاص.

تقرر أن تبنى المراكز بستة نماذج مختلفة: 1. محطة ريفية تحتوي على مركز المقاطعة، 2. محطة ريفية تضم مركز المنطقة، 3. مركز للمنطقة، 4. محطة مدنية، 5. محطة ريفية، 6. مركز شرطة. لجميع المراكز بنماذجها المختلفة، كان هناك مدخل واحد، وبرجا حراسة يقعان في زاويتين متباعدتين عن بعضهما، ونوافذ المركز بنيت بطريقة خاصة تمنع أي كان من إطلاق النار إلى داخل المبنى. أما المدخل الرئيسي فكان من الحديد، وفيه قفل كهربائي يمكن تفعيله وتشغيل أجهزة الإنذار، بواسطة الضغط على زر موجود عند شرطي الاستقبال. وزوّدت مراكز الشرطة بخزانات مياه كبيرة على السطح، ومولدات كهربائية. وعلى بعد مئة متر تقريبا تم بناء أسلاك شائكة لإبطاء أي هجوم على مركز الشرطة ناهيك عن الجدار الإسمنتي المسلح.

الهاغاناة تعتبر حصون تيغارت هدفًا إستراتيجيًا

كان لحصون تيغارت أهمية كبيرة في التخطيط الصهيوني لحرب 48، وحدّدت القيادة العسكرية الصهيونية إستراتيجيتها في ثلاث مسائل هامة تساعدها على كسب الحرب: السيطرة على الطرق من أيدي المناضلين الفلسطينيين، وبقاء المستعمرات الموجودة في وجه أي هجوم عربي ضدها، واحتلال الحصون والعمارات الإستراتيجية وخاصة مراكز الشرطة وحصون تيغارت.

لذلك، عندما بدأ الجيش البريطاني بإخلاء مواقعه والانسحاب من فلسطين، في بدايات العام 1948، اعتبرت منظمة الهاغاناة مسألة السيطرة على مراكز الشرطة أمرًا في غاية الأهمية، ولذلك أصدرت قيادتها رسالة إلى كافة الوحدات تقول: "علم لدينا أن السلطات البريطانية تنوي إخلاء مراكز الشرطة، ولذلك عليكم أن تسيطروا عليها فورًا بعد إخلائها". وخلال فترة قصيرة، انتهت قيادة الهاغاناة من تحضير الخطة "شين"، والتي كانت معدة للسيطرة على كافة المرافق التي ستخليها القوات أو السلطات البريطانية في المناطق المعدة للدولة اليهودية حسب قرار التقسيم. كانت المرحلة الأولى من الخطة تقضي بوجوب السّيطرة على محطات الشرطة التي تصبح خالية بمجرد أن تتركها بريطانيا.

وحسب الخطة كان على قوات الهاغاناة أن تكون مستعدة للتنفيذ في منتصف شباط/فبراير 1948. وحسبها، أيضًا، تم تقسيم محطات الشرطة، بل قل حصون تيغارت، إلى ثلاثة أقسام مختلفة: المحطات من نوع "أ" وهي تقع داخل مناطق المستعمرات اليهودية؛ والمحطات من نوع "ب" والتي تقع خارج المستعمرات ولكنها تقع في نطاق مناطق الدولة اليهودية؛ والمحطات من نوع "ج" وهي تقع خارج الدولة اليهودية ولكن السيطرة عليها من الأهمية بمكان وذلك من أجل كسب نقاط على حساب العرب في الحرب الدائرة معهم.

في منتصف آذار/مارس 1948، طورت الهاغاناة خطتها بعد أن فهمت ضعف العرب المقاومين، وحصولها على عقود أسلحة في أوروبا تمكنها من حسم الصراع لصالحها، ولذلك حسمت أمرها بشأن توسيع مسطح الدولة اليهودية حسب قرار التقسيم، وطرد السكان العرب بشتى الوسائل من حدود الدولة اليهودية أولًا، ومن كل المناطق التي ستسيطر عليها الهاغاناة داخل حدود الدولة العربية المقترحة ثانيا. وسميت الخطة باسم خطة "د" أو "دالت" بالعبرية. أما في ما يخص حصون تيغارت في هذه الخطة، فعلى جنود الهاغاناة السيطرة على محطات الشرطة حالًا بعد أن تخليها بريطانيا، وذلك حسب التقسيم الآتي: 1. لواء غولاني يقوم باحتلال المراكز الموجودة في المطلة، وخالصة، والنبي يوشع، والجاعونة، وصفد، وطبرية، وسمخ، وبيسان، والعفولة، ونهلال، والجلمة، واللجون، وغيشر. 2. لواء كرملي يقوم باحتلال المراكز في شفاعمرو وكريات حاييم وعتليت والبصة. 3. لواء إسكندروني"يقوم باحتلال المراكز في زخرون يعكوڤ ووادي عارة والخضيرة وبيت ليد وتلموند ورعنانا وكفر سابا وبيتاح تكڤا ورمات غان. 4. لواء عتسيوني يقوم باحتلال المراكز في أبو غوش واللطرون وأريحا وهار طوڤ. 5. لواء هنيغف كان عليه أن يحتل مركز شرطة بئر السبع. 6. أما لواء غڤعات" فكان عليه احتلال المراكز الموجودة في "نس تسيونا" و"رحوڤوت" وبيت دجن و"غديرا" ومركز شرطة عراق سويدان.

نشبت معارك طاحنة من أجل السيطرة على مراكز الشرطة خلال حرب 48، لأن الطرفين عرفا أهميتها الإستراتيجية وتأثير السيطرة عليها في حسم المعركة. ومن أشهر مراكز الشرطة التي نشبت حولها المعارك مركز شرطة النبي يوشع، والذي احتلته القوات الصهيونية بعد ان تكبدت خسائر فادحة، ومركز شرطة اللطرون والذي فشلت إسرائيل في احتلاله من أيدي الجيش الأردني حتى عام 1967 (أنظر/ي الحلقة 19/5 بعنوان معارك الجيوش العربية قبل الهدنة الأولى - الجيش الأردني)، ومركز شرطة عراق سويدان والذي سنتناول في هذه العجالة سرد المعارك القوية التي نشبت حوله، وصمود رجاله من الجيش المصري صمودا أسطوريا حتى سقوطه في تشرين ثانٍ/نوفمبر 1948.

بريطانيا تقوم بإخلاء مركز شرطة عراق سويدان

بني مركز شرطة عراق سويدان على تلة ارتفاعها 100 متر فقط، إلا أنّها كانت تطل على ما حولها بسهولة، حيث أن التلّة كانت جرداء ولذلك لم يكن هناك ما يحجب الرؤية عن سكان المركز في حالة هجوم عليهم، وكذلك يمكنهم هذا الشيء من مراقبة الطرق القريبة من مركز الشرطة، الذي كان يحظى بموقع إستراتيجي على الطريق الرئيسية التي تربط المجدل وبيت جبرين، وعلى الطريق إلى القدس شمالًا. كان المركز مسيطرًا على الطريق الرئيسية من النقب إلى شمال فلسطين، ومنه إلى مستعمرات صهيونية مركزية مثل: غاديرا ورحوفوت وريشون لتسيون، ناهيك أنّه يبعد 1500 مترٍ فقط عن مستعمرة نغبا، ولذلك كان في صميم الخطة الصهيونية للسيطرة على حصون تيغارت وأوكلت مهمة احتلاله للكتيبة الثالثة من لواء غڤعاتي، حالما تتركه القوات البريطانية.

في 17 نيسان/أبريل 1948، سيطرت الكتيبة الثالثة غڤعاتي على مركز شرطة قطرا بعد أن قام قائد الكتيبة بتهديد الضابط البريطاني المسؤول عن المركز، وطالبه بتسليم المركز لقوات الهغاناة، فقام الضابط بإصدار أمر إلى رجال الشرطة العرب والبريطانيين بالانسحاب من مركز شرطة قطرا، وبقي فيه رجال الشرطة اليهود فقط، الذين تعاونوا مع كتيبة غڤعاتي على استلام الموقع بعد إخلائه من قبل القيادة البريطانية. بعد هذه العملية أراد قائد الكتيبة الصهيونية التقدم إلى شرطة عراق سويدان والسيطرة عليها بنفس الطريقة، إلا أنّه لم يحظ بموافقة قائد اللواء، والذي كان متأكدًا انه سيستلم مركز الشرطة في حال انسحاب القوات البريطانية منه، والتي ابقت على المركز حتى اللحظات الأخيرة قبل انسحابها من فلسطين، بل وتم تغيير الشرطيين المتواجدين في المركز بجنود بريطانيين، وفي نفس الوقت تمت تقوية تحصيناته من أسلاك شائكة وزرع ألغام حوله، حتى يتسنى للجنود أن يدافعوا عن أنفسهم في حالة أي هجوم على المركز من أحد الطرفين المتحاربين، الصهاينة والعرب.

الرواية الصهيونية تتحدث عن أن جهاز مخابرات الهاغاناة، كان قد أبرق بتاريخ 7 أيار/مايو 1948، إلى القيادة العسكرية الصهيونية تقريرا يشير فيه إلى أن قائد الجيش البريطاني في فلسطين قد اجتمع بحاكم منطقة غزة، وعندما بحثا موضوع شرطة عراق سويدان كان القائد البريطاني في حيرة من أمره بما يخص هذا المركز، فمن ناحية حسب قرار التقسيم هو تابع للدولة العربية ولذلك عليه تسليمه للعرب، بينما الأرض التي بني عليها المركز هي بملكية يهودية، إذًا يجب تسليمه لليهود. أما الخيار الأخير بالنسبة إليه فهو تفجير المركز وتهديمه لمنع أي نزاع عليه.

رغم ذلك، إلا أنّ بريطانيا قرّرت، أخيرًا، أن لا تفعل شيئًا بخصوص مركز عراق سويدان ما عدا الانسحاب منه وترك مصيره مجهولا، وهذا ما حصل بالفعل حيث تم الانسحاب في يوم 12 أيّار/مايو 1948.

المحاولة الصهيونية الأولى لاحتلال المركز

سبقت الجيش المصري إلى فلسطين قوات من "الإخوان المسلمين" والمتطوعين بقيادة الضابط أحمد عبد العزيز. وصلت هذه القوات إلى منطقة الفلوجة وعراق المنشية وعراق سويدان قبل طلائع الجيش المصري. استغل 40-50 مجاهدًا منهم خلوّ مركز شرطة عراق سويدان من البريطانيين، ودخلوه في نفس يوم إخلائه، خوفًا من أن يسبقهم إليه جنود الهاغاناة. حالًا، بعد دخولهم المبنى، أبرق قائد مستعمرة نغبا برقية عاجلة مفادها أن مركز الشرطة قد وقع بأيدي مصريين ومسلحين محليين وذلك في الساعة 18:30، وأشار إلى أن العرب دخلوا حالًا مع استكمال الانسحاب البريطاني من المركز، وطالب قائد الكتيبة الثالثة من غڤعاتي أن يهاجم المركز على الفور وينتزعه من العرب، إلا أن الكتيبة الصهيونية كانت تؤدي مهمات عسكرية في أماكن أخرى، فتم تأجيل الهجوم إلى اليوم التالي.

في اليوم التالي، أبرق الـ"شين يود"، أي مخابرات الهاغاناة إلى قوات غڤعاتي مؤكدًا أنّ العرب أخلوا المبنى، وقد أصبح فارغًا. حقيقة الأمر كانت أن "الإخوان المسلمين" والمجاهدين العرب أخلوا المركز ليس قبل أن يسلموه للجيش المصري، الذي تمركز أفراده بسرعة داخل شرطة عراق سويدان.

ورغم أن القوات الصهيونية كانت تشنّ هجماتها في الليل، إلا أن اعتقادها بخلوّ المركز من الجنود المصريين، جعلها تتقدم لاحتلاله في وضح نهار يوم 14 أيّار/مايو 1948، بواسطة قوة من المدرعات تقدمت بثقة نحو المبنى، ولكنها واجهت نيرانا مصرية شديدة من المدافع الرشاشة والبنادق ومضادات الدروع، ما اضطر القوة المهاجمة للانسحاب بعد معركة قصيرة، إذ أنّ قائد الكتيبة الثالثة من غڤعاتي، فهم أن لا طائل له ولجيشه بهذه المقاومة الشديدة، من قبل القوة التي كانت قد تمركزت داخل مبنى شرطة عراق سويدان، والتي تجيد استعمال الأسلحة المضادة الدروع والمدافع رشاشة، وإصرارها على الدفاع عن المركز في وجه أي هجوم صهيوني مهما كانت قوته، لأهمية المركز في تنفيذ خطة الجيش المصري بالسيطرة على هذه النقطة الهامة والمركزية.

في ما بعد، عزى قائد الكتيبة الثالثة/غڤعاتي أسباب الهزيمة السريعة إلى أن القوة التي شاركت في الهجوم، لم تكن لديها الخبرة الكافية لاحتلال موقع محصن، كذلك ادّعى أن أخبار الـ"شين يود" (مخابرات الهغاناة) بشأن عدم وجود صغيرة داخل مركز شرطة عراق سويدان هي أخبار غير صحيحة، إذ أن القوة الدفاعية الكبيرة تشير إلى وجود قوة مصرية ضخمة في الداخل. الـ"شين يود"، من جهته، أصرّ على أن أخباره صحيحة، حيث أنه استقاها من مخبر عربي جدي من المجدل، أبلغهم بوجود ثلاثين مقاتلًا فقط داخل الحصن، وأن الجميع داخل بلدته يتحدث عن شجاعتهم في صد الكتيبة الصهيونية بمدرعاتها وأسلحتها المتطورة.

كان هذا الهجوم، الذي انتهى بسرعة، مقدمة لعدة هجمات شرسة ومنذرًا بالهزائم الصهيونية المتكررة خلال الحرب في محاولات احتلال المركز، والتي سنأتي على ذكرها في الحلقة القادمة.

(يتبع)


المصادر:

1. "غاد كرويزر"، العودة لسيطرة المحطة (مقالة)، مجلة "كتدرا" عدد 111، آذار / مارس 2004.

2. "يغئال إيال وعميرام أورن"، حصون تيغارت سيطرة وأمان بضربة واحدة (مقالة)، مجلة "كتدرا" عدد 104، حزيران / يونيو 2002.

3. Kevin Connolly, Charles Tegart and the forts that tower over Israel, BBC, 10 September 2012.

4. "نداڤ سارغي"، بيتنا كان حصنهم (مقالة) جريدة "يسرائيل هيوم"، 8 تموز / يوليو 2.11.

5. أحمد خليفة (مترجم)، الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939، الرواية الاسرائيلية الرسمية.

6. "غاد كرويزر"، إقامة جدار الشمال خلال التمرد العربي، ومسألة فشله: تقييم مجدد. مجلة "كتدرا" عدد 120.

7. "ابراهام أيلون"، لواء "غڤعاتي" في حرب "الاستقلال".

8. اللواء حسن البدري، الحرب في أرض السلام - الجولة العربية الاسرائيلية الأولى.

9. صحيفة "عل همشمار"، 30 أيلول / سبتمبر 1949.

10. "أرييه حشڤياه"، محرر، إلى الدفة، قصة كتيبة 53 / "غڤعاتي" 1948.