لماذا تريد الكنيسة اللاتينية بيع أراضٍ في الناصرة؟ ولِمَن؟

لماذا تريد الكنيسة اللاتينية بيع أراضٍ في الناصرة؟ ولِمَن؟
من الوقفة الاحتجاجية قرب الكنيسة (عرب 48)

تشهد مدينة الناصرة جدلا واسعًا حول نيّة الكنيسة اللاتينيّة بيع مئات الدونمات من أراضيها. الرواية العامّة التي تتّفق عليها الكنيسة مع معارضي البيع، هي: تورّطت كنيسة اللاتين منذ العام 2005، بديون كبيرة نتيجة لمشروع الجامعة الأميركيّة في مأدبا الأردنيّة، وصلت إلى 100 مليون دولار، وستبيع قرابة 300 دونم في الناصرة لسداد هذه الدّيون.

لكنّ نقاط الاختلاف أوسع، وكلما زادت التفاصيل زاد الخلاف معها.

لماذا ستبيع الكنيسة الأراضي في الناصرة؟

عزت البطريركيّة، في بيانٍ، البيعَ إلى "سوء الإدارة التشغيلية السابقة، التي ترتبط مباشرة بالجامعة الأميركيّة في مأدبا"، وأضافت أنّه تم "تعيين رئيس الأساقفة، المطران بيير باتيستا بيتسابالا، مدبرًا رسوليًا من أجل التوصل إلى حل لهذه المشاكل".

وأضافت البطريركيّة أنها خلال السنوات الأربع الماضية قامت "بعمل هام لإعادة تنظيم الإدارة، رافقه وضع ضوابط وقيود داخلية مناسبة"، لكنّها استدركت أنه "مع تراكم الديون الهائلة، وبالرغم من الجهود العديدة المبذولة لجمع المال، فقد اتضح لنا أن الحل الوحيد يتمثل في بيع بعض الممتلكات".

من الوقفة الاحتجاجية قرب الكنيسة (عرب 48)

وادّعت الكنيسة أنه "يتمّ النظر، أيضًا، في بيع عدة ممتلكات في الأردن من أجل سداد بقية الدين وتم اتخاذ القرارات في هذا الشأن، حتى وإن كانت الظروف الاقتصادية في البلاد غير مناسبة، نظرًا للكساد الاقتصادي الذي تمر به البلاد"، قبل أن توضح أنه "في الأردن، على كل حال، لا يوجد ممتلكات كافية لسداد الدين".

وأوضحت أن جميع هذه الجهود قادت إلى "التوصل إلى قرار بيع أراضٍ في الناصرة، إذ تمّت الموافقة عليه حينها من الأطراف المختصة، من بينها اللجان الداخلية في البطريركية اللاتينية والكرسي الرسولي".

وشدّدت البطريركيّة على أنّ البيع "يستثني أكثر من 100 دونم من الأراضي في المواقع المميزة، والمخصصة لمنفعة أبناء الكنيسة في الناصرة في المستقبل"، بمعنى أنها قرّرت بيع أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي التي تملكها، وقرّرت الحفاظ على مئة دونم فقط.

وأشارت إلى أنّ البيع سيجري "وفقًا للسعر التجاري، واستنادًا لتخمين رسمي. كما يجري البيع الآن لرجل أعمال عربي".

رواية أخرى عند المعارضين

ويدّعي معارضو البيع، في بيان عمّموه على مواقع التواصل الاجتماعي، الأسبوع الماضي، أنّ المدبّر الرسولي الإيطالي "يعمل، وقبل مغادرته البلاد، حيث تنتهي وظيفته في القدس هذا الصيف، على بيع 300 دونم أرض تابعة للبطريركية، في مدينة الناصرة، مخططة للسكن والتجارة والفنادق، بسعر لا يتجاوز ثلث سعر السوق حسب تخمينات قام مخمن من قبل البطريركية بتحضيرها سابقًا"، وذلك إلى جهات وصفتها المصادر بأنها "مشبوهة".

وذكر البيان أنّ ثمن الأرض "إذا ما تم بيعها، سيعود بأكمله إلى دولة الفاتيكان نفسها لتسديد الديون الطائلة التي تغرق بها البطريركية منذ عدة سنوات حيث تزيد ديونها في الأردن عن 120 مليون دولار. والأراضي المقصودة تمتد من منطقة رؤوس الجبال بالناصرة إلى حدود بلدة عيلوط"، غير أن البطريركيّة نفت بشكل حادّ أن تذهب عوائد البيع إلى الفاتيكان، وقالت إنها ستذهب إلى البنك السويسري الذي اقترضت منه أموال بناء الجامعة الأميركيّة في مأدبا.

وأضاف بيان المعارضين أنّ المدبر الرسولي في القدس "حاول إغراء أبناء الطائفة في الناصرة ببيعهم ما مجموعه 30 دونمًا (من أصل 300)، لكي يصمتوا على بيع باقي الأرض بأسعار تقارب ثلث سعر السوق"، وتابع البيان أنه "بطبيعة الحال رفض أبناء الطائفة هذا التوجه وطالبوا المدبر بعدم بيع هذه الأرض التي تعود إلى البطريركية منذ مئات السنوات (ولا تعود للسلزيان كما يحاول المدبر إقناع أبناء الطائفة وكأن السلزيان ليست جزءا من الكنيسة اللاتينية".

هذه الادّعاءات رفضها مستشار مجلس الكنائس في الأراضي المقدّسة، وديع أبو نصّار، وقال إنّ "الكثير من، إنْ لم تكن معظم المنشورات الصادرة في هذا الصدد بعيدة كل البعد عن الحقيقة. أحث الناس على عدم نشر الأشياء على أساس الشائعات، ولكن فقط اعتمادا على الحقائق"، وأضاف أنه "من المتوقع أن تنشر البطريركية، في وقت ما في المستقبل القريب، بيانًا يوفر مزيدًا من المعلومات حول الصفقات المتعلقة بالممتلكات في الناصرة".

من الوقفة الاحتجاجية (عرب 48)

اجتماع الأربعاء الماضي: تفاصيل خاصّة

وعقد مسؤولون في البطريركيّة اجتماعًا، الأربعاء الماضي، لأبناء الرعية في قاعة بندكتوس في الناصرة، وأطلعوهم على الوضع المالي الحرج الذي تعاني منه البطريركية وعرضوا عليهم شراء 30 قسيمة بناء في منطقة رؤوس الجبال حيث ستبيع البطريركية الجزء الأكبر من الأرض (270 دونما) لمستثمرين عرب.

وطلب مسؤولو البطريركيّة ممّن يرغب بالاشتراك في المناقصة للحصول على قسيمة أن يودع حوالة بنكية بقيمة 200 ألف شيكل بشكل فوري، على أن يدفع باقي سعر القسيمة خلال الشهرين المقبلين. ويرى أبناء الطائفة بهذين الشرطين بأنهما "تعجيزيان" بالنسبة لشريحة الأزواج الشابة التي ترغب بشراء قسيمة. وهو ما قاله سهيل منصور لموقع "عرب ٤٨" خلال التظاهرة أمس، الأحد.

وقال وسام بضعان، وهو أحد منظّمي الوقفة الاحتجاجية: "نحن نعارض مبدئيا بيع أي أرض تابعة للرعية اللاتينية في الناصرة، وكم بالحري إذا كانت الصفقة تتم بهذا الشكل المفاجئ. نحن نحاول ما استطعنا إلغاء الصفقة التي أجبرت رعية الناصرة على دفع ثمنها. نحن اليوم ندفع ثمن ديون نجمت عن إدارة مالية فاشلة للأوقاف خارج حدود بلادنا (في الأردن)".

وأضاف بضعان "لا معلومات كافية لدينا عن الصفقة والجهة التي ستعقد الصفقة مع البطريركية، ولا عن ثمن أو حجم الصفقة، وليس هذا همنا. إنّ همنا الوحيد هو أن تستثمر أملاك الطائفة لصالح أبناء الرعية لنواصل العيش في بلدنا بسلام وأمان".

مصادر خاصّة لـ"عرب 48": لا بيع لغير العرب

وأكّد مصدر مطّلع داخل البطريركية في حديث لموقع "عرب ٤٨" أنّ ما يُشاع في الناصرة، هي أكاذيب لا أساس لها من الصحة وأن صفقة البيع إذا ما تمت فإنها ستكون مع ممولين عرب وليس - جهات مشبوهة - كما يزعمون، وأن الأرض ستباع بقيمتها الحقيقية وليس "بثمن بخس" كما يدّعون، بل بسعر السوق وحسب مخمّن خارجي.

وقال المصدر إنّ القضية "ببساطة" هي أن "الكنيسة متورطة في ديون، وعلينا أن نُسدّد هذه الديون، ولدينا أرض في الناصرة لن نبيعها بكليّتها لمستثمرين، بل سنبيع جزءا منها ونترك لأبناء الرعية الجزء الآخر ليستفيدوا منه".

وعلم مراسلنا من مصادر مطلعة أن مفاوضات متقدمة تجري مع أكثر من رجل أعمال عربي لشراء الحصة الأكبر من الأرض، وأنّ البطريركية ستقوم بنشر كل تفاصيل الصفقة بعد إتمام الصفقة، مؤكّدة أنّها تعمل بشفافية وترفض كل الادّعاءات الموجهة لها وكل الشائعات المغرضة التي يحاول البعض ترويجها على حد قول مصادر من داخل الطائفة.

كما علم مراسل "عرب ٤٨" أنّ البطريركية كانت قد لجأت قبل بيع الأرض في الناصرة إلى محاولة لبيع أرض في منطقة "تياسير" قرب طوباس في مناطق السلطة الفلسطينية، وأنها أدارت مفاوضات مع رجل أعمال فلسطيني يحمل الهوية الإسرائيلية، لبيع جزء من الأرض وقد تقدمت البطريركية بطلب رسمي من السلطة بالموافقة على هذا البيع ولهذا الشخص، وأن السلطة الفلسطينية حينها قامت بتقديم نفسها كمرشح بديل للشراء، الأمر الذي أراح في البداية البطريركية. وحيث لم يتم الاتفاق على الثمن المناسب، لجأت البطريركية إلى آخر الحلول الممكنة، وهو أرضها الموجودة في الناصرة.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص