حكيم: قد نخرج من الإغلاق إلى موجة كورونا ثالثة.. فكيف نمنع ذلك؟

حكيم: قد نخرج من الإغلاق إلى موجة كورونا ثالثة.. فكيف نمنع ذلك؟
مراقبة قسم كورونا الجديد في المشفى الإنجليزي (فيسبوك)

شهدت البلدات العربية خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعًا كبيرة في المصابين بفيروس كورونا، بخلاف "الموجة الأولى" المشار إليها بالفترة بين بدء انتشار الفيروس حتى انتهاء الإغلاق الأول، في أيار/مايو الماضي.

وحول انتشار العدوى في المجتمع العربي بشكل واسع، والوضع العام في مستشفيات البلاد، وكيفية التعامل مع الإغلاق ومدى نجاعته في إنقاذ الموقف، كان لموقع "عرب 48" هذا الحوار مع مدير مستشفى الناصرة (الإنجليزي)، بروفيسور فهد حكيم.

عرب 48: ما هو وضع المستشفيات في البلاد اليوم، وهل حقا أنّ المستشفيات رفعت الراية الحمراء، بمعنى أنّنا دخلنا في مرحلة خطر انهيار الجهاز الصحي؟

حكيم: لا شك أنّ الوضع في البلاد يزداد سوءًا، وأعداد المرضى ترتفع بوتيرة عالية جدًا، وتضاعفت عما كانت عليه قبل أسبوع أو عشرة أيام. وفي منطقة الشمال، الوضع أكثر صعوبة من الوضع العام في البلاد. ونلاحظ أنّ بؤر انتشار المرض موجودة اليوم، بالأساس، في منطقتّي الشمال والقدس. وكما هو معروف، أكثر من 50% من سكان الشمال هم عرب، لذلك تزداد الإصابات في المجتمع العربي بشكل كبير ويومي. وهذا، بالتالي، ينعكس على المستشفيات سواء في الشمال أو البلاد عامّة، فطلبت وزارة الصحة من جميع المستشفيات فتح المزيد من الأقسام المخصصة لكورونا، ونحن في مستشفى الناصرة (الإنجليزي) كنا قد افتتحنا قسما "النصر 2" و"النصر 3" مؤخرًا، لاستقبال الحالات الجديدة من الإصابات في المجتمع العربي.

د. حكيم
د. حكيم

أمّا بالنسبة لموضوع رفع الرّاية الحمراء، فأنا أفضّل عدم استخدام هذه العبارة كوني إنسانًا إيجابيا وأنظر إلى الأمور في واقعها. نحن في وضع غير سهل، نحتاج إلى المزيد من الأسِرّة والمعدات من أقسام الطّوارئ التّابعة لوزارة الصحة، والتي يبدو أنّها قليلة ويتأخر وصولها بسبب الإجراءات البيروقراطية بين الوزارات. لكنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في الموارد البشرية لأنّها هي الحلقة الأهم، ويتعرّض أفراد الطواقم الطبية للإصابة بالفيروس باستمرار ويضطر آخرون للدخول إلى الحجر الصّحي. وهنا، يكمن الخوف من انهيار الجهاز الصحي. فالنّقص في الموارد البشرية مع النّقص في المعدّات قد يضعا المستشفيات في وضع يجعلها عاجزة عن تقديم العلاج للمرضى، مع عدم وجود أماكن لاستيعاب المرضى. وبالتّالي، عدم القدرة على تقديم علاج ناجع لغير مرضى كورونا عندها يكون انهيار في الجهاز الصّحي.

عرب 48: هل تعتقد أنّ الإغلاق اليوم هو ضرورة حتمية؟

حكيم: الإغلاق هو وسيلة وليس هدفا، ويجيء الإغلاق ليجهض خطة الشّارة الضوئية "رمزور" التي لم تأخذ حقها لإثبات نجاعتها. وبكل أسف، فإننا بدل أن نهتم بشؤون المرض والمرضى، أصبحت نقاشاتنا في السلطات المحلية تدور حول من هو أحمر ومن هو برتقالي وأصفر، وهذا جعلنا نوجه كل طاقاتنا إلى المكان الخطأ.

لذلك، فإنّ الإغلاق اليوم هو حتمي، وهو واقعٌ علينا أن نتأقلم معه. لكنّ الأهم من الإغلاق هو كيفية تعاملنا معه، وكيف سنخرج منه؟ فإذا نجح الإغلاق في تحقيق هدفه في خفض نسب العدوى، لكنّ عملية الخروج منه لم تكن منضبطة كما في الموجة السابقة، فإننا سنكون أمام موجة ثالثة أصعب بكثير من الموجة الثانية، وقد تجيء هذه الموجة الثالثة في فصل الشتاء المعروف بتعقيداته.

عرب 48: هنالك نقاش حول الإغلاق كما تنص عليه التعليمات اليوم. هل تعتقد أنّه كافٍ أم أنّك ممن يؤيدون المزيد من التقييدات؟

بروفيسور حكيم: الأهم من الإغلاق هو عملية تطبيقه والالتزام به، فحتى التعليمات البسيطة لوزارة الصحة التي يعرفها الجميع يُلتَزَم بها. وبالتالي، سلطات تطبيق القانون الممثلة بالشرطة والجبهة الداخلية لم تهتم بتطبيق التعليمات. هذه الجهات لم تأبه بمنع الأعراس وتفريق التجمهرات، ولم تطبّق القانون تجاه من لا يضعون الكمامة، ومن يعملون في مصالحهم بشكل غير قانوني. فغياب تطبيق القانون جعل هنالك حالة من الانفلات الذي كان السبب الرئيسي لما وصلنا إليه اليوم.

عرب 48: من هو المذنب ومن يتحمّل المسؤولية الأولى حسب رأيك لما وصلنا إليه اليوم؟

بروفيسور حكيم: أنا لا أبحث عن مذنبين، بل أبحث عن مسؤولين، يستطيعون إنقاذ مجتمعهم. ما زلنا نعيش الحدث، هو ليس ماضيًا وليس من ورائنا حتى نحاسب ونذنّب، بل نبحث عن الفجوات ونحاول إغلاقها. أنا أقول إنّنا اليوم بحاجة للشرطة لكي تحصّل للمواطن حقه في العيش بأمان، وحين تكون هناك تعليمات من جهاز الصحة ينبغي على الجهاز السلطوي تطبيق هذه التعليمات لحماية المواطن.

بمعنى آخر، أنّك حين تضع محظورات وفي المقابل لا تحاسب من ينتهك هذه المحظورات، تحدث حالة من الانفلات والفوضى، وهو ما ينسحب على موضوع العنف في مجتمعنا وفوضى السلاح والانفلات في الشوارع، حين يتم إهمالها من قبل أجهزة الدولة، فإن النتيجة تكون تفاقم الظاهرة.

من أم الفحم (الظاهرة في الصورة ليست بالضرورة مصابة بالفيروس) (أ ب)
من أم الفحم (الظاهرة في الصورة ليست بالضرورة مصابة بالفيروس) (أ ب)

لذلك لن أدخل في تقييم الإغلاق إذا كان كافيًا أو غير كاف، لأنّ هذه القرارات هي سياسية أكثر مما هي طبية. فالجانبان الطبي والمهني واللجان الاستشارية كلها تجمع على أننا في حالة خطيرة وهنالك حاجة إلى إغلاق كلي لجميع المرافق لمدة أسبوعين، بينما في النهاية ينتهي الأمر إلى "كابينيت كورونا"، ومجلس مصغر، ولجنة كورونا، وبالتالي قرارات حكومية وسياسية.

عرب 48: نحن نسمع ونطّلع بشكل يومي على الأرقام وإعداد الإصابات، ما هو المعطى الأخطر بالنسبة لكم كجهاز صحة؟ ما الذي يقلقكم، هل هي الزيادة اليومية أم الحالات الخطرة أم عدد أجهزة التنفس الاصطناعي؟

حكيم: المعطى المقلق والأخطر هو كل ما يقربنا من انهيار الجهاز الصحي، ومتى ينهار جهاز يحدث نقص في المعدات وفي القوى البشرية وخاصّة المرضى في حال الخطر والمرضى الذين يحتاجون إلى أسرّة وأكسجين وإلى أدوية غير متوفرة. هذا من جانب الجهاز الصحي، لكن هناك الجانب الاقتصادي للمواطنين الذي لا يقل أهمية، وقد نشهد حالة انفلات في المجتمع العربي. ويدفع الجانب الاقتصادي الناس إلى التوجه لمكان عملهم وهم مدركون أنّهم مرضى لكنّهم بحاجة إلى لقمة العيش، وقد تدفعهم إلى المخاطرة بصحتهم وصحة غيرهم وعدم التوجه لإجراء الفحص، لكي لا يتعطّلوا عن العمل لمدة أسبوعين، ففي ذلك خسارة مادية كبيرة لهم، لذلك فإن الدعم الاقتصادي مهم جدا حتى لا نصل إلى هذه الوضعية.

فنحن نتحدّث عن مرض يمكن لـ97% من المصابين فيه أن يجتازونه وهم في بيوتهم ولا يحتاجون لتدخل طبي، في حين 3% هم الذين يحتاجون إلى التدخل الطبي بشكل جدّي. وجزء كبير من الـ3% بحاجة إلى مرافق طبية مجهزة بالعناية المركزة. وحاليًا 1% من الحالات تنتهي بالوفاة، وهذه الوضعية التي تشكل عبئا على المستشفيات حين يخضع المريض لفترة طويلة في العناية المكثفة ويستنفدون الموارد البشرية والمعدات والأجهزة الطبية.

ما زال الفيروس يتصرّف بطرق غير مفهومة لنا كأطباء وباحثين وأحيانا يتعافى المريض، وقبيل تسريحه من المستشفى تتدهور صحّته بشكل مفاجئ وتنهار أجهزة الجسم ويتوفّى. فهذه النسبة الصغيرة 3 – 4% يمكن السّيطرة عليها عندما يكون عدد المرضى بالمئات أو بالآلاف، ولكن عندما يصل عددهم إلى مئات الآلاف أو نصف مليون، عندها لا بد لجهاز الصحة أن يستغيث ويعلن أنّه في حالة حرجة. ولا بد من التنويه هنا بأن مريض كورونا ليس أهم شأنا من المرضى الآخرين الذين يعانون من أمراض غير كورونا، فهذه واحدة من المعضلات التي يوجّهها الجهاز الصحي اليوم أن مريض السكري والمرأة الحامل ومرضى الجلطات الدماغية، هم أيضا بحاجة إلى رعاية طبية وقوى بشرية، ولا يجوز أن يضع الجهاز كل طاقاته في أقسام كورونا ويهمل مرضى آخرين. والأصعب من كل ذلك هم المرضى المزدوجون كالذين يعانون من كسور في العظام ويتّضح أنّهم مرضى كورونا أو يعانون من أمراض القلب ويتم تشخيصهم بأنهم مرضى كورونا، فهؤلاء المرضى يحتاجون إلى طبيب مختص في مرضهم، ومختص آخر في كورونا. وفي المستشفى اليوم، لدينا من هذه الحالات، التي يصعب التعامل معها ونقل هؤلاء المرضى من قسم إلى آخر عبر ممرات آمنة، خشية أن ينقلوا العدوى لآخرين.

عرب 48: من خلال خبرتك ومن خلال تجارب الآخرين كيف تقرأ ما سنكون عليه بعد ثلاثة أسابيع؟

حكيم: لا شك أنّنا اليوم في امتحان، إذا استعددنا له بشكل صحيح وجيد فإن نسب النجاح تكون عالية، وإذا لم نستعد جيّدًا، ستكون نسب النجاح منخفضة. نحن اليوم، كمجتمع وكمؤسسات طبية، إذا التزمنا بالتعليمات وأدركنا يقينًا أنّنا على أعتاب مرحلة صعبة للغاية إن لم نؤازِر بعضنا ونساند بعضنا البعض، ونفهم أنّ الخطر محيق بنا جميعا بدون استثناء، عندها يمكننا أن نعبر الامتحان بنجاح، كما في الموجة الأولى. المجتمع العربي على قدر من الوعي وتزعجني عبارة "العرب متخلفون"، نحن مجتمع واع جدا ولا أعرف شعبا يحب أهله وعائلته ووالديه وأولاده مثلنا نحن العرب، وهذا هو الوقت للاهتمام بالأهل والعائلة.

في "الموجة الأولى" اعتقد معظمنا أن من يصاب بكورونا سيموت. كانت هناك حالة خوف وصلت حد الرعب، لكن بعد انتصارنا كمجتمع في الموجة الأولى لدرجة أنّ بعض القرى لم يدخلها الفيروس، "وكأن الفيروس عندهم وليس عندنا"، هذا الأمر أدخل إلى أذهاننا فكرة أن الفيروس غير موجود في المجتمع العربي أو أنّه فيروس بسيط، وهذا بدّد تلك المخاوف. أنا الآن أتحدث بواقعية ولا أريد أن أبثّ الخوف في قلوب الناس، وأنا شخصيا كطبيب يعالج المرضى لست خائفا، لكن دورنا جميعا هو حماية مجتمعنا. أنا لا أخاف على نفسي رغم أنّني أرى الحالات الصعبة والخطيرة يوميا، لكنّني أخاف على مجتمعي الذي باتت تفرقه وتشتته وتقطع أوصاله كورونا.