72 عاما على النكبة: الهجوم على رفح وانتهاء المعارك العسكرية (5/30)

72 عاما على النكبة: الهجوم على رفح وانتهاء المعارك العسكرية (5/30)
تعزيزات العصابات الصهيونية إلى النقب (أ ب)

حقّقت حملة "حوريڤ" نجاحًا كبيرًا حتى نهاية شهر كانون أول/ديسمبر 1948، فقد تم تدمير الجناح الشرقي للجيش المصري تدميرًا كاملًا، إذ احتُلّت عوجا الحفير وبير عسلوج وكل ما بينهما، ولَم يبقَ أي وجود للمصريين في النقب. ليس هذا فحسب، بل أن يغئال ألون وجّه جنوده إلى داخل سيناء، بهدف احتلال مدينة العريش، ومحاصرة الجيش المصري في قطاع غزة - رفح من أجل القضاء عليه. ولكن المهمة لم تتم بسبب الضغط الدولي على بن غوريون من قبل أميركا وبريطانيا، من أجل تنفيذ انسحاب فوري من سيناء. وقد تم ذلك فعلًا حتى الثاني من كانون ثانٍ/يناير 1948، رغم معارضة القيادة العسكرية الجنوبية للجيش الصهيوني.

وافق بن غوريون على تنفيذ الإنذار البريطاني بالانسحاب الفوري، حيث أنّه فهم خطأً أن من شأن بريطانيا أن توقف حظر بيع الأسلحة للأطراف المتحاربة، وهي بذلك تفتح الطريق لتزويد الجيش المصري بالأسلحة التي يريدها من أجل تغيير مجريات الحرب. لكن بريطانيا كانت قد أشارت في تحذيرها لإسرائيل، أنّها ستقوم بتزويد مصر بالأسلحة فقط إذا قدمت لها مصر طلبًا رسميًا بذلك، بناء على اتفاقية الدفاع المشترك منذ عام 1936. ولكنّ المصريين لم يقوموا بهذا، لأنهم عملوا لفترة طويلة على إلغاء الاتفاقية مع بريطانيا، ولذلك اعتبروا أنّ توجههم لبريطانيا بهذا الشأن سيؤدي إلى إعادة اتفاقية عام 1936 إلى الحياة، رغم أنهم، أي المصريين، لا يريدونها. وقد فهمت بريطانيا هذا الشيء، ولذلك طلبت من ممثليها في القاهرة عدم طرح موضوع المساعدة العسكرية، إلّا إذا تطرّق المصريون إليها. كذلك، فإنّ البريطانيين فهموا، بينهم وبين أنفسهم، أن الانسحاب الإسرائيلي تم بفعل الضغط الأميركي وليس بسبب تهديدهم، بينما كان بن غوريون يعتقد، خطأً، أنّ بريطانيا تنتظر الفرصة السانحة من أجل أخذ النقب من السيطرة الإسرائيلية من أجل تسليمه للعرب، حتى لو اضطرت لاستعمال القوة من أجل تنفيذ ذلك، وأنّ هذه الفرصة صارت متاحة بفعل احتلال أراضٍ مصرية في شبه جزيرة سيناء.

أمر الحرب لم ينتهِ بعد الانسحاب من سيناء، بل تقرر الاستمرار في الحملة العسكرية، وتبنّي نفس الفكرة الأولى القاضية بتطويق الجيش المصري من الجنوب، واحتلال رفح أولًا، ومن ثم باقي مناطق وجود الجيش المصري شمالًا حتى بيت حانون. هنا طلب يغيئال ألون من بن غوريون أن يعطيه الإذن باستعمال طريق عوجا الحفير - رفح لشنّ الهجوم على رفح، وخاصة أجزاء هذه الطريق الموجودة داخل الحدود المصرية. وافق بن غوريون على هذا الطلب، بل وأعطى أوامره بضرورة استعمال الطريق نفسها، دون الاكتراث لآراء الدول العظمى، أو حتى الأمم المتحدة.

خطّة الهجوم على رفح

توصلت القيادة العسكرية الصهيونية إلى نتيجة مفادها أنّ الحلقة الأضعف في المناطق التي يسيطر عليها الجيش المصري، هي منطقة رفح، ولذلك كان التخطيط لهذه المرحلة في حملة حوريف يقضي باحتلال المخافر المصرية الثلاثة، التي تحمي المعسكرات المصرية في رفح، وبذلك يتم تطويق الجيش المصري بالكامل، ما يسهل مهمة احتلال باقي مناطق قطاع غزة -رفح.

كان على كافة القوات الصهيونية في الجنوب مهاجمة منطقة غزة ورفح، من أجل التمويه وإبقاء القوات المصرية في ثكناتها، حتى لا تتوجه لمدّ العون لمخافر رفح. وإبقاء لواء كامل كقوة احتياط للاستفادة من النجاح في رفح، وقيمه بتنفيذ إحدى الإمكانيّات الثلاثة التالية: الانطلاق شمالًا على طريق رفح - خانيونس. أو دق إسفين آخر بين رفح وغزة، في حالة انتقال قوات مصرية لتنفيذ هجوم مضاد على القوات الصهيونية، إذا تم احتلال مدينة رفح. أو تنفيذ هجوم على غزة واحتلالها، إذا تركتها القوات المصرية بسبب احتلال رفح. كذلك كان على القوات البحرية والجوية تنفيذ هجمات في مناطق عدة، وذلك بهدف زعزعة مراكز الجيش المصري، التي من الصعب الوصول إليها عن طريق القوات البرية.

أمّا التنفيذ فكان مخططًا على النحو التالي: يقوم لواء غولاني باحتلال المخافر المصرية عند منطقة شوكت أفندي، ويغلق طريق رفح - خانيونس بالحديد والنار، ويستمر في الهجوم على معسكر رفح، حتى القضاء على القوات المصرية المتواجدة فيه.

أما لواء "هرئيل"، فيحتلّ الثكنات التي تسد الطريق بين عوجا الحفير ورفح، ويحتلّ كذلك الثكنات على مفترق الطرق رفح - العريش ورفح - عوجا الحفير، وبذلك يغلق اللواء طريق رفح - العريش نهائيًا، ما يمنع وصول إمدادات أو إجراء انسحابات للجيش المصري، الذي سيصبح محاصرًا بشكل كامل. يضغط اللواء نفسه، بعد ذلك، باتجاه رفح على طول الطريق الغربي لمعسكر رفح. كذلك يقوم اللواء بشنّ حملات تخريبية على مفترقات الطرق التي تربط رفح بالعريش والعوجا، حتى العمق الأقصى الذي يستطيع الجنود الوصول إليه.

يشكّل لواء "شموني" قوة احتياط مدرعة لتنفيذ هجمات مضادة في منطقة رفح، إذا لزم الأمر. أما لواء "هنيغيف" فيقوم بعمليات تمويه بواسطة تنفيذ هجمات في منطقة غزة وبيت حانون، خلال الهجوم الذي تشنّه قوات "غولاني" و"هرئيل". وتشترك في الحملة أيضًا قوات الحرس الوطني في النقب، والتي كان عليها أن تتمركز في منطقة خربة معين - بيت حانون، وتقوم بهجمات نارية تمويهية على عبسان.

أمّا القوات المصرية في منطقة رفح فكانت بحجم لواء، تحت قيادة العقيد حسن حشمت، ومكوّنة من كتيبة مشاة فعالة، وكتيبتي مشاة احتياط، وثلاث سرايا مدافع رشاشة متوسطة، وثمانية مدافع عيار 25 رطلًا، وبطارية مدفعية مضادة للدبابات عيار 6 أرطال. خلال المعارك تمّت إضافة قوات مشاة أخرى ومدفعية هاون ووحدة دبابات "لوكاست".

غارات جوية مكثفة خلال الهجوم البري

من أجل زعزعة وحدات الجيش المصري، كثّفت القوات الجوية الصهيونية من هجماتها على القوات المصرية في قطاع غرة - رفح، وشنّت عددًا كبيرًا من عمليات القصف.

في الساعة 07:11، من يوم 01 كانون ثانٍ/يناير 1949، قصفت طائرتا "سبيتفاير" مفرق السكة الحديدية عند رفح. ألقت كل واحدة منهما قذيفتين بوزن 70 كغم لكل واحدة. أصابت النيران المصرية المضادة للطائرات إحداهما ما اضطرهما للرجوع على أعقابهما.

في الساعة 05:33 من يوم 02 كانون ثانٍ/يناير 1949، أُلقيَت 4 قنابل وزن كل واحدة 70 كغم، من طائرتي "سبيتفاير" على قطار مرّ من رفح، وعادت الطائرتان على أعقابهما بعد أن فتحت عليها القوات المصرية النيران المضادة للطائرات بكثافة. في نفس اليوم قصفت مدينة خانيونس، عند الساعة 09:10 بواسطة أربع طائرات "هارڤارد"، حيث القت معًا، ما مجموعه 32 قذيفة بوزن 100 كغم للواحدة. وقع قسم منها على سجن خانيونس ما أدى إلى مقتل 40 سجينًا. ووقعت إحدى القذائف جنوب محطة الشرطة وقتلت الكثير من الناس.

في الليلة بين 2-3 كانون ثانٍ/يناير قُصفَت مدينة غزة، بواسطة ثلاث طائرات من نوع "كوماندو"، وكل واحدة منهم ألقت 24 قذيفة من نوع "A50/80".

في الساعة 09:00 من يوم 03 كانون ثانٍ/يناير 1949، قامت قاذفتان من نوع "B17" بإلقاء قنابل بوزن 3200 كغم على أهداف عدّة في منطقة رفح. تعرضت القاذفتان لنيران مصرية كثيفة مضادة للطائرات عيار 40 مم و80 مم.

في نفس اليوم، قُصِفَت خانيونس عند الساعة 08:30، بواسطة ست طائرات "هارڤارد" وطائرتي "سبيتفاير"، وألقت كلها مجتمعة 26 قنبلة بوزن 50 كغم للواحدة. وأعيدت الكرّة عند الساعة 16:22، وفِي الساعة 23:30، ما أدّى إلى مقتل 22 جنديًا مصريًا.

في الساعة 07:10 من يوم 4 كانون ثانٍ/يناير، قُصِفَت رفح بثلاث طائرات من نوع "هارڤارد". ألقت كل طائرة ثماني قذائف بوزن 50 كغم لكل واحدة. وفِي الساعة 11:25 أعيدت الكرّة، بثلاث طائرات من نفس النوع، مصحوبة بطائرتي "سبيتفاير"، وألقيت كافة القنابل على السكة الحديدية.

في ليلة 4-5 كانون ثانٍ/يناير، قُصِفَت غزة في الساعة 21:15 وفِي الساعة 23:33، بواسطة طائرات "كوماندو".

في الساعة 07:55 من يوم 5 كانون ثانٍ/يناير، قصفت مدرسة رفح وسكة الحديد، بواسطة قاذفتي "B-17” وطائرتي "سبيتفاير".

في الساعة 08:33 من يوم 06 كانون ثانٍ/يناير، قصفت مدرسة رفح مرة أخرى بواسطة قاذفة من نوع "B-17” وطائرتي "سبيتفاير".

في الساعة 07:30 من يوم 07 كانون ثانٍ/يناير، قصفت السكة الحديدية بواسطة قاذفتي "B-17”، حيث ألقت كل واحدة منهما 16 قنبلة بوزن 100 كغم لكل واحدة. وتم القصف أيضًا عند الساعة 11:37 والساعة 13:35. في نفس اليوم، قصفت خانيونس مرّتين، عند الساعة 07:30 والساعة 10:50 بواسطة خمس طائرات "كوماندو" وطائرتي "سبيتفاير" في كل مرة.

كان المجموع الكلي للطلعات الجوية ضد رفح، منذ بداية حملة "حوريڤ"، هو 27 طلعة، وألقي 42 طن متفجرات تقريبًا. أما غزة فكان نصيبها 28 طلعة جوية و36،5 طن متفجرات. أما خانيونس فنالت 28 طلعة جوية مع أكثر من 14 طن متفجرات. ودير البلح 12 طلعة جوية و5،5 طن متفجرات.

انطلاق الهجوم البري على رفح

بدأ الهجوم البرّي على رفح من الناحية الشمالية الشرقية، في الساعة 23:00 من ليلة 3-4 كانون ثانٍ/يناير 1949. حسب الخطة المعدة سلفًا، تولى لواء "غولاني" المهمة، مستهدفًا تبّة الأسرى وتبة لطفي (تبة المقابر والتبة 102، حسب المصادر الصهيونية).

المنطقة المستهدفة يحدّها من الناحية الغربية الطريق الرئيسي من خانيونس إلى رفح، ومنه يتفرع الطريق المؤدي إلى العريش وعوجا الحفير. وتقع في هذه المنطقة مجموعة من التلال، والتي تحتوي على استحكامات مصرية من أجل الدفاع عن رفح، وهي تبّة لطفي من الشمال (تبة 102 حسب المصادر الصهيونية)، ثم تبّة خيري وتبة الأسرى، والأخيرة تعتبر هامة جدًا كونها الأعلى بين التلال المذكورة، ولأنّها تتحكّم بجميع الطرق التي تخرج من مستعمرة "نيريم" (عربيًا: الدنجور) وتؤدي إلى رفح، ولذلك يمكن للقوات المصرية المتواجدة عليها كشف تحرك القوات الصهيونية لمسافات بعيدة. أمّا احتلالها فيفتح ثغرة تؤدي إلى تهديد باقي المواقع الدفاعية عن قاعدة القوات المصرية في رفح.

تولّت الكتيبة الثانية/"غولاني" مهمة الهجوم على تبّة الأسرى وتبة لطفي، على أن تقوم إحدى السرايا بالهجوم على تبّة الأسرى، بينما تتولى سرية أخرى الهجوم على تبّة لطفي، وتبقى سرية ثالثة على أهبة الاستعداد للتدخل في المعركة إذا لزم ذلك. كانت خطّة الهجوم تتلخص في مفاجأة القوة المصرية على أي من التبّتين، بواسطة تسلل المشاة حتى الوصول إلى الأسلاك الشائكة التي تحيط بالقوات المصرية، ومن ثم تفجيرها بواسطة الأنابيب المتفجرة ("البونجلور").

وعُزّزت السرية التي كان عليها مهاجمة تبّة الأسرى، بمدفع رشّاش متوسط ومدفع هاون عيار 81 مم، وأربع خبيري متفجرات من أجل تنفيذ عملية اقتحام الأسلاك الشائكة بواسطة تفجيرها بـ"البونجلور".

احتلال تبّة الأسرى وفشل اقتحام تبّة لطفي

تقدمت سرية "غولاني" تحت جنح الظلام، حتى وصلت إلى جدار الأسلاك الشائكة الخارجي، وبدأت الخلية المسؤولة عن اقتحام الجدار بقص الأسلاك يدويًا حتى لا تحدث ضجيجًا، وبذلك استطاعت تنفيذ المهمة بدون أن تشعر بها القوة المصرية المتمركزة على تبّة الأسرى. عندها تقدمت باقي القوة باتجاه الأسلاك الداخلية للمعسكر، وعندما أصبح الجنود على بعد 50 مترًا من الأسلاك، شعرت بهم القوة المصرية وفتحت عليهم نيران مدفع رشاش من نوع "فيكرز"، ثم تلاه مدفع رشاش آخر. لكن رغم النيران المصرية، استطاع خبيرو المتفجرات أن يقتحموا الجدار الداخلي، ومن هنا دخلت باقي القوة الصهيونية واحتلت تبّة الأسرى بعد مقاومة ضعيفة، بفعل المفاجأة وعدم يقظة الجنود المصريين.

أمّا السرية الأخرى التي هاجمت تبّة لطفي فقد تقدمت باتجاهها لتفاجئ الجنود المصريين، كما حدث في تبّة الأسرى. وخلال تقدم الجنود باتجاه التبة قصفتها بقذائف مدفعية مكثفة من أجل التغطية على المشاة. فِي الساعة 23:30 وصلت قوة "غولاني" إلى الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعسكر، وهنا شعر قائد القوة المصرية بحركة غير عادية في الجانب الأيمن للتبة، فأمر بفتح نيران المدافع الرشاشة نحو مصدر الحركة المشبوهة، ما تسبّب في حالة من الارتباك لدى القوة المقتحمة، التي تلقّت ضربات موجعة، ما جعلها تتراجع إلى الخلف، إذ اندفعت نحوها قوة المشاة المصرية وهاجمتها بالقنابل اليدوية، ما زاد من صعوبة موقفها. وفِي خضم المعركة، أصيبت قيادة القوة الصهيونية وقسم من ضباطها عن طريق الخطأ، بقذائف المدفعية الصهيونية ما تسبّب بفوضى عارمة في سرية "غولاني"، فتراجعت منسحبة حتى نقطة انطلاق الهجمة على تبّة لطفي.

في الليلة التالية، أي ليلة 4-5 كانون ثانٍ/يناير 1949، عند الساعة 23:30، نُفّذت محاولة صهيونية أخرى لاحتلال تبّة لطفي. في هذه المحاولة، تقدّمت القوة بواسطة أنصاف المجنزرات المدرعة من الكتيبة التاسعة "غولاني"، أمّا القوة المصرية فعُززّت بمدفعية مضادة للدبابات، تحسبًا لهجوم مدرع. عندما أصبحت القوة الصهيونية على بعد 400 م من المعسكر المصري، تقدم المشاة بعد أن ترجّلوا عن أنصاف المجنزرات، وانقسموا إلى قسمين، أحدهما هاجم من الناحية الجنوبية، أما القسم الآخر فتقدم من الناحية الشرقية. رافقت المجنزرات الوحدات المتقدمة مطلقة نيرانًا شديدة باتجاه القوة المصرية التي تدافع عن التل، فما كان من هذه، إلّا أن ردّت بالقذائف المضادة للدبابات، ما تسبّب بإعطاب ثلاث مجنزرات ومدرعة، وما تسبب، بدوره، في وقف تقدم القوة الصهيونية، التي تكبدت خسائر فادحة في الأرواح، ما اضطرّها إلى الانسحاب بدون أن تنجح بتنفيذ مأربها في احتلال تبّة لطفي.

رغم هذه المحاولات، بقيت تبّة لطفي بأيدٍ مصرية، وفِي يوم 6 كانون ثانٍ/يناير، هدأت المعركة عند هذه التبة، واقتصرت على طلقات متفرقة بين الطرفين.

هجمات مصرية مضادة لاسترداد تبّة الأسرى

بسبب أهميّة تبّة الأسرى للمصريين، تقرّر تنفيذ هجوم مضاد لاستردادها. وفِي نفس الوقت صدرت الأوامر للواء سيارات حدود (عدا كتيبة واحدة)، بالتحرك من معسكر دير البلح إلى رفح، لنجدة القوة التي تحاول تنفيذ الهجوم المضاد.

بدأ الهجوم عند ساعات الفجر الأولى، وتقدمته 9 دبابات من نوع "لوكوست" وعدة مدرعات. أما المشاة فقد انقسموا بحيث سارت حظيرة واحدة خلف إحدى الدبابات أو المدرعات. توقفت الدبابات على بعد حوالي 1000 م من الجنود الصهاينة الذين تمركزوا على التل داخل الخنادق التي حفرها المصريون للدفاع عن تبّة الأسرى. وعزّز هؤلاء، أي الجنود الصهاينة، دفاعاتهم بمدفعي رشاش من نوع "فيكرز"، ومدفعي هاون عيار 3 إنش، استولوا عليهم بعد احتلال التلّ.

عندما توقّفت الدبابات المصرية، بدأت المدفعية عيار 25 رطلًا، بقصف مكثف على التل استمر لمدة ساعتين، ما تسبّب بقتل وجرح عدد كبير من الجنود الصهاينة. بعدها تقدمت الدبابات ومن خلفها المشاة، حتى وصلت إلى مسافة 500 مترٍ من المعسكر، عندها تم استعمال النيران المضادة للدبابات، من قبل الجنود الصهاينة، ما تسبب بإعطاب 4 دبابات ومدرعتين، فانسحبت القوة المصرية إلى مواقعها تحت ستار كثيف من المدفعية عيار 37 مم. لكن هذا لم يمنع المتمركزين على التبة من قصف القوة المنسحبة بقذائف الهاون عيار 2 إنش وقذائف البيات، ما أدّى إلى اصابة الكثير من الجنود المصريين، وسقوط عدد كبير من الجرحى والقتلى بينهم.

في الساعة 10:30، وصلت وحدات سيارات الحدود المصرية إلى أرض المعركة بعد فوات الأوان، إذ أنّ الهجوم المضاد الأول انتهى، فقامت هذه الوحدات بالتغطية على الانسحاب بعد اتخاذها موقعًا دفاعيًا، ثم انضمت إليها الكتيبة السابعة بنادق مشاة، والتي اتخذت موقعًا دفاعيًا إلى يمين وحدات سيارات الحدود، وبهذه الطريقة تم تكوين خط جديد هدفه الدفاع عن معسكر رفح في وجه القوات الصهيونية، ويحل محل موقع تبّة الأسرى.

في الساعة 11:00، شُنَّ هجوم مصري مضاد، بواسطة دبابات "لوكوست" وخلفها المشاة. هذه أيضًا تكبدت خسائر فادحة حيث أعطِبَت 4 دبابات أخرى، ما اضطرها إلى الانسحاب مرة أخرى.

بعدها، نُفّذت هجمة مضادة أخرى، بواسطة قوة مشاة، معززة بإنصاف مجنزرات مزودة بقاذفات اللهب، وظلت المجنزرات تتقدم حتى مسافة 100 مترٍ من الموقع المحتل، أمّا المشاة فوصلوا إلى مسافة 30 مترًا، ولكن المصريين لم يستغلوا هذه الهجمة لإنهاء المسألة، إذ كانت نيرانهم غير فعالة، رغم أنّ القوة الصهيونية كانت قد ضعفت بشكل كبير بفعل الهجمات السابقة. ما أن أصابت قذيفة "بيات" إحدى المجنزرات، حتى انسحبت هذه وخلفها المجنزرة الثانية، ما تسبّب في انسحاب المشاة المصريين الذين تكبدوا خسائر فادحة، بفعل النيران الصهيونية التي استمرت في قنصهم رغم الانسحاب.

بعد هذا الهجوم، لم تنفذ هجمات أخرى لإعادة التل، بل تم الاكتفاء بالخط الدفاعي الجديد، والذي منع القوة الصهيونية من الوصول إلى معسكر رفح. استمرت المعارك بين الطرفين خلال اليومين القادمين بدون تغيير في حالة التعادل هذه.

احتلال مواقع مصرية جنوب مفترق رفح

بالتزامن مع هجوم "غولاني" من جهة الشمال الشرقي، بدأ لواء "هرئيل"، معززًا بالكتيبة التاسعة من لواء "هنيغيف"، بمهاجمة تقاطع الطريق الذي يربط العوجا ورفح والعريش وغزة، على أن تخرج القوة من العوجا وتتجه شمالًا حتى تصل إلى المخافر المصرية الستة الواقعة إلى الجنوب من المفرق وتحتلها، وكانت هذه المخافر تقع طريق العوجا - رفح ومرتبة على شكل أزواج، بحيث يغطي كل زوج جانبي الطريق: المخفران "أ" و "ب" هما الأقرب إلى العوجا، والمخفران "هـ" و"و" هما الأقرب إلى مفرق رفح، والمخفران "ج" و"د" في الوسط. كان المصريون يعتبرون كل زوج موقعًا واحدًا مكونًا من دُشمين (مخفرين)، على اعتبار أنّ الزوج الأول من الشمال هو الموقع رقم 1، ثم الموقعان رقم 2 ثم 3. كانت خطة الهجوم الصهيونية تنص على احتلال هذه المخافر بالترتيب، من الجنوب إلى الشمال.

بدأ الهجوم على المخفر "أ" في ليلة 3-4 كانون ثانٍ/يناير 1949، واحتلّ بهجوم من مشاة الكتيبة الرابعة/"هرئيل"، بعد قصف مدفعي مركز، بعد أنّ تكبدت الكتيبة المهاجمة خسائر في الأرواح والمعدات.

في فجر يوم 4 كانون ثانٍ/يناير، هاجمت الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" المخفر "ب"، والذي كان مكونًا من عدة مواقع دفاعية، متصلة ببعضها بخنادق. ولَم يكن الموقع محاطًا بأسلاك شائكة، ما سهّل الهجوم عليه، بواسطة أنصاف المجنزرات التي كانت مندفعة إلى الموقع وهي تطلق نيران أسلحتها الكثيفة. عند وصولها إلى حدود المخفر، ترجّل المشاة عنها وهاجموا المواقع المصرية، تحت غطاء قذائف المجنزرات والمدافع الرشاشة وقاذفات اللهب. واحتُلّ المخفر المصري بعد فترة قصيرة من اقتحام الموقع، بعد انسحاب كل القوة المصرية المرابطة هناك.

في ساعات بعد الظهر، هاجمت الكتيبة الرابعة/"هرئيل" الموقع "ج"، الذي كان خاليًا من الجنود المصريين، ولذلك احتلّ بدون أي مقاومة.

في نفس الوقت، هوجِمَ الموقع "د" من قبل الكتيبة التاسعة/"هنيغيف"، التي احتلته بعد أن هاجمتها الطائرات المصرية وهي في طريقها إلى الموقع، واوقعت فيها خسائر في الأرواح، لكن المعركة على المخفر "د" كانت قصيرة بعد انسحاب مصري سريع، أعقبه قصف شديد من المدفعية المصرية استمر فترة من الزمن.

معارك شديدة وإعلان مصري بقبول التفاوض

بعد منتصف ليلة 4-5 كانون ثانٍ/يناير 1949، نفّذت الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" هجومًا بواسطة أنصاف المجنزرات على المخفر "هـ"، ونجحت باحتلاله عند الساعة 02:00. لأنّ هذا الموقع كان مع الموقع "و" يشكلان البوابة الأخيرة للوصول إلى تقاطع طريق العريش-غزة-العوجا-رفح، حيث أنّهما يبعدان كيلومترًا واحدًا عن المفرق، قامت القوات المصرية بشنّ هجوم مضاد فوري، بواسطة السرية الثانية المدرعة ومعها بعض الدبابات وقاذفات اللهب، ما مكّنها من استرداده، بعد إعطاب عدد من أنصاف مجنزرات القوة المهاجمة.

في ساعات المساء من يوم 5 كانون ثانٍ/يناير، هجمت القوات الصهيونية على محورين، الأوّل استهدف موقعًا يبعد 3 كم إلى الغرب من مفترق الطرق قرب التل رقم 70، وذلك بهدف إغلاق طريق رفح - العريش، لمنع أي نجدات تأتي من هذه الجهة. ونجحت وحدة "هرئيل" في إغلاق الطريق أمام جميع التحركات خلال اليومين القادمين، رغم تعرضها لهجوم مضاد مصري، بدبابات "لوكوست"، يوم 6 كانون ثانٍ/يناير عند الساعة 13:00. انقسمت الدبابات المصرية إلى قسمين، هاجم القسم الأول من الناحية الشمالية الشرقية، بينما هاجم القسم الثاني من الجهة الغربية. صُدّت الهجمة بالنيران المضادة للدبابات والمدافع الرشاشة، وأُعطِبَت 9 دبابات مصرية، ما تسبب في كسر الهجوم المضاد، فعمدت القوات المصرية إلى قصف الموقع بالمدفعية طوال اليوم.

أمّا محور الهجوم الثاني، فكان ضد المخفر "هـ"، وقد شُنّ بواسطة الكتيبة الرابعة/"هرئيل"، التي احتلّت الموقع بعد معركة شديدة عند ساعات فجر 6 كانون ثانٍ/يناير، وتحت غطاء زوابع رملية عاصفة. بعد احتلال الموقع بمدة قصيرة، شنّت قوّة مدرعة مصرية مكوّنة من سريتي دبابات "لوكوست" تساندها قوة ميكانيكية، هجوما مضادا سريعا، وركّزت نيران مدافع الهاون على قوة "هرئيل". ما أدّى إلى نجاح الهجوم المضاد واقتلاع كتيبة "هرئيل" من الموقع "هـ"، بعد تكبيدها خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

بعد الفشل في احتلال هذا الموقع، قامت المدفعية الصهيونية بقصفه قصفًا شديدًا من الساعة 06:30 حتى الساعة 08:30 بهدف القضاء على المدفع المصري المضاد للدروع عيار ستة أرطال، ومدافع الهاون الموجودة في الموقع.

خلال المعارك المشتعلة على أكثر من جبهة، أبلغت مصر الأمم المتحدة بواسطة بريطانيا والولايات المتحدة، في يوم 5 كانون ثانٍ/يناير 1949، بأنّها على استعداد للدخول فورًا في عملية تفاوضية مع إسرائيل على وقف إطلاق النار، بشرط أن توقف هذه اعتداءاتها على قطعات الجيش المصري في منطقة رفح. هذا الأمر أثار غضب بن غوريون، كونه سيتسبب بمنع إسرائيل من مأربها في تدمير الجيش المصري، واحتلال المناطق الفلسطينية التي يسيطر عليها هذا الجيش.

محاولات صهيونية أخيرة لحسم المعركة

قرّرت القيادة الصهيونية أن تستمرّ في عملياتها لاحتلال رفح، رغم الموافقة المصرية على التفاوض، وأرجأت إجابتها على الأمم المتحدة بشأن وقف إطلاق النار، حتى تستنفد كل الوسائل العسكرية المتاحة، ولذلك استدعت قوات اللواء "شموني" المدرعة لتنفيذ محاولة ساحقة بالدبابات لاحتلال الموقع "و"، وهو الأكثر تحصينًا والأقرب إلى مفترق الطريق.

في الساعة 14:00 من يوم 6 كانون ثانٍ/يناير، انطلقت قوة مكونة من سريتين محملتين على عربات مصفحة، وثلاث دبابات من نوع "شيرمان إم 3" إلى الموقع "و" لاحتلاله، وتخلّل الهجوم قصفًا شديدًا على الموقع بمدافع الهاون عيار 60 مم. عندما اقتربت المصفحات من الأسلاك الشائكة، فتحت عليها المدفعية المضادة للدبابات عيار ستة أرطال نيرانها السريعة، فأعطبت نصف مجنزرة كانت محملة بالمتفجرات، ما تسبب باشتعال النيران فيها حتى اليوم التالي. رغم تعطل مدافع "البرن" المصرية الرشاشة بسبب العاصفة الرملية، إلا أن المقاومة اشتدت بواسطة البنادق والأسلحة الخفيفة، ما أدّى إلى انسحاب القوة، بدون أن تحقّق هدفها.

بعد هذه المحاولة الفاشلة، حاولت نفس القوة أن تشنّ هجومًا آخرَ بدون تغطية مدفعية، واستطاع جنودها الوصول إلى الأسلاك الشائكة المحيطة بالموقع، ولكنّ نيران المدفع عيار ستة أرطال أجبرت القوة الصهيونية على الانسحاب مجددًا. عندها حلّ الظلام ولَم يكن بالإمكان شنّ هجوم ليلي آخر بسبب سوء الرؤية بشكل كبير بفعل العاصفة الرملية.

في هذه الأثناء، قامت قوة من الكتيبة التاسعة/"هنيغيف" بتنفيذ عمليات تخريبية في سكة الحديد، لتشديد الحصار على الجيش المصري من جهة العريش، وفجّرت لغمًا تحت قاطرة في طريقها إلى العريش محملة بمئات الجنود المصريين الجرحى. واستطاعت كذلك، قوات "غولاني" احتلال موقع الكرم من الناحية الجنوبية الشرقية، وقوات "هرئيل" احتلت موقع الشيخ زويّد غرب مفرق رفح.

شاء القدر أن تأتي العاصفة الرملية لتبطل أيّة إمكانية لعمليات أخرى على الجبهة، حتى بلوغ موعد وقف إطلاق النار الذي حدّده مجلس الأمن وهو في الساعة 14:00 من يوم 7 كانون ثانٍ /يناير 1949، حيث توقفت المعارك نهائيًا في الجبهة.

خاتمة

حارب الجنود والضباط المصريون بشجاعة كبيرة في معارك رفح، وتشبّثوا "بأسنانهم وأيديهم" بالمواقع التي دافعوا عنها، ما منع احتلال ما يسمى اليوم بقطاع غزة، ومنعوا بذلك تشريد عدد كبير جدًا من الفلسطينيين. كانت هذه المعارك هي آخر المعارك على جميع جبهات حرب 1948، وليس على الجبهة المصرية فقط، حيث أنّ الجيوش العربية توقّفت عن خوض المعارك منذ عدة اشهر.

تكبّدت مصر خسائر فادحة في الأرواح خلال معارك حملة "حوريڤ"، إذ سقط 459 شهيدًا من الجنود المصريين، ووقع في الأسر الصهيوني 565 جنديًا وضابطًا. وفِي المعدات خسرت مصر ست طائرات وتضرّرت خمس أخرى، ودُمّرت 16 دبابة و18 مصفّحة و10 مجنزرات. كما حصلت إسرائيل على غنائم كثيرة منها 140 سيارة عسكرية، و7 مدافع مضادة للطائرات، و6 مدافع هاون. أمّا وزير الدفاع المصري آنذاك، فأبلغ بريطانيا أن عدد الضباط المصريين الذي أصيبوا في الفترة الثانية للحملة (أي من 28 كانون أول/ديسمبر 1948 وحتى 7 كانون ثانٍ/يناير 1949) كان حوالي 170 ضابطًا و3800 جندي من رتب مختلفة من المشاة، و18 طاقم طيران و44 آخرين من رتب مختلفة في سلاح الجو و58 من سلاح البحرية المصري، دون أن يحدد عدد الشهداء منهم.

هذه الخسائر الفادحة، أدّت بالقيادة السياسية المصرية وتحت ضغط القيادة العسكرية، وخصوصًا فؤاد صادق باشا قائد الجيش في فلسطين، خوفًا على تدمير قطعات الجيش المصري الرئيسية في فلسطين، أن توافق على الدخول في المفاوضات. أمّا القيادة الصهيونية وعلى رأسها بن غوريون، فحقّقت هدفها الأساس من الحرب وهو إجبار مصر على دخول المفاوضات لإيقاف دائم لإطلاق النار. ولذلك، أصدر بن غوريون أوامره بانسحاب كافة القوات الصهيونية من المواقع التي احتلتها في المرحلة الثانية للحملة، على أن يتم ذلك حتى يوم 9 كانون ثانٍ/يناير 1949، رغم معارضة يغئال ألون، الذي استشاط غضبًا لمنعه من شنّ عملية تدمير كاملة للجيش المصري، حيث أنّ بن غوريون كان خائفًا من تعرضه لضغط أميركيّ جديد، كما حدث له بعد الدخول إلى سيناء، وذلك لأنّ الرئيس الأميركي، هنري ترومان، صار يعتقد أنّ إسرائيل تقوم بخلق مشاكل حربية. لهذا السبب قام بن غوريون بإبلاغ الأمم المتحدة بموافقته على وقف إطلاق النار الذي دخل بعد منتصف يوم السابع من كانون ثانٍ/يناير 1949.

انتهت معارك حرب 1948 نهائيًا، مع توقف الهجمات على رفح، ولكن الحملات الصهيونية الاحتلالية لم تنتهِ بانتهاء المعارك، بل أن ما احتلّ بعدها أكبر من المساحة التي احتلت حتى الآن.


المصادر:

  1. يغئال ألون، "في حيل الحرب".
  2. مجلة "معرخوت"، العدد 263-4 حزيران/يونيو 1978، مقالة بعنوان: "مرحلة الحسم".
  3. داڤيد طال، "حسم عسكري في ظل مشاجرة سياسية"، كتاب: "حرب الاستقلال 1948-1949 نقاش مجدد"، تحرير ألون كديش.
  4. موشي غيفعاتي، "في طريق الصحراء والنار، سيرة الكتيبة التاسعة".
  5. دافيد بن غوريون، "يوميات الحرب 1947-1949".
  6. آڤي كوهين، "سيرة سلاح الجو في حرب الاستقلال"، المجلّد الثالث.
  7. د. رفعت سيد أحمد، "وثائق حرب فلسطين- الملفات السرية للجنرالات العرب".
  8. وليد الخالدي (مترجم)، "حرب فلسطين 1947-1948، الرواية الإسرائيلية الرسمية".
  9. نتانائيل لوراخ، "سيرة حرب الاستقلال".
  10. بنيامين عتسيوني، "طريق معارك لواء غولاني".
  11. بيني موريس، "1948 سيرة الحرب العربية الإسرائيلية الأولى".
  12. يوآف غيلبر، "استقلال ونكبة".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص