"تجميد كامينتس": الطريق طويل ومُعقد ويبدأ من النقب

"تجميد كامينتس": الطريق طويل ومُعقد ويبدأ من النقب
لجان التنظيم والبناء تصعد بالهدم وتغيب التخطيط، ركام للهدم في قلنسوة ("عرب 48")

في الوقت الذي يحتدم فيه التنافس داخل القائمة المشتركة، تداخل إليه بعض أعضاء الكنيست من الأحزاب الصهيونية، حيال تجميد أجزاء من تعديل البند 116 من قانون التنظيم والبناء المعروف بقانون "كامينتس"، واعتبار هذه الخطوة "إنجازا"، أتى الرد سريعا من لجان التنظيم والبناء اللوائية في مختلف أنحاء البلاد بتصعيد الهدم في النقب، وكذلك إرسال عشرات الإخطارات بإخلاء محال ومنشآت تجارية وصناعية وزراعية في بلدات عربية بالجليل والمثلث.

ووسط النقاشات المتعلقة بالدور الذي قامت به كل جهة للتجميد الجزئي لتطبيق قانون "كامينتس"، صعّدت وحدة مراقبة البناء التابعة لوزارة المالية، من إخطارات إخلاء المحالات التجارية في مداخل بعض البلدات، شملت جديدة -المكر، ومجد الكروم، ونحف، وشارع وادي عارة وكفر قاسم.

اكتظاظ سكاني وأزمة سكنية في أم الفحم ("عرب 48")

كما سارعت الوزارة من وتيرة استصدار الإنذارات بضرورة دفع المخالفات المالية عن المنازل والمحلات التجارية بحجة البناء دون ترخيص، والتي تصل قيمتها إلى نحو 20 مليون شكيل، وإجبار المواطنين على دفع تكاليف الهدم التي تقدر قيمتها بعشرات ملايين الشواكل.

وساهم عدم مصادقة لجان التنظيم والبناء على عدم توسيع مسطحات النفوذ والبناء والخرائط الهيكلية والمخططات التفصيلية للبلدات العربية، بإبقاء قرابة 120 ألف منزل خارج مسطح البناء ودون تراخيص، كما تسبب ذلك بوجود 50 ألف منزل تحت خطر الهدم وتهديد المخالفات المالية، بينما هناك عشرات آلاف الدونمات خارج مناطق النفوذ وتتبع - رسميا - لمجالس إقليمية، على الرغم من كونها خاصة بملكية المواطنين العرب.

وفي ظل هذه التحديات والسياسات الحكومية المتعلقة بشؤون التخطيط والبناء، تتفق الفعاليات التخطيطية والتنظيم والقانونية والشعبية والحقوقية في المجتمع العربي، على أن تجميد أجزاء من قانون "كامينتس"، خطوة مهمة، ولكنها غير كافية، وبحاجة أولا إلى إدراج وشمل النقب ضمن إجراءات التجميد، واعتماد آليات سريعة للتنظيم والتخطيط، والاعتراف بالقرى العربية مسلوبة الاعتراف، وتثبيت ملكية الأرض للعرب والممتدة على 800 ألف دونم بالنقب.

لجان التنظيم تماطل بإقرار الخرائط الهيكلية، منظر عام لباقة الغربية

وتجمع الفعاليات كذلك على ضرورة وضع خطة إستراتيجية شاملة بمشاركة الحكم المحلي العربي وجمعيات التخطيط ولجنة المتابعة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية والقائمة المشتركة، تشمل تصورا لحل أزمة السكن عبر ترخيص جميع المنازل وتوسيع مسحات النفوذ والبناء، وإقامة مناطق زراعية وتجارية وصناعية في البلدات العربية، وفقا لمطالبها واحتياجاتها وتطورها الطبيعي والمستقبلي.

وتولي الفعاليات القانونية والشعبية في البلدات العربية أهمية لضرورة ممارسة الضغوطات على السلطات ومؤسسات التخطيط التابعة لها، والدفع نحو إلزام الحكومة باتخاذ المزيد من الإجراءات التي تدفع نحو رصد ميزانيات لهذه الغاية، ولتمكين توسيع مسطحات النفوذ والبناء، وإيجاد حلول شاملة لقضايا الأرض والمسكن، وضمان المصادقة على الخرائط الهيكلية والتفصيلية، وإنقاذ عشرات آلاف المنازل العربية من الهدم وتجنيب المواطنين العرب من دفع غرامات باهظة.

النقب أولا

د. حنا سويد ("عرب 48")

وفي حديث لـ"عرب 48"، قال رئيس المركز العربي للتخطيط البديل، د. حنا سويد، إن "تجميد أجزاء من القانون عموما، أمر في غاية الأهمية، وبمثابة إنجاز للجماهير العربية، كونه يعتبر بداية لكسر العنجهية التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع المواطنين العرب، بكل ما يتعلق في قضايا الأرض والمسكن والتخطيط والتنظيم والبناء، واتهام العرب بالتسبب بفوضى البناء".

واستعرض سويد لـ"عرب 48" النواقص التي تضمنها "قرار التجميد"، وأبرزها استثناء النقب من تجميد إجراءات الهدم والغرامات الإدارية وغياب التخطيط والتنظيم، مشددا على ضرورة عمل القائمة المشتركة لشمل النقب في قرار التجميد والضغط على الحكومة من أجل الشروع بالتخطيطيات والخرائط الهيكلية والتفصيلية، وتحديدا للقرى مسلوبة الاعتراف.

ويولي رئيس المركز العربي للتخطيط البديل ضرورة ملحة لإدراج المباني الزراعية والتجارية والصناعية ضمن إجراءات التجميد، مؤكدا على أنه تم توظيف قانون "كامينتس" لمعاقبة أصحاب المصالح التجارية والصناعية والزراعية في البلدات العربية، خاصة في الجليل والمثلث، وذلك على الرغم أنها قائمة منذ سنوات طويلة وتعتبر العصب الاقتصادي للمجتمع العربي.

ويرى سويد أنه دون هذه التعديلات لن يكون جدوى وقيمة حقيقة من تجميد أجزاء من قانون "كامينتس"، قائلا: "يمكن وصف هذا التجميد والإجراء بالجبنة السويسرية التي بها الكثير من الفجوات والثغرات، أي جبن بكمية محدود وفراغات كثيرة وكبيرة".

خرائط تفصيلية لإنقاذ منازل من الهدم وتوسيع مساحة البناء في كفر قرع ("عرب 48")

وبالتالي، يقول سويد: "علينا جميعا العمل لملئ هذه الفراغات، والمطالبة بالتعامل مع الزراعة والتجارة بالبلدات العربية مثلما تم التعامل مع الكيبوتسات والقرى التعاونية التي تحظى بتجميد كافة الإجراءات والمخالفات، ومنح التراخيص لكافة المجمعات التجارية والأسواق المفتوحة والمنشآت الزراعية، وهذا النموذج يجب أن يطبق في البلدات العربية".

وحذر سويد من مغبة الإسراع في البناء، سواء لأغراض السكن أو التجارة أو الصناعة، مؤكدا على أن ذلك سيعرض المواطن للملاحقة والغرامات الإدارية والهدم.

ولفت إلى أن التجميد يقتصر على المنازل السكنية، بحيث يمنح أصحاب البيوت المبنية قبل الأول من كانون الثاني/ يناير 2018، متنفسا لتكملة التخطيط، ليقوموا باستصدار رخص للبناء، كما سيساعد القرار أصحاب البيوت التي بنيت بعد الأول من كانون الثاني/ يناير 2018، عبر استخدام القرار في المحكمة والمناورة القضائية لتجميد الإجراءات بحقهم، علما بأن قرار التجميد لا يشمل هذه البيوت.

كامينتس - برافر

وأكد سويد على أن فترة التجميد لعامين ليست طويلة وغير كافية لاستكمال التخطيطات والخرائط لتوسيع مسطحات النفوذ وإدراج المنازل العربية ضمن مسطح البناء، ومنح أصحابها الفرصة لترخيصها وإبعاد شبح الهدم.

لكن القرار، يقول سويد، "يؤسس لقاعدة تخطيطية في كل البلدات بغية إعداد خراط ومخططات تمكن الأهالي من استصدار تراخيص، وهذه مسؤولية السلطة المحلية وأقسام الهندسة، وأيضا مسؤولية القائمة المشتركة، المُطالبة بالضغط على الحكومة لرصد ميزانيات لهذه الأهداف والمشاريع التخطيطية".

وأوضح أن قرار تجميد أجزاء من "كامينتس" بمثابة بذور أولى يجب زراعتها واستثمارها من أجل معالجة قضايا الأرض والمسكن، مشددا على أن حصاد هذه البذور يجب أن يكون من خلال تأسيس قاعدة بيانات تخطيطية لكل قرية ولكل مدينة عربية، لتنقذ عشرات آلاف المنازل من الهدم، وتوسع المسطحات والنفوذ وإلا لن يستفيد المجتمع العربي شيئا من هذه الإجراءات.

حراك شعبي رفضا لهدم المنازل العربية ("عرب 48")

وبين تجميد أجزاء من "كامينتس" ومخطط "برافر" في النقب، يوضح سويد أن "مخطط برافر هو مشروع قانون حكومي تم سحبه بضغط جماهيري وحراك شعبي متواصل بكل ما يتعلق في الصراع على ملكية الأرض والاعتراف بالقرى مسلوبة الاعتراف، ما يعني وقف مخطط تصفية الأراضي والإبقاء على النضال للاعتراف بالقرى، ولكن الهدم ما زال مستمرا".

ولذلك، يوضح سويد، "تكمن أهمية قصوى لشمل النقب بإجراء التجميد لإنقاذ آلاف المنازل في القرى مسلوبة الاعتراف من الهدم، والأهم هو التخطيط لخرائط هيكلية وتفصيلية لمختلف القرى مسلوبة الاعتراف وتوسيعها نفوذها ومسطحاتها، ما يعني تحصين أراضيها والحفاظ على الملكية ومنعها من المصادرة أو وضع اليد عليها من قبل المؤسسات الإسرائيلية".

إجراء التجميد

المحامي توفيق جبارين ("عرب 48")

ويتفق عضو بلدية أم الفحم، المحامي توفيق جبارين، الذي كان عضوا في لجنة التنظيم والبناء المحلية بوادي عارة، مع رئيس المركز العربي للتخطيط البديل بأن التجميد خطوة إيجابية لكنها تبقى غير كافية، مؤكدا على أن تجميد أجزاء من القانون الذي سرع إجراءات الهدم وضاعف الغرامات وسلب أصحاب البيوت إمكانية المناورة في المحاكم، لم يطوِ ملف الهدم والغرامات، بل جمّدها مؤقتا فقط، مع الاستمرار بسياسة الهدم تجاه المباني الزراعية والصناعية والتجارية.

ورجح المحامي جبارين في حديثه لـ"عرب 48" أن إجراء التجميد وإن كان يحمل طابعا سياسيا، لكنه غير واضح المعالم وضبابي، ويحمل في طياته تفسيرا لسياسة الهدم وتنفيذ الأوامر والغرامات الإدارية، وتحديدا بكل ما يتعلق بالمباني السكنية، مشددا على ضرورة إدراج النقب وشمل كافة قطاعات البناء الزراعي والتجاري ضمن إجراءات التجميد، وتحديد فترة 5 سنوات على الأقل لإنهاء الخرائط الهيكلية والمفصلة بالبلدات العربية.

وأشار جبارين إلى ما اعتبره "خشية الحكومة من الرأي العام الإسرائيلي بحال منحت البلدات العربية تسهيلات بقضايا الأرض والمسكن"، لافتا إلى أن ما يؤكد ذلك هو تحرير المخالفات والغرامات الإدارية للمصالح التجارية والصناعية والمنشآت الزراعية في وادي عارة والمثلث ونحف ومجد الكروم وجديدة - المكر.

قوانين عنصرية بقضايا التنظيم والبناء للحد من توسع البلدات العربية ("عرب 48")

وشدد جبارين على ضرورة وضع التخطيط والبناء في سلم أولويات المجتمع العربي بكافة مركباته، وعلى السلطات المحلية توفير طواقم هندسية وتخطيطية مهنية، مطالبا لجان التنظيم والبناء اللوائية بعدم التوجه للتسريع بإجراءات الهدم والغرامات الإدارية، ومنح المنازل العربية فرصة لتُشمل ضمن مسطح البناء من خلال توسيع الخرائط الهيكلية والمصادقة على الخرائط التفصيلية، وهي مهمة ومسؤولية السلطات المحلية والحكومة أيضا المطالبة برصد الميزانيات لذلك.

شبح الهدم

المحامي فراس بدحي

وفي العودة للسلطات المحلية العربية وتجربة بعض البلديات والمجالس بتقديم مخططات للخرائط الهيكلية والخرائط والتفصيلية، كان لمجلس كفر قرع تجربة في إنقاذ منازل من الهدم وإبعاد شبح الهدم عن منازل أخرى عبر خرائط تفصيلية، وتوسيع مسطح البناء ونفوذ القرية وإقرار منطقة صناعية، من خلال الخارطة الهيكلية المستحدثة، مثلما أوضح رئيس المجلس وعضو لجنة التنظيم والبناء اللوائية في حيفا، المحامي فراس بدحي.

وقال بدحي في حديث لـ"عرب 48" علق من خلالها على تجميد أجزاء من تعديل البند 116 من قانون التنظيم والبناء، إن المطلوب هو إلغاء كلي لقانون "كامينتس"، لافتا إلى أن الحديث يدور عن تعديلات ذات طابع سياسي، وهو ما يوضح النهج والسياسة المتبعة، وهذا يعني أن عمليات الهدم والغرامات الإدارية سوف تستمر، لكنها تستثني منازل ومباني السكن فقط، ولا يتطرق للمصالح التجارية والصناعية والزراعية، ما يعني أن هذا يشكل خطرا مباشرا على المنازل والمنشآت بالبلدات العربية.

وأوضح بدحي أنه في ظل عدم وجود خرائط هيكلية مصادق عليها أو خرائط تفصيلية من شأنها أن تمنح المواطن إمكانية الحصول على رخصة بناء وكهرباء، سيبقى شبح الهدم يخيم على العائلات العربية، وعليه، لا بد من تحديث الخطة الحكومية 922 لتشمل جميع البلدات العربية في رصد ميزانيات للتخطيط والبناء وتحضير مخططات هيكلية وتفصيلية لكافة المدن والقرى العربية.

الإجراءات البيروقراطية

وأكد عضو لجنة التنظيم والبناء اللوائية في حيفا أن مهلة العامين لإمكانية تقديم خرائط هيكلية وتفصيلية التي يشملها التعديل، غير كافية لحل أزمة الأرض والمسكن والمباني غير المرخصة، وعليه لا بد من قرار حكومي لرصد الميزانيات، وتعديل الجدول الزمني للجان اللوائية للمصادقة على الخرائط الهيكلية والتفصيلية.

وإن كانت هذه الخطوة مباركة، حتى ولو لم تكن كافية، يرى بدحي أن "الترويج للتجميد على أنه إنجاز كبير، أمر لا يعكس الواقع، وعليه يجب تصعيد النضال ومواصلة الجهود لتجميد أو إبطال كلي لقانون كامينتس.

وأوضح بدحي أنه كعضو في اللجنة اللوائية، يسعى جادها لتحريك الملفات المتعلقة بالبلدات العربية وطرح خصوصياتها، لافتا إلى "وجود تقدم ملحوظ ووعي لأهمية وضرورة إعداد الخرائط والتخطيط والتطوير، ويتمثل ذلك من كمية الخرائط التي تم إعدادها بالعامين الماضيين خاصة في المثلث الشمالي ومنطقة وادي عارة".

رغم ذلك، أكد بدحي أن التعامل مع اللجنة اللوائية كمؤسسة تخطيطية ليس بالأمر السهل، إذ تواجه السلطات المحلية العربية مصاعب كبيرة، خاصة في الإجراءات البيروقراطية وعدم التعاون من قبل اللجنة لحل مشاكل عينية لمنازل مهددة بالهدم منذ سنوات وأعدت لها خرائط مفصلة، إذ يعتبر ملف الأرض والمسكن قضية جوهرية ومركزية ووجودية لدى المواطنين العرب.