تحقيق | تحرّشوا بي ولم أتوجّه للشرطة.. وهذه أسبابي (3)
رسمة تعبيرية (تصميم: شارلوت شاما - عرب 48)

تحقيق | تحرّشوا بي ولم أتوجّه للشرطة.. وهذه أسبابي (3)

في الجزء الثالث من التحقيق الذي أجراه الزميل ربيع عيد ننشر شهادات النساء، خصوصًا في ما يتعلّق بسؤال التوجّه إلى الشرطة، ونسلّط الضوء على المراحل النفسية والاجتماعيّة التي تمرّ بها المرأة التي تعرّضت للتحرّش وموقف الجمعيات والمؤسّسات ذات الصلة.


طُرح خلال إجراء التحقيق سؤال مركزيّ: لماذا لا تتوجّه ضحايا التحرّش أو الاعتداء الجنسي إلى الشرطة، وتضطر إلى التعامل مع موضوع له تأثيرات نفسية بعيدة المدى، وفق الشهادات، وحدها أو عبر المؤسّسات العربيّة المختصّة.

تقول نور نعمي لـ"عرب ٤٨" إنها فكّرت بالتوجه إلى الشرطة، "لكن للأسف لا أشعر أنها قد تفعل لنا شيئًا أو أن تتعامل مع الموضوع بشكل جدي. إضافة لتردّدي من أن يأخذ الموضوع منحى قوميا كوني يهوديّة بيضاء أتشكى على محل فلسطيني، مع ذلك لا يوجد مبرر لرجل أن يطردني من عملي كوني امرأة"، فيما تقول لورا (اسم مستعار) إنها "توجّهت للشرطة في بعض الحالات وأفهم كيف تعمل الشرطة، ولا أنصح بالتوجه لها. الفتاة التي تريد ذلك هذا قرارها وأشجعها، لكن كخطوة أولى يجب أن تتوجه لدوائر أقرب ولمؤسسات مختصّة".

وتقول ميس (اسم مستعار) إنّ التوجّه للشرطة، بالنسبة لها، موضوع مركّب. "توجّهي هو الذهاب وتقديم شكوى لكنّني في مرحلة من حياتي لا أستطيع فيها تحمّل هذا الضغط. أنا إنسانة حسّاسة جدًا للضغط، وأعيش في مكان فيه أقلّ ضغط ممكن"، ومع ذلك، قالت إنها مع أن تذهب النساء للشرطة بشكل منظم.

وتشرح هدى (اسم مستعار) أكثر، قائلة "لا أؤمن بالتوجه للشرطة لأنها امتداد للذكورية داخل المجتمع. أعرف صبية قدمت شكوى حول اغتصاب تعرضت له من قبل أحد الأفراد من دوائر ثقافية قريبة ولم يحصل شيء في الموضوع لأنه متعلّق بمشهد ليلي".

سوار عوض
سوار عوض

وأوضحت سوار عوض، التي عملت على تنسيق خط الدعم خلال العامين الأخيرين في جمعية "السوار" لـ"عرب ٤٨" أن "ليست كل ضحية تحصل على استشارة قانونيّة تتوجه للشرطة، ونحن لا نشجّع دائمًا على التوجه للشرطة وهو مسار صعب، ومن المهم أن تكون الضحية في حالة نفسية قوية لكي تتوجه للشرطة. كثيرًا ما نسمع عندما تقوم امرأة بالتوجه للشرطة مقولات مثل ’بدها تلبّسه ملف’ وكأن الموضوع بهذه السهولة. الشرطة مكان ذكوري فيه، أحيانا، ردود فعل من أفراد الشرطة مؤذية للفتاة. أعرف عن حالة قال الشرطي لأب صبية ذهبت لتقديم شكوى بسبب إشهار صور لها ’ليش فاتح فيسبوك لبنتك؟’ أو حالة أخرى عن امرأة توجهت للشرطة لأن زوجها يضربها قال لها الشرطي ’إنت عنجد جوزك بيضربك شوفي الذهب اللي بإيدكي’. الشرطة مكان ذكوري ويُعنّف وأفراده غير معنيين بالعمل في المجتمع العربي ولا يهمهم. إضافة إلى أن المسار القضائي ليس سهلًا وعلى الضحية أن تسرد الحادثة وتسترجعها أكثر من مرّة في المحاكم وإن كانت هناك لائحة اتهام يصبح الملف أن الدولة ضد المعتدي وليس الضحية، ثم تتحول إلى شاهد ورقم".

في هذه الظروف، التي في صلبها صعوبة التوجّه إلى الشرطة، تجد النساء ضحايا التحرّش والاعتداءات الجنسيّة أنفسهّن أمام الصدمة والذاكرة القاسيّة ولا مكان يتوجّهن إليه، إلا الجمعيات والمؤسّسات العربيّة التي تعنى بهذا الموضوع.

تقديم شهادات عن التحرّش يُساعد الضحية

عملت جمعية "السوار" ضمن برنامجها خط الدعم على استقبال شهادات لنساء تعرضن لعنف أو تحرشات جنسيّة، وتوثّق هذه الشهادات وتقدم توجيهًا للنساء المشتكيات.

عايد فضل
عايد فضل ينفي جملة وتفصيلا التهم الموجهة إليه في التحقيق

وفي ما يتعلق بقضية "كباريت"، تقول عوض إنّ نساء بدأن بالتوجه لـ"السوار" لتقديم شهادات تحرّش تعرّضن لها من عايد فضل، لأنّهن لا يعرفن إلى أين يتوجهن. وتضيف لـ"عرب ٤٨" أنّها "بدأت باستقبال الشهادات التي تزايدت مع الوقت ووصلت لاحقًا لـ5 شهادات، وكانت مختلفة من ناحية الشكل إن كانت لمسًا أو مضايقات أو أكثر وأصعب. بدأ موضوع ما يحصل للنساء في أماكن السهر يشغلنا أكثر ونظّمنا لقاء فضفضة للحديث عن الموضوع. اعتذر عايد علنًا وكان هناك غضب كبير من النساء، ولا يمكننا اعتبار اعتذاره حقيقيًا. لاحقًا وصلتنا شهادة اعتداء جنسي خطير من عايد خارج ’كباريت’، لذلك كان واضحًا لنا أن الموضوع ليس فقط تحرشات ’صغيرة’ بل أكثر من ذلك".

تؤكد عوض أن النساء اللواتي قدمن شهادات شهدت حياتهنّ تغيرًا كبيرًا، أولًا على صعيد الراحة النفسيّة، ناتجًا عن إزاحة حمل ثقيل داخلي، وثانيًا بسبب وجود دعم وتضامن معهن ما يُشْعِرُهنَّ بالتحرر من مشاعر سلبيّة لم يعرفن كيفيّة التخلص منها سابقًا، ما يؤدّي إلى تحجيم سيطرة الحادثة على حياة الضحايا.

وعن الإجراءات التي يجب اتّخاذها بعد هذه الشهادات، تقول عوض "لو بإمكان كل امرأة تعرضت لتحرش أن تتوجه للشرطة والإبلاغ عن الموضوع لكنّا في عالم مثالي، لكن الواقع مختلف والتوجه للشرطة فيه تحديات عديدة وفي نهاية المطاف هو قرار يعود للضحية وخياراتها. يجب على كل معتدٍ أن ينال عقابه، ولست أنا من يحدد ذلك".

وتضيف عوض في حديثها عن الديناميكيات التي تتعرّض لها ضحية التحرش، إن "أي اعتداء جنسي يحصل، يُنتِج فقدانًا للسيطرة من قبل الضحية وصدمة وخوفًا أو إنكارًا. لا يوجد نمط واحد، إنّما عدّة أنماط. الأكثر شيوعًا هو الصدمة وكأن شيئًا حصل لم يكن متوقعًا وغير مفهوم خصوصًا أننا في المجتمع لا نتحدث عن قضايا التحرشات الذي يُعتبر الحديث عنه تابوهًا وممنوعًا".

المرحلة الأولى، وفق عوض، هي الإنكار لأنه صعب على الضحية إقناع نفسها أنها مرّت بتحرّش. بعدها ممكن أن يحصل شيء يعيد فتح القصّة، خصوصًا في حال تحدثت نساء أخريات أمام الضحية عن قصص شخصيّة مررن بها. يُخّزن جزء من النساء قبل الإنكار في الذاكرة أن ما حصل لهنّ لم يحصل، ويتعاملن معه كأنه غير موجود، وعندما يعاد فتح الموضوع بطريقة معينة تبدأ الصور والمشاهد بالعودة، ومن هنا يبدأ التساؤل الذاتي "هل مررتُ بتحرّش؟"، تترافق مع حالة من الحيرة وعدم الفهم. هناك نساء يبقين في هذا المكان لأنهن لم يلقين الدعم الكافي للتوجه لأحد بسبب الخوف من التوجه والكلام، ويتطوّر لوم ذاتي عند الضحيّة حول لماذا حصل لها هذا. هناك نساء لا يعرفن أنهن لسنَ وحيدات، وأن نساءً أخريات كثيرات تعرّضن لتحرّش. لوم الذات يأتي في محاولة لإعطاء منطق لما حدث لهن وتبريرات مثل "مكنتش لازم أتصرف بهاي الطريقة"، وهو نابع من تصورات نمطيّة لما نتعلمه منذ الصغر عمّا هو مسموح وغير مسموح في ظل بيئة ذكوريّة تحدد للنساء تصرفاتها، ما يدفع العديد من الضحايا إلى تأجيل الحديث عن حادثة التحرّش".

مهاجمة نساء ضحايا تحرّش هو شرعنة للاعتداءات الجنسيّة

وتضيف عوض أنّ "النساء اللواتي يقررن الحديث تكون لديهن قوّة ويشعرن بأمان لأن تساؤلات مثل ’ماذا سيقول عني الناس لو تحدثت؟’ دائمًا ماثلة أمام الضحايا. لذلك وجود دعم أمر مهم للنساء كي يتمكنّ من الحديث ما يجعلهن جاهزات لتقديم شهادة أو شكوى أو إخبار أصدقاء أو أهل أو التوجه لعلاج أو استشارة.

"أسرار المدينة" مشهد 3 – عمل للفنانة جنان عبده مستوحى من الشهادات
"أسرار المدينة" مشهد ٣ – عمل للفنانة جنان عبده مستوحى من الشهادات

وعن علاج الضحايا، تقول عوض إنه "لا يمحي الاعتداء. لا يوجد علاج لذلك. هو يقلل صعوبة الاعتداء وتأثيره علينا. هو يتعامل معنا عندما نتذكر الاعتداء وكيف نسيطر عليه كي لا يؤثر على حياتنا اليوميّة والنفسيّة. يهدف العلاج إلى أن تصل الضحية إلى مكان تتجاوز فيه الاعتداء من كونه يحدد لها مسار حياتها وكي تتعامل معه كتجربة ومرّت. نحن في ’السوار’ نُوجه الضحايا لمعالجات من هذا النوع".

وتُشدد عوض في حديثها على أهمية عدم تجاهل قصص التحرشات وأخذ المسؤوليّة، "إن لم يحصل تحرّش ضدي هذا لا يعني أنه لا يوجد ما أفعله. نحن نعلم أن هذه الأمور تحصل في ’كباريت’ أو غيره، والبارز في موضوع ’كباريت’ أن أصحاب المحل لم يتحمّلوا مسؤوليّة في هذه القضايا. نحن نعلم أنها تحصل لكن نتجاهل ذلك وهذا ما يحصل للعديد. عندما تقوم امرأة بتقديم شهادة أو إخبار صديق، فهذا يعني أنها في مكان أصبحت لديها ثقة للحديث ويجب دعمها لا مهاجمتها ويجب تصديقها. لا توجد ضحية تحرّش تحكي عن قصّتها فقط بسبب التشهير لأن من سيتأذى في ظل مجتمعنا هي الضحية، لذلك علينا دعم النساء وتصديقهن. المتحرّش عندما يقوم بفعلته لا يقوم بذلك علنًا ولا يُقدّم أدلة. مهاجمة النساء اللواتي يقدمن شهادات هو إعطاء شرعية للاعتداءات. لا يوجد شرعيّة لأحد كي يعتدي على أي شخص آخر بغض النظر ماذا كان يرتدي أو حتى لو تعاطى سموم".

"القوس": استغلال أجساد كويرز للتسلية لجمهور غير كويري

من ضمن المؤسسات الفلسطينيّة التي كانت حذرة في التعامل مع "كباريت" وامتنعت عن تنظيم نشاطات فيه، كانت مؤسسة "القوس" للتعدديّة الجنسيّة والجندريّة، رغم أن "كباريت" رفع شعارات تتعلّق باستقبال واحترام جميع الناس، من ضمنهم المثليون/ات والعابرون/ات جنسيًا. لم تتّخذ "القوس" قرارًا داخليًا بمقاطعة "كباريت"، كما تخبرنا مديرة المؤسّسة، حنين معيكي، "بل كانت هناك حاجة للتساؤل - على حدّ تعبيرها - عن طبيعة المكان واستغلال كونه ’صديقًا للمثليين’ كبطاقة لشرعنة وجوده وتعزيز أرباح".

وتقول معيكي لـ"عرب ٤٨" إنه "طوّرنا خلال العقدين الأخيرين حساسيّة تنظيميّة وسياسيّة عالية تنبع من ملاحظة قيم وثقافة المساحات والمؤسسات التي نتعامل معها. كان مجرّد سماع قصص أو مواقف حول المكان أو تعامل أصحابه كفيلة لتدقّ لنا إشارة خطر وتدفعنا إلى وضع مسافة بيننا وبين مكان كهذا".

حنين معيكي
حنين معيكي

وتضيف معيكي أنه "وصلتنا معلومات عن بعض أفراد طاقم ’كباريت’ يقوم بالتحرّش بشباب كويرز ونشطاء القوس، وتقبيلهم في حفلات مختلفة دون موافقتهم كـ’تعبير’ عن انفتاح المكان وأصحابه، وقصصًا أخرى متعلقة بالهوموفوبيا المبطنة تعمل على استغلال أجساد كويرز من خلال عروض ’دراج’ للتسلية، بالأساس لجمهور غير كويري".

وحول كيفيّة معرفة إذا كان مكان ما مثل مقهى أو نادي ليلي آمنًا وصديقًا لأفراد لديهم ميول جنسيّة وجندريّة مختلفة، تقول "لا توجد إجابة قاطعة أو معايير جاهزة في هذا الموضوع لأنه من الأساس لا توجد ’مساحة آمنة’ بشكل مطلق وجوهري. المعيار الوحيد الذي يمكن اعتماده هو التجربة على أرض الواقع وكيفيّة تعامل المكان أو المؤسسة أو النادي الليلي في حالة حدوث عنف أو تحرش. في النهاية مساحاتنا وأماكن سهرنا وحفلاتنا هي نسخ مصغّرة للواقع الكبير، ولا بدّ لأنماط العنف الجنسي والذكوريّة أن تظهر فيها، لكن التحدّي هو كيفيّة التعامل معها، وتحويلها إلى ممارسة وثقافة تنظيمية من خلال وضع أصوات النساء أو الكويريين/ات وتجاربهنّ/م في المركز، والقيام بذلك بوضوح وشفافيّة لما يعطيانه من طمأنينة وثقة. أمّا الاعتماد على معايير أو شروط مسبقة فهو وهم، حيث من الممكن أن تكون حولنا مساحات تعطي الإيحاء بأنها ’صديقة للأشخاص الكويريات/ين’ إلا أنّ ذلك يكون مجرّد بطاقة خادعة لأهداف ربحيّة أو سياسيّة وهو الغسيل الوردي الذي يمكن أن تمارسه حانة صغيرة وحتّى دول بأكملها. فيمكن أن يكون القائمون على مكان ما يعرّفون أنفسهم ككويريين وهذا لا يمنع وجود الاعتداء والعنف الجنسي في المكان، أو يمكن لمكان آخر أن يضع علم الرينيو لاستقطاب زبائن مختلفين وهو في الحقيقية مستغِلّ اقتصاديًا، وهكذا".

"طالعات": وضع قضايا التحرش ضد النساء في المركز

انطلق حراك "طالعات" النسوي في حيفا وفلسطين وخارجها في صيف 2019، في فترة تزامنت مع الجدل المجتمعي الدائر حول قضايا قتل النساء والتحرشات الجنسيّة، وكان لـ"طالعات" دور في وضع قضايا التحرشات الجنسيّة في المركز من خلال نشاطاتها إلى جانب نشاط حركات ومؤسسات نسويّة أخرى.

وأوضح حراك "طالعات" لـ"عرب ٤٨" أنه "في سياق الحديث عن التحرشات الجنسية في أماكن السهر، من المهم التأكيد على أن هذه التحرشات هي اعتداءات غير مفصولة عن واقع ما تتعرض له النساء من تعنيف مجتمعي مبني على علاقات قوة متجذرة. ضمن هذا الواقع نعيش – كنساء - تحرّشات جنسيّة واعتداءات في كل مكان، في البيت وفي أماكن العمل وفي المقاهي وغيرها، خلال ساعات النهار أو الليل. نؤكد على هذه الحقيقة التي قد تبدو بديهية لكون التحرش في أماكن السهر كثيرًا ما يُشعِر المتحرشين بحصانة وثقة بعدم إمكانية المساءلة لعلمهم بأن كشف النساء لاعتداءات في هذا السياق قد يكون أكثر صعوبة بسبب اللوم المجتمعي الذي يوجه لهن لتواجدهن في هذه المساحات أصلًا".

من تظاهرة "طالعات" في حيفا العام الماضي
من تظاهرة "طالعات" في حيفا العام الماضي

وأضافت "طالعات" أنّه "في العموم تكمن صعوبة التعامل مع قضايا التحرش بسبب توفير المجتمع لبيئة داعمة للرجال المتحرشين والتشكيك المستمر بروايات وشهادات النساء والمطالبة الهوسيّة لهن بتقديم الأدلة والإثباتات. فبينما يحظى المتحرشّون بشبكة حماية وقاعدة اجتماعيّة توفّر لهم إمكانية البقاء في الحيّز العام دون خوف ودون أي رادع، غالبًا ما تضطر النساء الناجيات اللواتي يقررن المواجهة بأن ينسحبن من فضاءات مختلفة في حياتهن أو التراجع كليًا عن مسارات مهنيّة أو شخصيّة تحت وقع التهديد والتشهير. كل هذا يجعل مسار البوح وكشف التحرش مؤلمًا وقاسِيًا ودائمًا ما تدفع فيه النساء أثمانًا باهضة ما يُشكل ردعًا لأخريات".

وتطرّقت حراك "طالعات" إلى قضية توجّه النساء للشرطة كخيار في مواجهة المتحرّشين، بالقول "لقد أظهرت النقاشات الأخيرة حول قضايا التحرش داخل المجتمع الفلسطيني عمق عدم الفهم لتجارب النساء في هذا السياق، وتحديدًا النقاشات المطالبة للنساء بالتوجه للشرطة وتقديم أدلة لكونها تتجاهل الأثمان المترتبة على خوض هذه المعارك ولكونها لا تعي واقع وتجارب النساء الناجيات مع أجهزة الشرطة و’العدالة’ وما تواجهه من إنكار واستجواب وإعادة ترسيخ للصدمة والأذى لدى الناجيات، ناهيك عن خصوصية واقعنا كنساء فلسطينيات في مواجهة الشرطة الإسرائيلية وبنيتها العنيفة والقمعية تجاه كافة بنات وأبناء شعبنا".

وخلص حراك "طالعات" إلى القول إنه "يتطلب الحديث عن الاعتداءات الجنسيّة الكثير من الشجاعة والقوّة والصمود من قبل النساء، ولهذا على المجتمع بمختلف مؤسساته والأجسام الفاعلة فيه أخذ مسؤوليّة حول قضيّة التحرشات والدفع نحو تناولها بجدية، والإصغاء لأصوات النساء. وفي سياق أماكن السهر تقع مسؤوليّة كبيرة على أصحاب هذه الأماكن بالسعي لضمان مساحات تستطيع النساء التحرك فيها دون تهديد. هذا النقاش يتطلب منا - كحراك نسوي سياسي ومن مختلف الأطر النسويّة والسياسيّة - المساهَمة في رفع أصوات النساء اللواتي يخترن المواجهة والسعي نحو ضمان آليات عدالة ومحاسبة مجتمعيّة تنطلق من موقع وتجارب النساء لا يُشَكَّك من خلالها بروايتهن ولا يُسكتنَ ويُتاح للمزيد من النساء رفع قضاياهن دون الخوف من التشهير ومزيد من التعنيف. كل هذا بالتوازي مع السعي الدائم للدفع بحراك جماهيري يناضل ضد ثقافة الصمت على جرائم الاعتداءات الجنسيّة ويضع تجاربنا وأصواتنا كنساء في المركز، ضمن سيرورة أوسع للقضاء على كافة أشكال العنف والترويع التي نواجهها وبناء مجتمع حر وآمن لكافة أفراده".

كركبي: ظاهرة عالميّة

وفي حديث لموقع "عرب ٤٨" مع الباحث والمحاضر في جامعة حيفا، د.نديم كركبي، حول المشهد الثقافي والليلي في مدينة حيفا، قال "من المهم قراءة هذا المشهد من منظور أنّ ما يحصل في حيفا يأتي في سياق ظاهرة عالمية موجودة في العديد من المدن حول العالم، ويأتي ضمن سياق تطور مدينة حيفا كمدينة ثقافيّة بالنسبة للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل. فمنذ سنوات التسعينيّات بدأت تتمأسس حياة ليليّة في حيفا وفّرتها المقاهي وأماكن السهر، ولاحقًا النوادي الليليّة العربيّة خصوصًا بعد سنوات 2010، والتي وفّرت مساحة للفنانين وأصحاب المواهب الموسيقيّة لتقديم عروض. ما كان ينقص المدينة في تلك السنوات هو مساحات اللهو والرقص والحياة الليليّة التي تجمع شرائح اجتماعيّة مختلفة ومن طبقات مختلفة، وهذا ما بدأته مجموعات شبابيّة مختلفة والتي انعكست لاحقًا في تأسيس ملهى ’كباريت’ حيث كانت مجموعات على الهامش وأصبحت مجموعات في مركز الهامش".

كركبي

ويضيف كركبي "كباريت في أول سنتين بدأ كمكان ناجح وواعٍ لمن يريد أن يقدم من أكبر عدد ممكن من أذواق موسيقيّة مختلفة، والعديد من الجمعيّات والفنانين عملوا مع ’كباريت’، ووفّر المكان مساحة لم تكن موجودة في السابق. لكن في مرحلة لاحقة حصل انفلات في اعتقادي، بسبب الاستخدام غير المسؤول للسموم، وهذا له علاقة بعدد الحفلات الأسبوعيّة التي أصبحت تُنظّم بالإضافة لتوسع شريحة القادمين للمكان من مئات إلى الآلاف ومن كافة أقطار الوطن وخارجه. هذا عالم قائم بحد ذاته وله عمقه ويجب المعرفة كيف التعامل معه. عندما أصبحت هذه الدوامة تشتغل بوتيرة أكبر عن السابق وبكل ما تحمله من تجارب، دخلت شرائح جديدة من طبقات وأجيال مختلفة، لم تكن لديها التجربة والمعرفة والإمكانيات في التعامل مع هذا العالم، وهنا بدأت الأمور تخرج عن السيطرة. وفي هذه اللحظة منذ سنتين تقريبًا بدأ الخوف لديّ يتشكل من فقدان السيطرة هذا وأن أشخاصًا قد يتضرّرون منه بسبب السموم أو العلاقات الجندريّة والجنسيّة التي تنشأ".

ويخلص كركبي في حديثه إلى القول "للأسف لم تُضبط الأمور كما يجب في الوقت الذي كان يجب فعل شيء ما. عدم المسؤوليّة هذا نراه في أماكن أخرى حول العالم وليس فقط هنا. قضايا التحرّش الجنسي قد تحصل في أي ملهى ليلي أو مطعم أو مقهى، وفي حال حصلت يجب طرد المتحرّش ومحاسبته. لكن في هذه القضية المشكلة أن التّحرشات أصبحت تحصل من أشخاص هم روّاد وأصدقاء المكان، ولم يُعالج هذا الموضوع، ولهذا السبب شهدنا حملة مقاطعة للمكان بعد أن خرجت القصص إلى العلن. السؤال الآن هو كيف سنتعامل مع هذه القضية اجتماعيًا؟ فنحن لا نريد أن نفقد الملاهي الليليّة العربيّة وأن يذهب شبابنا إلى تل أبيب أو خارج البلاد بحثًا عن حياة ليليّة، وهنا يجب فتح النقاش والمصالحة حول الموضوع".

يُذكر أن حوارًا مع نديم كركبي سوف يُنشر خلال الأيّام القادمة في مجلّة فُسْحَة ثقافيّة فلسطينيّة للحديث بتوسع أكبر حول الموضوع.

كلمات أخيرة للنساء

بدأنا العمل على هذا التحقيق في أواخر صيف عام 2019، بعدما خرجت قصص "كباريت" إلى الحديث العام في حيفا. جُمعت الشهادات وأجريت المقابلات على مدار أشهر. لم يكن من السهل على جميع الضحايا تقديم الشهادات وإجراء المقابلات لصعوبة بعض المواقف، إلا أنهن قمن بذلك، كما امتلك بعض النساء قوة كبيرة في قول ما حصل لهنّ دون تردد أو خوف.

نعرض في ختام التحقيق المقولات الأخيرة للنساء ضمن المقابلات التي أجريناها.

نور نعمي:

كل شخص سيسمع عن الموضوع الآن عليه أن يسأل نفسه أين تواجد وما هو دوره؟ حالات التحرّش حصلت للكثيرين داخل المجتمع، ويوجد شيء داخل المجتمع يجب أن يتغير وما حصل في "كباريت" يكشف حقيقة أكبر. الموضوع متعلق بعلاقات قوّة بين النساء والرجال ويجب أن تكون حركة ناشطة على الموضوع.

قد يبدو حثّي للنساء اللواتي تعرضن للتحرش بأن يقدّمن شهادات ويتحدثن عن الموضوع أمرًا مفهومًا ضمنًا، لكنّني أقول لهن تحدثن عن ذلك. من المهم ألا يبقى داخلك. التحرش مثل جرح وبحاجة لشفاء، ومهم جدًا إخراج الموضوع ومشاركته مع الناس المحيطين بنا الذين نثق بهم ونحبهم.

فكّرت بالتوجه للشرطة، لكن للأسف لا أشعر أنها قد تفعل لنا شيئًا أو أن تتعامل مع الموضوع بشكل جدي. إضافة لتردّدي من أن يأخذ الموضوع منحى قوميا كوني يهوديّة بيضاء أتشكى على محل فلسطيني، مع ذلك لا يوجد مبرر لرجل أن يطردني من عملي كوني امرأة.

الناس تقول إنّ عايد ترك "كباريت" وممكن أن نعود إلى هناك، وهناك نساء ما زلن يذهبن لأنه لم يحصل لهن شيء ولا يأخذن موقفا كأن الموضوع لا يخصهن، وهذا في اعتقادي يجب أن يتغيّر.

سلمى (اسم مستعار): على المتحرّشين أن يشعروا بالخوف

لا أريد أي شيء سوى أن تشدّد النساء على كيفية تصرفهن دون طبطبة على هذه المواضيع. التصرف الذكوري ليس نابعًا دائمًا من الرجال وقد ينبع من نساء. أهم شيء أن يحكين عن القصّة وأنا متأكدة أن كثيرات مررن بقصص مشابهة. اليوم يوجد وعي وقضايا التحرّش تخرج للنقاشات يجب ألا تكون الضحية في مكان خطر بل المتحرّش.

أعرف قصة صديقة تعرّضت لشبه اغتصاب. أرادت التوجه لـ"السوار" ثم تراجعت. أنا لا ألومها لأنها مرّت بحادثة صعبة، لكنّني، رغم ذلك، أعتقد أنّه مهم جدًا إعطاء شهادات للمؤسسات المختصّة. أنا لا أؤمن بالشرطة في هذه الدولة، وأرى أن المؤسسات يمكن لها أن تساعدنا أكثر. مشاركة القصص بين بعضنا البعض أمر جدًا مهم ويجب أن يُتداول في المجتمع. على المتحرشين أن يشعروا بالخوف.

لورا (اسم مستعار):

اتخذت قرارًا بالتوجه لـ"السوار" بعد وصول العديد من المكالمات الهاتفيّة من صبايا تعرضن للتحرش في "كباريت". كنت أعرف عن قصص صغيرة لكن بعد خروج قضية عايد للحديث العام وصلني الكثير من القصص. قلت لنفسي أنا أعرف عن هذه الأمور ولن أسامح نفسي لو سكتت. استوعبت وجود خطأ كبير هنا بعدم تحملهم للمسؤولية خصوصًا عندما أعادوا عايد للعمل. البيان الذي أخرجوه استخفاف بعقول الناس. هناك أشخاص مرّوا بصدمة في "كباريت" وقصص صعبة وأصحاب المحل يتصرفون كأنهم ضحايا. إن لم يتغيّر أصحاب المكان، فـ"كباريت" لن يتغيرـ ووجوده خطير جدًا، لأن هذا المشهد ارتبط مع السموم وهم يعرفون أنّه من دون السموم لن ترقص الناس حتى الثامنة صباحًا.

كإنسانة توجهت للشرطة في بعض الحالات وأفهم كيف تعمل الشرطة، ولا أنصح بالتوجه لها. الصبية التي تريد ذلك هذا قرارها وأشجعها لكن كخطوة أولى يجب أن تحكي لدوائر أقرب ولمؤسسات مختصّة. التوجهات لـ"السوار" تساعد على المدى البعيد، ويمكن التوجه مع الحفاظ على السرية والخصوصيّة.

ميس (اسم مستعار):

هذا الإنسان (عايد فضل) متحرّش وحسب ما فهمت توجد قصص غير قصتي. ممنوع أن نسامحه أو نرجعه إلى المجتمع. لا أستطيع أن أراه يمشي في حيفا بعد أن عرفت أنه يوجد ضحايا غيري. اعتذاره في فيسبوك وسماع القصص دفعاني للتوجه إلى "السوار" وتقديم شهادة، لأنه كان من الصعب عليّ أن أكمل حياتي دون أن أفعل شيء حيال الموضوع خصوصًا محاولته أخذ مصداقية من خلال اعتذاره. ذكرني اعتذاره عندما التقيت به بالصدفة (بعد حادثة الاعتداء) وحاول أن يتعامل معي بشكل عادي لكنني دفعته.

القصة التي حصلت معي ما زالت تؤثّر عليّ، لطالما يوجد خزي في أن أحكي القصة أمام الجميع. حتى وأنا أحكيها لكم الآن وبعد عشر سنوات ما زالت تؤثّر عليّ خصوصًا عندما أسمع قصصًا لضحايا جدد. إذا عُوقب هذا سيكون مريح لي لأنه سيقول إنه هو الذي أخطأ ولست أنا.

بالنسبة للشرطة الموضوع مركّب. توجهي هو الذهاب وتقديم شكوى لكنّني في مرحلة من حياتي لا أستطيع فيها تحمّل هذا الضغط. أنا إنسانة حسّاسة جدًا للضغط، وأعيش في مكان أقل ما يمكن فيه ضغط، لكني مع أن تذهب النساء للشرطة بشكل منظم.

أقول للنساء اللواتي مررن بتحرشات وقد يكن منكرات لما حصل معهن، أنا مررت بنفس تجربتكن... لا تترددن في الحديث إذا أردتن التغيير. أريد أن يكون الجيل المقبل مختلفا لأنّني أريد لأولادي أن يعيشوا في مجتمع صحيّ.

ياسمين (اسم مستعار):

بعدما سمعت عن قصص النساء الأخريات علمت أن الموضوع ليس شخصيا بحقي بل هو ضد النساء. التحرش ضدنا كوننا نساء وليس بسبب شخصنا أو تصرفنا. هناك مشكلة تربويّة مجتمعيّة بحاجة لأن تعالج في ما يتعلق بالتعامل مع النساء.

أنا قاطعت "كباريت" مثل الكثيرين، ولن أعود ما دام لم يحصل أي تغيير حقيقي. في برلين مثلًا، عندما تشتكي صبية لرجل أمن حول تحرّش أحد الزبائن بها في ملهى ليلي، يُخرجونه من دون نقاش. هذا لا يحصل هنا. إن لم تجر هذه التغييرات الحادة ستعود التحرشات. حلمي أن يستمر "كباريت" بالقيم الجميلة التي جلبها في بدايته. عليهم أن يعترفوا بما حصل بشكل واضح وأن يكتبوا ذلك على الحائط داخل "كباريت". مهمتنا كبشر أن نعيش بمساواة وصدق. علينا أن نزيد التضامن حول حقوقنا كنساء مقابل النساء، وبهذا الحدث بشكل خاص الرجال تجاه النساء أيضًا، وذلك كي نمنع ضحايا تحرشات جديدة.

هدى (اسم مستعار):

لا أؤمن بالتوجه للشرطة لأنها امتداد للذكورية داخل المجتمع، وهي مسؤولة عن حالات قتل تعرضت لها النساء. أعرف صبية قدمت شكوى حول اغتصاب تعرضت له من قبل أحد الأفراد من دوائر ثقافية قريبة ولم يحصل شيء في الموضوع لأنه متعلّق بمشهد ليلي. وأنا متأكدة أن الشرطة لديها علم بما يحصل في "كباريت"، خصوصًا في قضايا السموم، وهي أكثر جسم يريد أن يحصل ما يحصل. دائمًا أقولها إنّه ليس صدفة بعد الحراك الشبابي ضد مخطط برافر عام 2013 بدأنا نرى مشهد السموم بهذه الصورة الكبيرة. هم معنيون أن العربُ مسطولين ومسمّمين وأن يبقى "كباريت" ولا نخرج مظاهرات.. يريدون لعرب حيفا أن يبقوا هكذا.

أنصح كل صبية تقرأ كلامي أن تخرج وتحكي... إذا كنتن في مكان لا تشعرن فيه بأمان أُخرجن منه، انتبهن مع من تخرجن خلال السهر ومن هي حلقاتكن وخذن مسؤولية على أنفسكن.


ردّ الشرطة

بعد وصول الشهادات، توجّهنا في "عرب ٤٨" إلى الشرطة باستفسارات إن تلقّوا توجّهات في هذه القضية، وسألناهم إن كانت لديهم معلومات أو توجهات أو شكاوى رسمية متعلقة بتحرشات جنسية في "كباريت" أو قضايا سموم، وسألنا عن طبيعة الرقابة التي قامت بها الشرطة منذ عام 2016 تجاه المكان وحتى اليوم، واكتفت الناطقة بلسان الشرطة بهذا الرد:

"الملهى الليلي يستوفي شروط الترخيص لشرطة إسرائيل. في حال وجود أيّة اشتباه لمخالفات وتُقدّم شكوى، سوف يُحقق بها بشكل ملائم".


تعقيب عايد فضل عبر محاميه:

وصلت موقع "عرب ٤٨" رسالة من مكتب المحامي فيتولد إيراني موكّلا من قبل عايد فضل، الثلاثاء الماضي، بعد التوجه لعايد للحصول على تعقيبه ورده على الاتهامات.

جاء في رسالة المحامي للموقع إنه "في هذه الظروف، ليس لدى موكّلي القدرة على التطرّق إلى الأسئلة التي وُجّهت إليه، والتي ينفيها جملةً وتفصيلا. من الآن نقول إن موكّلي يرفض باشمئزاز كل الادعاءات ضدّه كما وصلت إليه في الأسئلة التي أرسلت إليه. ادّعاءات مصدرها، بحسبكم، معلومات وتوثيقات بحوزتكم. عندما يحين الوقت، وفي يوم الحساب سيتضّح، أنه ليس لديكم شيء أو نصف شيء وباستثناء النميمة المحضة، إن وجدت حتى، فلا شيء حقيقيًا".

وتابع "بنيتّكم فعل هذا (النشر - عرب ٤٨) وأنتم تدركون جيّدًا أنّ موكّلي يعيش في برلين، وأنه في فترة قصيرة كهذه، وخصوصًا في ذروة جائحة كورونا، التي تمنع تنقّلا حُرًّا وسريعًا من الخارج إلى إسرائيل، ليست لدى موكّلي القدرة على الوصول إلى إسرائيل والدفاع عن اسمه الطيّب، في الوقت القصير الذي تكرّمتم بمنحه إياه، بما في ذلك التوّجه إلى القضاء للحصول على أمر قضائي بمنع النشر الكاذب الذي تنوون نشره. حتى هذا منعتموه عنه!!!".

توجهنا في "عرب ٤٨" إلى مالكي الملهى، وسام قيس وتامر قيس، وسننشر ردّهما فور وصوله.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص