جائحة كورونا: تعميق للفقر والبطالة في المجتمع العربي

جائحة كورونا: تعميق للفقر والبطالة في المجتمع العربي
اقتصار الشراء على المواد الغذائية في عام كورونا (عرب 48)

تسود البلاد كسائر دول العالم أوضاع غير مألوفة بسبب جائحة كورونا، وسط متغيرات اجتماعية واقتصادية، وتداعيات أزمة الحكم بالبلاد مع التوجه لانتخابات رابعة للكنيست في غضون أقل من عامين، وهي الحالة السياسية التي زادت ضبابية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، رغم رزم المساعدات والهبات والقروض التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية لأصحاب المصالح التجارية والعائلات.

وأدى التراجع المتواصل للأنشطة الاقتصادية والتجارية بسبب الإغلاقات والإجراءات المشددة والتقييدات التي فرضت منذ آذار/ مارس 2020، لحالة من الركود والانكماش في ظل اتساع معدلات البطالة والفقر في البلاد، حسب ما كشفته بيانات تقرير مؤسسة التأمين.

أوضاع اقتصادية صعبة بسبب كورونا (عرب 48)

ووفقا للتقرير، فإن نحو 2 مليون شخص في إسرائيل من أصل 9.3 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر، فيما بلغ إجمالي الأطفال الفقراء أكثر من 900 ألف طفل يشكلون 45% من الفقراء بالبلاد، إذ إن 28% من العائلات في إسرائيل فقيرة و21.6% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر.

معدل قياسي بالبطالة والفقر وتراجع مستوى المعيشة

وجاءت هذه المعطيات، فيما تواصل البطالة تسجيل معدل قياسي، إذ سُجّل نحو 150 ألف عاطل عن العمل منذ بدء الإغلاق الثالث في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2020، ومن المتوقع أن يتعدى عدد العاطلين عن العمل بسبب جائحة كورونا حاجز المليون مع نهاية شباط/ فبراير المقبل.

وتسببت جائحة كورونا بارتفاع معدل الفقر بحوالي 7%، وتراجع مستوى المعيشة بـ4.4%، وهو التراجع الأكبر الذي يسجل منذ الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت البلاد عام 2008، إذ بلغ مقياس خط الفقر 2403 شواكل للفرد عام 2020، مقارنة بـ2514 شيكلا في 2019 و2467 شيكلا في 2018.

شراء المستلزمات الأساسية وتقليص المدخولات في عام كورونا (عرب 48)

وأظهرت معطيات مؤسسة التأمين عام 2020 أن عدد اليهود الفقراء بلغ 1277477 فردا، بينهم 560882 طفلا، بينما تجاوز عدد الفقراء بين اليهود الحريديين نصف مليون، فيما بلغ عدد الأطفال الحريديين الفقراء 296167، أما بين المواطنين العرب فبلغ عدد الفقراء 702832 فقيرا، وعدد الأطفال العرب الفقراء 346397 طفلا.

انعدام المساواة في ظل جائحة كورونا

ويستدل من المعطيات أنه في عام جائحة كورونا الحادة، ساء "مؤشر جيني" لانعدام المساواة في البلاد، وسجل زيادة بنسبة 7.8% بين عامي 2019 و2020، علما أن المؤشر في إسرائيل كان عام 2018 مرتفعا نسبيا مقارنة بمعظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) ما يعني أن الفجوات بين الطبقات الاجتماعية وبين الأغنياء والفقراء في البلاد تعمقت بشكل جوهري وكبير خلال الجائحة.

ويستدل من بيانات مؤسسة التأمين أن المساعدات والهبات التي قدمتها خلال أزمة كورونا 2020، قللت من التأثير والمساس بمستويات المعيشة، وعلى وجه التحديد في الشريحة العشرية التي تتواجد في أسفل السلم الاجتماعي الاقتصادي.

كما أن زيادة مخصصات الأولاد والبطالة وضمان الدخل ساهمت بإنقاذ الكثير من العائلات من دخول دائرة الفقر، ولولا هذه الهبات لارتفع معدل الفقر إلى نحو 20%.

تراجع أنشطة اقتصادية وارتفاع الفقر بالبلدات العربية (عرب 48)

وعلى الرغم من الهبات والمساعدات وزيادة المخصصات التي تدفعها مؤسسة التأمين، إلا أن التقرير أظهر أن الدخل المالي للعائلة انخفض بمعدل 11% في عام كورونا وبلغ 13627 شيكلا، مقارنة بـ15274 شيكلا عام 2019.

45% من العائلات العربية فقيرة قبيل أزمة كورونا

بقيت معدلات الفقر في أوساط المواطنين العرب عالية جدا بين الأعوام 2005 و2018، ففي عام 2005 كانت حوالي 52٪ من العائلات العربية فقيرة، وفي عام 2018 انخفض هذا المعدل إلى حوالي 45%، ووصل عدد الأفراد العرب الفقراء إلى ما يقارب نصف السكان العرب، علما أنهم يشكلون 20% من السكان في البلاد.

وقبيل عام كورونا، بلغت نسبة الفقراء في المجتمع العربي 47%، ونسبة الأطفال العرب الفقراء 58%، وهذا يعني أن أكثر من نصف الأطفال العرب في البلاد يعيشون ضمن أسر فقيرة، وبالمقابل لوحظ في المجتمع اليهودي استقرار نسبي بل وانخفاض معين في معدل الفقر، وعليه فإن الفجوة الكبيرة بين معدلات الفقر بين اليهود والعرب بقيت كما كانت عليه.

مستوى الفقر عند العرب أعلى بثلاث مرات منه لدى اليهود

ونظرا للعدد الكبير نسبيا لعدد أفراد الأسرة (4.5 في المتوسط ​​بالأسرة العربية، مقارنة بـ3.1 في الأسرة اليهودية)، فإن معدلات الفقر بين الأفراد والأطفال هي أعلى من النسبة العامة، وذلك وفقا للبحث الذي أجرته كل من ميري أندبالد وأورن هيلر من المنتدى الاقتصادي العربي.

ويبقى مستوى الفقر عند العرب أعلى بثلاث مرات منه لدى السكان اليهود، إذ إن أحد التفسيرات المحتملة لذلك، وفقا للباحثين، هو اتساع الفجوات داخل المجتمع العربي نفسه، وفقا لبعض المؤشرات.

إقامة مجمع تجاري عند شارع 6 بباقة الغربية في أزمة كورونا (عرب 48)

وأشار فحص أوضاع الفقراء في الشريحتين إلى أن عمق الفقر بين اليهود أقل منه عند العرب، على الرغم من أن الفجوات أقل مقارنة بمعدلات الفقر.

وبالرغم من التقلب في الفجوة، يبدو أن هناك تزايدًا في الفجوات في مؤشر عمق الفقر (FGT) بين شريحتي السكان، فقد بلغ متوسط فجوة الفقر حوالي 4% في عام 2005 ووصل إلى نحو 6% أواخر عام 2018.

إجحاف اقتصادي في المجتمع العربي

وأظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة قبيل عام كورونا أن ما يتراوح بين 23٪ و28٪ من الأسر العربية في إسرائيل يمكن إدراجها ضمن مسمى "الطبقة المتوسطة"، و3٪ يمكن اعتبارها من "الطبقة العليا"، بينما تنتمي الأسر الباقية إلى "الطبقة الدنيا".

وعلى الرغم من ظهور طبقة متوسطة في المجتمع العربي، إلا أن فرص العمل بالنسبة لأغلب المواطنين العرب في إسرائيل محدودة جدا. وهذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة للنساء.

ويتلخص الدافع الرئيسي وراء هذا الإجحاف الاجتماعي الاقتصادي في التمييز بين الطوائف الدينية- العرقية في المدن والقرى التي تفتقر إلى الموارد والبنى التحتية القوية، فضلا عن التمييز المؤسساتي والانحياز الصارخ ضد العرب في البلاد.

ويتجلى هذا الإجحاف الاقتصادي النسبي في المجتمع العربي، في حقيقة مفادها أن ما يقرب من 60% من الرجال العرب يعملون في وظائف متدنية المستوى والمهارات مقارنة بنحو 27٪ من الرجال اليهود.

كورونا واللامساواة الاجتماعية الاقتصادية

وتحت عنوان "مدى مساهمة جائحة كورونا في مفاقمة اللامساواة الاجتماعية الاقتصادية عند الفلسطينيين في إسرائيل"، أنجز طاقم البحث في المنتدى الاقتصادي العربي بحثا تناول تأثير أزمة كورونا على المجتمع العربي خاصة الطبقة الوسطى، التي تمثل أكبر شريحة في المجتمع العربي تأثرا بهذه الجائحة.

وقام طاقم البحث المؤلف من الباحث في مجال الاقتصاد السياسي والمحاضر في جامعة تل أبيب، د. سامي ميعاري، والمحاضرة والباحثة في العلوم الاجتماعية في جامعة "بن غوريون"، د. مها كركبي صباح، ود. أميت لوينتال، على مسح شمل 400 عائلة عربية، خلال الأشهر الأولى لجائحة كورونا لغاية أيار/ مايو 2020.

عدم تطوير المناطق الصناعية عند العرب ساهم بالركود في عام كورونا (عرب 48)

وبحث طاقم المنتدى الاقتصادي العربي التغيرات في التشغيل والمداخيل وساعات العمل، وتعليق النشاط الاقتصادي على تشغيل العرب ودخلهم، وذلك حسب الجنس والدين ومكان الإقامة وأجور مختلف الشرائح.

فوارق بين العرب واليهود

وعرض البحث أدلة جديدة حول الطريقة التي تأثر بها السكان العرب في البلاد، بأزمة كورونا، التي أسفرت عن وجود فروق كبيرة في مدى تأثر هذه الأقلية مقارنة بالأغلبية المتمثلة في السكان اليهود.

وتعزز نتائج البحث بشأن سوق العمل ضرورة التركيز على توظيف النساء العربيات وتوفير مهارات حديثة للعمال العرب في المهن منخفضة المهارة.

كانت نسبة العمال العرب الذين كانوا يعملون في نيسان/ أبريل 2020 مماثلة لنسبة السكان الذين كانوا يعملون أيضا عموما، إذ إن 67% من العرب الذين عملوا في آذار/ مارس عملوا في نيسان.

ويمكن التعرف على أهم فرق بين العرب وعامة السكان من خلال أدنى شريحة الأجور. 66% من العرب في الشريحة الخمسية كانوا يزاولون وظائفهم في شهر نيسان، مقارنة بنحو 41% من السكان في هذه الشريحة.

نمط حالات البطالة والتسريح من العمل

وعلى النقيض من ذلك، فإن حصة العرب الذين كانوا يزاولون العمل في شهر نيسان، والذين أبلغوا عن انخفاض في المداخيل، أعلى في الشرائح الخمسية للأجور العليا. وكان الفرق في المعدلات المبلغ عنها كبيرا من الناحية الإحصائية فقط بالنسبة للدخل، وكانت نسبة العاملين الذين يبلغون عن تقليص ساعات العمل مختلفة بشكل كبير عبر الشرائح الخمسية، فلم يبلغ أي عامل في أدنى شريحة خمسية عن تقليص في ساعات العمل.

ومع الصعود عبر الشرائح الخمسية للأجور، فإن نسبة العمال الذين يبلغون عن تقليص ساعات العمل في ازدياد، لتصل إلى ذروتها عند الشريحة الخمسية الثالثة، ثم تعود للانخفاض مرة أخرى.

إن نمط حالات البطالة والتسريح من العمل في العينة متشابه بين الجنسين وبين العمال في القطاعين الخاص والعام. وبالنسبة للجنسين والقطاعات، كانت نسبة العمال العاطلين عن العمل أو الذين كانوا في إجازة خلال شهر نيسان قريبة جدا من حصة جميع العمال العرب، وهذا ينطبق على التقليص في ساعات العمل، وثمة فرق ملحوظ بين الرجال والنساء، إذ يبدو أن الرجال يعانون من انخفاض أكبر في المداخيل.

يمكن الوقوف على فرق آخر وهو الفرق القائم بين العمال العرب الذين يعيشون في منطقة المثلث، حيث احتفظت نسبة 52% منهم فقط بعملهم في شهر نيسان، وبين العرب الذين يعيشون في منطقة الشمال، أي بلغت نسبة الذين احتفظوا بعملهم في ذلك الشهر 69%.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص