الوحدة الوطنيّة استراتيجيتنا / د. جمال زحالقة

الوحدة الوطنيّة استراتيجيتنا / د. جمال زحالقة

عشرون عامًا مضت على إقامة التجمّع، وهذه مناسبة مواتية  للتذكّر والتذكير، كيف ولماذا قام الحزب.  لقد قام التجمّع من خلال لم شمل الحركة الوطنيّة، التي كانت في بداية التسعينيّات وبعد اتفاق أوسلو، في حالة صعبة من التشرذم والإحباط، فجاءت فكرة توحيد الصفوف في حزب جديد لناشطين وناشطات لهم جذور في حركة أبناء البلد والحركة التقدميّة والجبهة وحركات محليّة مختلفة.  من هنا، فإن مبدأ الوحدة كان حاضرًا بقوة عند إقامة التجمّع، إذ كان مبدأً أصيلًا وحتى مكوّنًا للحزب. لم يقم التجمّع كحالة انشقاق، كما الكثير من الأحزاب، بل من خلال توحيد وتنظيم قوى وطنيّة متناثرة من أجل بناء الحركة الوطنيّة في الداخل. في فترة التأسيس كان واضحًا للجميع بأن توحيد صفوف الحركة الوطنيّة هو العامل الحاسم في قدرة هذه الحركة على القيام بدورها التاريخيّ، في ظلّ ظروف فلسطينيي الداخل والتحديّات التي يواجهونها.

اتبع التجمّع استراتيجيّة الوحدة عبر لم شمل الحركة الوطنيّة وإنقاذها من حالة التشظّي، وبناء الوحدة ليس فقط بتجميع ما هو قائم، بل من خلال جذب قوى جديدة لم تكن فاعلة سياسيًا حينها.  لم يحاول التجمّع لم الشمل وتوحيد القوى عبر اعتماد "المضاعف المشترك البسيط"، بل عبر طرح برنامج سياسي متطور يتجاوز البرامج السابقة وإن اعتمد على بعض جوانبها.  هكذا أصبح البرنامج السياسي والخطاب السياسي ذو الرؤيا الجديدة موضع اتفاق وتجميع، لا موضع خلاف وتوتّر. كذلك ربط التجمّع بشكل خلّاق ما بين العمل على الوحدة، والانطلاق ببرنامج سياسي متميّز يطرح مبدأ الديمقراطيّة في مواجهة الصهيونيّة عبر مشروع "دولة ديمقراطيّة لكل مواطنيها"، ومشروع بناء الذات القوميّة الذي ينتج عنه بشكل تلقائي تحدّ للصهيونيّة.

منذ اللحظة الأولى لإقامة التجمّع تبلورت فكرة التوجّه نحو الوحدة الوطنيّة الشاملة على عدة مستويات.  وجاء تبعًا، تأكيد التجمّع على أهمية تنظيم الفلسطينيّين في الداخل كأقليّة قوميّة متماسكة لها مؤسساتها الوطنيّة وفي مركزها لجنة المتابعة، التي كان التجمّع في مقدّمة الداعين لانتخابها في انتخابات وطنيّة عامّة، لترسيخ مكانتها بوصفها الإطار التمثيلي الوحدوي للجماهير الفلسطينيّة في الداخل. وإذ يتعامل التجمّع مع لجنة المتابعة بصيغتها الحاليّة كإطار وحدوي جامع، إلا أنه يرى بأن مفهوم الوحدة لا يمكن أن يقتصر على التنسيق بين القوى الفاعلة بل يجب أن يكون بمشاركة شعبيّة ديمقراطيّة عبر الانتخاب. الوحدة ليست "مناسبة" لخفض السقف السياسي، بل العكس، فالقوّة المتمثلّة في الوحدة تمكننا من رفع السقف السياسي،  والعزيمة فيها تفتح المجال لتصعيد النضال.

وبعد إقامة التجمّع اتّجهت الأنظار فيه نحو توحيد القوى السياسيّة على أساس برنامج وطني عام متفق عليه.  ولم ينظر التجمّع للوحدة كتكتيك انتخابي أو كحالة عابرة في مواجهة صعود "اليمين"، على نسق "الجبهات الشعبية"، التي أقامتها القوى المعارضة لصعود اليمين المتطرّف والفاشيّة في أوروبا وغيرها. بل رأى التجمّع أن الدفاع عن الذات وعن الوجود ومواجهة المشروع الكولونيالي تتطلّب "جبهة وطنيّة"، توحّد القوى تحت  استراتيجيّة نضال تحرّري.

لا تنبع فكرة "الجبهة الوطنيّة" عند التجمّع من مستلزمات البناء ومراكمة قوة سياسيّة من عناصر عدة، بل هي نابعة أساسًا من تحليل للواقع وطبيعة الصراع، فالتجمّع يرى أن سياق نضاله هو حراك تحرر وطني من تبعات مشروع استعماري، ويعتبر ما نعيشه واقعًا استعماريًا، فيقيّم الصهيونية على أنها حركة استعماريّة تلبس الثوب القومي ولا يرى فيها ممثلة البرجوازيّة الكبيرة، كما عرفها آخرون.  وعلى أساس تعريف الحالة بأنها استعماريّة، وليس مجرد حالة "تطرف يميني"، فإن مواجهتها تكون عبر تشكيل "جبهة وطنية" كما كان التحالف بين ماو تسي تونغ وشين كاي شيك في الصين، وكما كان "المؤتمر الوطني الأفريقي".  ولعل الفرق بين المفهومين هو أن "الجبهة الشعبيّة" هي ضد الانحراف عن النظام القائم ومحاولة لإعادة الحكم الى رشده، في حين أن "الجبهة الوطنيّة" تنطلق من عدم شرعيّة النظام القائم باعتباره استعماريًا عنصريًا.  قد يكون لدى بعض القوى المكوّنة للتحالف والوحدة قراءة مغايرة لمفهوم الوحدة، إلا أن الأمر الحاسم ليس قراءات الواقع بل الواقع ذاته، فهو الذي يفرض مفهوم "الجبهة الوطنية" على الوحدة السياسية.  ومع ذلك يبقى التجمع، الذي يعتبر نفسه جزءًا من حركة التحرّر الوطني الفلسطيني، ميّالًا إلى مفهوم "الجبهة الوطنيّة" في حين أن قوى ترى نفسها يسارًا إسرائيليًا تميل إلى مفهوم "الجبهة الشعبية".

أمّا في سياق الانتخابات البرلمانيّة، فقد حاول التجمّع في كل انتخابات التوصّل إلى أوسع وحدة ممكنة. في العام 1996 خاض التجمّع الانتخابات في قائمة "الجبهة والتجمّع"، التي حصلت على خمسة مقاعد، وفي العام 1999، عمل التجمّع لأجل تشكيل قائمة مشتركة واحدة واقترح آليات تشكيلها، وتبع ذلك في الانتخابات التي تلتها في الاعوام 2003 و2009 و2013، ورغم المحاولات الحثيثة التي قام بها الحزب لتوحيد الصفوف في قائمة انتخابيّة واحدة، لم يتحقق ذلك لسبب واحد وهو معارضة بعض القوى لفكرة القائمة الواحدة لأسباب وصفتها بأنها "مبدئيّة". وإذا كانت هناك حاجة لنقد ذاتي لدور التجمّع في هذا المجال فهو ليس للموقف، الذي دعم الوحدة بحماس، وليس للعمل، فقد قام التجمع بمساع حقيقيّة وصادقة للتوصل الى قائمة مشتركة، بل لأنه لم يخض في حينه معركة سياسيّة في هذا الموضوع ولم يجر القوى الرافضة للوحدة وقتها الى نقاش سياسي حول الوحدة امام الجمهور الواسع وليس في غرف المفاوضات فقط.

في الانتخابات الأخيرة تكللت مساعي الوحدة بالنجاح وتشكلت القائمة المشتركة لتوحد في صفوفها كل الأحزاب السياسيّة العربيّة الممثّلة في الكنيست.  لم يكن الأمر سهلًا، ولم يكن ممكنًا لولا إصرار التجمّع ومثابرته، ولولا عمله الدؤوب والمخلص لتحقيق الوحدة.  التجمّع هو الحزب الوحيد الذي انزل من قاموسه عشيّة الانتخابات الأخيرة أي إمكانية لخوض الانتخابات سوى في قائمة واحدة، وهو الحزب الوحيد الذي لم يفقد الأمل حتى حين ساد تشاؤم بإمكانيّة تشكيل القائمة.

فورًا بعد تشكيل القائمة المشتركة، أعلن التجمّع بأن هناك ضرورة لتوسيع التحالف خارج الكنيست ليشمل قوى لا تشارك في البرلمان، وصولًا إلى توافق حول برنامج للعمل الوطني وحول إعادة صياغة لجنة المتابعة العليا. لقد ثبت في العقدين الأخيرين أن التجمّع يتعامل مع قضية الوحدة على أساس المسؤولية الوطنيّة العامة وليس بهدف الكسب الحزبي الخاص. والتجمّع يحمل الأمل ويضاعف العمل من أجل تحقيق الوحدة الوطنيّة على كافة المستويات، مع التأكيد بطبيعة الحال على استمرار النقاش السياسي والفكري، الذي يثري الوحدة ولا يضعفها كما قد يظن البعض. ومع التأكيد ايضًا على ان الوحدة الوطنيّة هي وحدة سياسية تستند الى برامج ومشاريع واهداف سياسيّة، وليس فقط مناسبة لمراكمة القوة وزيادة الوزن.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018