ليس أمرا بديهيا / نضال محمد وتد

ليس أمرا بديهيا / نضال محمد وتد

 يظلّ الاحتفال بمرور عشرين عام على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي ونهوض الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني ينقصه وجود المفكر العربي عزمي بشارة مع شباب الحزب في الاحتفال، باعتباره المؤسس الفكري والسياسي للحزب، الذي قام ردا على ما بدا أنه انهيار كامل للحركة الوطنية الفلسطينية عامة، بعد دخول نفق أوسلو، من جهة، وانهيار وسقوط القائمة التقدمية للسلام والمساواة في انتخابات العام 1992 وتغول مشروع الأسرلة  في أقصى حدود بلغت حد البكاء والتباكي على إسحاق رابين 'رجل السلام. 

ويمكن القول اليوم ، إن الطريق الذي سار به التجمع الوطني الفلسطيني، بعد آلام المخاض العسيرة التي أفضت لولادته باتفاق أقطاب الحركات السياسية غير المغردة في السرب الإسرائيلي، وأعني بها : ميثاق المساواة، وحركة أبناء البلد و الحركة التقديمة، والكثير من غير الحزبيين كان مليئا بالعقبات، بعضها ذاتية  كمشاكل الأنا' التي تلازم كل عمليات البناء الحزبي والحركات الساسية خاصة في فضاء اليسار العربي والفلسطيني.  

مع ذلك نجح التجمع الوطني على مدار العشرين العام الماضية، وفي عقده الأول تحديدا في ترسيخ هوية سياسية مختلفة عن الحركات التي ساهمت في تأسيسه عبر بلورة تيار قومي عربي فلسطيني ديمقراطي قادر على تقديم معادلة واضحة المعالم تبين حقائق الصراع التي شوهها مسار أوسلو، وبالتالي أدوات العمل والطروحات الفكرية والسياسية التي تشكل بوصلة للحزب  في أدائه البرلماني كما في أدائه الشعبي وفي سياق نشاطه الفلسطيني الوطني والعربي القومي. 

فإذا اتفقنا أن التجمع بمجرد تأسيسه تجاوز عمليا ووضع حدا لعملية الأسرلة وتشويه الهوية الفلسطينية للعرب في الداخل، وطرح بديلا وطنيا وقوميا واضح المعالم والخطوط، اضطرت خصومه وعلى راسهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إلى أعادة الاعتبار إلى تسمية الفلسطينيين في الداخل كأقلية قومية، والدعوة، ولو من باب التصريح على الأقل، لتلافي غضب أهل البلاد، إلى دولة كل مواطنيها ، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكريس هذا الخطاب في العقدين الماضيين كان بديهيا أو في متناول اليد، لأن كان بحاجة أولا إلى ترجمة الشعارات المطروحة على أرض الواقع في الممارسة السياسية البرلمانية كما في الممارسة الشعبية. 

ففي الأداء البرلماني السياسي كان للتغيير الثوري في الأداء الذي مثله عزمي بشارة، بداية ونواب التجمع الذين ساروا على خطاه لاحقا، الأثر الأكبر في إعادة القيمة والاعتبار للتنظيم الحزبي والسياسي بين الجماهير والتفافها على الحزب الوليد في أكثر من مناسبة وعند أكثر من مفترق طرق لأن أداؤه أعطاها الأمل في في القدرة على الاعتزاز بالهوية الوطنية والانتماء القومي دون التنازل عن الحق المدني الذي بات واضحا أنه لا يمكن انتزاعه بمعزل عن سياقه الوطني والقومي. 

وحتى لا يظل الأمر في سياق التنظير أو 'كلام السياسة يكفي هنا أن نضرب عدة أمثلة تبين على صحة ذلك: كان التجمع السباق في تقديم مشاريع قوانين للتمثيل المناسب في الشركات والقطاعات الحكومية للفلسطينيين في الداخل كاستحقاق للمواطنة الكاملة التي ينشدها، وليس كمنة من الحكومة والنظام في إسرائيل مع التركيز على أن حقوق السكان الأصليين لا تخضع لمساومة ولا لمقايضة بواجبات تريد المؤسسة فرضها عليهم. 

ولما كان ذلك مشتقا من فكرة دولة المواطنين، فإن الفكرة نفسها طرحت أكبر تحدي على إسرائيل لم تجد له ردا بل زاد وعي المؤسسة والأحزاب السياسية الإسرائيلية وإدراكها لمفهوم الفكرة باعتبارها تقوض البنية الصهيونية العنصرية للدولة وتنزع عنها هويتها اليهودية، في إبراز التناقض الجوهري القائم بين الصهيونية وبين الديمقراطية وملازمة الفكر الصهيوني للعنصرية ، وهو ما يتجلى بعد عشرين عام من تأسيس التجمع في الهوس الذي تبديه حكومات إسرائيل في اشتراط الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية . 

ولكن مسيرة التجمع في العشرين عام الماضية تشمل أيضا وضع أسس عملية للشخصية الفلسطينية التي ترفض تكرار مسرحيات الاعتذار و'لملمة' الطابق في طقوس مصالحة وهمية كالتي حاولت حكومة براك القيام بها بعد هبة القدس والأقصى. ففيما حاولت أطراف إطلاق حوار مع حكومة براك، واستقبال الوزراء من هذه الحكومة ومحاورتهم في الصحف الحزبية (مقابلة الاتحاد مع وزير العدل أنذاك، يوسي بيلين، الذي كان يرفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في سقوط شهداء أكتوبر)، تمكن التيار القومي تثبيت حالة ثورية في الداخل الفلسطيني ترفض كل هذه المحاولات، وتجبر الحكومة على تشكيل لجنة أور الرسمية. وشكلت هذه الحالة وما تبعها من صعود الخطاب القومي اللبنة الأولى لوضع التصورات الجماعية المختلفة التي أصدرتها لجنة المتابعة العليا، واللجنة القطرية، في تكريس الحقيقة الأساسية بأن أي حل لا يفضي إلى إعادة الاعتبار القومي والوطني للفلسطينيين في الداخل، ولا يقوم على العدل الممكن، لن يكتب له النجاح وسيزيد من عنف وتوغل سياسات الاحتلال والاستيطان في الأراضي المحتلة، وتكريس حالة أبرتهايد داخلها، مقابل استمرار تفتيت المجتمع الفلسطيني في إسرائيل سعيا إلى بناء مجتمع إسرائيلي، أو مجتمع مهزوم داخليا يبحث عن التضامن مع 'قوى تقدمية' وأخرى يسارية أو مع شرائح مهمشة تحت مسميات حلف المضطهدين، لأن البوصلة الواضحة بين أن مثل 'هذه' اللقاءات يمكن أن تكون عينية وموسمية ولا يمكن لها أن تكون استراتيجية طالما ظل الفكر الصهيوني هو المسيطر وشعار دولتان لشعبين هو أيقونة 'البرنامج السياسي للأقلية الفلسطينية' باعتباره يعطي المحتل والنظام شرعية له مقابل استجداء دولة للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بما هو متاح وبما يتكرم به المحتل.

وختاما لعل أهم ما ميز التجمع الوطني في مشواره السياسي ، والبرلماني والشعبي، أنه لم يسع يوما إلى نيل رضا 'الأغلبية' الإسرائيلية ولا رضا وسائل إعلامها، ولم يخفف من حدة خطابه في القضايا الجوهرية، ولا تحايل على الأسماء والمسميات حتى لا يثير 'نفور' أو غضب إسرائيل وأحزابها وإعلامها. وقد جر هذا على التجمع منذ اليوم اليوم الأول، غضبا وسخطا من إسرائيل كما من بعض 'الخصوم الداخليين' ترجم إلى الملاحقة التي لم تتوقف ، حتى يومنا، للمفكر عزمي بشارة، حتى بعد خروجه  للمنفى ولنواب التجمع الوطني الآخرين، كما تجلى ذلك بما تعرضت وتتعرض له حنين زعبي من استهداف.   

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018