نقد بشارة للخطاب المبتور في الواقع المعاق / مهند مصطفى

نقد بشارة للخطاب المبتور في الواقع المعاق / مهند مصطفى

يُشكل الإنتاج الفكري للدكتور عزمي بشارة، اليوم، مساهمة معرفيّة، أخلاقية وتاريخية هامة في الفكر العربي المعاصر حول الثورة، الديمقراطية، الدين والدولة، التراث الإسلامي والمجتمع في العالم العربي، وستكون لهذه الإنتاجات في المستقبل شأن في فهم صّيرورات الفكر والواقع العربي في هذه المرحلة، لا يمكن للباحث الجاد تجاوزها، قراءة، بحثًا ونقدًا، ليس كمقولات فكرية وبحثية تسعى إلى فهم ومفهمة المرحلة الحالية بل كمقولات ساهمت في تحديد صيرورتها أيضا. ولكنني أحببت في هذا المقال التطرق، بالذات، إلى انتاجين ثقافيين وسياسيين لبشارة حول الواقع العربي الفلسطيني في اسرائيل. الأول الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى الذي صدر عام 1998  وطروحات عن النهضة المعاقة الذي صدر عام 2003 وكلاهما صدرا عن مؤسسة مواطن الفلسطينية وربطهما من بشارة اليوم. يشكل الخطاب السياسي المبتور دراسة بحثية وسجالا فكريًا نقديًا للخطاب السياسي المبتور الذي ظهر وتطور في صفوف الفلسطينيين في إسرائيل، علاوة على أنه يتضمن مقولات نقدية هامة للبحث الإسرائيلي شكلت لاحقا أسسًا للنقد الفلسطيني المعرفي لهذا البحث الاستعماري، وفي كلتا الحالتين أسس الكتاب لمقولات نقدية لا تزال ترافقنا في البحث العلمي حتى الآن، في الجزء الثاني من الكتاب يطرح بشارة قراءات نقدية عينية لأهم المقولات والظواهر السياسية الفلسطينية في إسرائيل، كل ذلك بعودة إلى الإطار السوسيولوجي الأهم بنظر بشارة وهو التحديث في غياب المدينة على مستوى الداخل دون إهمال الطابع الاستعماري الذي يحيط بهذا الإطار من الخارج. وإذا صح التعبير فإن الكتاب هو نقد للبنية الفوقية السياسية، كما تمثلت في منطوقها السياسي الذي تجلى في غياب المدينة الفلسطينية، ونشوء مدينة مشوهة في الواقع الاستعماري.

أما كتاب 'طروحات في النهضة المعاقة'، فهو باعتقادي نقد للبنية التحتية الاجتماعية، رغم أن الاجتماعي في النهضة المعاقة لا ينفصل عن السياسيّ، كما نقده بشارة في الخطاب السياسي المبتور. كما أن الاجتماعي والسوسيولوجي لا يغيب عن نقد بشارة للخطاب السياسي. فكلاهما متلازمان في الكتابين رغم سلطان النقد السياسي على الخطاب السياسي المبتور والنقد الاجتماعي على طروحات النهضة المعاقة. لفت انتباهي حضور نقد العلوم الاجتماعية في الكتابين، في الخطاب السياسي المبتور اهتم بشارة بالأساس بنقد العلوم الاجتماعية الإسرائيلية- الصهيونية والبحوث العربية حول الأقلية الفلسطينية، بينما ركز في الطروحات على قراءة غياب العلوم الاجتماعية العربية في السياق الإسرائيلي، في الكتاب الأول يزعم بشارة أنه 'عندما تتخلى النظرية الاجتماعية عن تشخيص خصوصية الحالة فإنها تفقد القدرة على التمهيد لمشروع سياسي يطرح البدائل للواقع المعاش' (ص:9). ويؤكد في موقع آخر على غياب سوسيولوجيا فلسطينية في السياق الإسرائيلي، فيقول في هذا السياق 'لم تتطور سوسيولوجيا وجهة نظرها فلسطينية، أي سوسيولوجيا تزيد عن كونها إنتربولوجيا استشراقيه.....بحثيًا سوسيولوجيا يتعامل مع خصوصية العرب في إسرائيل من وجهة نظر فلسطينية' (ص: 18)،  مقولتين في جزء كبير منها كانتا صحيحتين وقتذاك، ولا تزالان صحيحتين إلى حد كبير في هذا الوقت أيضًا. 

في طروحات النهضة المعاقة، يتعمق بشارة أكثر في مقولة غياب العلوم الاجتماعية العربية في السياق الإسرائيلي، ولكنه يصر على العلاقة بين تطوير علوم اجتماعية ومشروع سياسي، ويقول في ذلك: 'لا يتم الإنتاج في العلوم الاجتماعية والآداب، كما في العلوم الطبيعية، من دون أجندة أو جدول أعمال لمجتمع منظم في دولة، أي من دون مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي وفئات اجتماعية تحمل هذا المشروع' (ص: 36). وفي مكان آخر يكمل بشارة،'ومع تطور قابلية المؤسسة الإسرائيلية لاستيعاب المثقفين العرب، نشأت مخاطر الأسرلة، التي تهدد بإجهاض احتمالات التطور المتبقية للعلوم الإجتماعية عبر تحويلها إلى تابع على هامش الأجندة البحثية الإسرائيلية، أو إلى ممثل للهوية العربية من دون إنتاج علمي جدي وعملي ولمجرد إثبات أن التعددية الثقافية أو الحرية الأكاديمية في إسرائيل قادرة على استيعاب العرب بهويتهم' (ص: 37).

من الصعب، باعتقادي، فصل بشارة في الخطاب المبتور والنهضة المعاقة عن بشارة اليوم، انتاجًا وعملا، أرى الكثير من تشابه النسق الفكري بين هذه الطروحات عن المثقفين والعلوم الاجتماعية وبين كتاب لبشارة صدر حديثا حول 'المثقف والثورة'، ففي الطروحات المعاقة ليس صدفة أن يبدأ بشارة كتابه بنقد مفهوم المثقف، فيقول 'يكون النقد أرقى تجليات الثقافة إذا كان مؤسسًا على معرفة،؟ وعلى الربط بين الفكر والواقع' (ص: 17)، مقولة ملحة بالذات الآن مع استسهال الرأي في الحيز العام بعد ثورة شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى فكرة فإن بشارة يخصص مبحثا في الطروحات المعاقة حول الحيز العام والحيز الخاص، يلخص الكثير من المعيقات التي لا تزال تعتري المجتمع الفلسطيني في الداخل ناتجة عن غياب الوعي بالحيز العام والصلة العامة. كل ذلك يتشابك مع مشروع بشارة الذي اعتبره نهضويًا في العلوم الإجتماعية والإنسانية من خلال المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. فالأخير هو خروج من النهضة المعاقة والخطاب المبتور على مستوى العلوم الإجتماعية العربية، حيث يهدف المركز إلى تطوير علوم اجتماعية عربية جادة وأكاديمية وعلمية ولكنها منحازة لمشروع سياسيّ، لا يخفيه بشارة في كل كتبه الصادرة في السنوات الأخيرة، المشروع الديمقراطي العربي.

ينجح الخطاب السياسيّ المبتور في تفكيك مفاهيم مُؤسسة ودارجة في الخطاب السياسي الفلسطيني في إسرائيل، وظواهر اجتماعية وسياسية أخرى. المساواة، الحقوق الجماعية، الثقافة والهوية القومية، تنظيم الأقلية العربية، المسألة الطائفية، العائلية، الشراكة العربية اليهودية، اليسار، الإسلام السياسي، الطبقية والمجتمع الإستهلاكي. الكثير من هذه المفاهيم يعيد بشارة قراءتها بشكل متميز في السياق العربي الواسع، وخاصة في كتابه 'بيان ديمقراطي عربي'، حيث يناقش بشارة، القبلية، الطائفية، الإسلام والإسلام السياسيّ، الثقافة والهوية القومية والاقتصاد. وأود أن أقتبس مقولة لبشارة حول تنظيم الأقلية الفلسطينية من خلال لجنة المتابعة من الضرورة استحضارها واستذكارها بالذات الآن،'وعلى أي حال فإنهم جميعًا، رؤساء سلطات محلية وأعضاء كنيست، يأتون إلى هذه اللجنة للتنسيق والتشاور فيما بينهم وليس لتنظيم الأقلية العربية قوميًا... ولكن أهم نواقص هذا الإطار هو عدم وضوح العلاقة التنظيمية بينه وبين المواطن العربي، ولذلك فإن كونه إطارًا تمثيليًا هو قضية مفترضة وطنيًا لأن وجوده أفضل من غيابه، ولكنها ليست قضية مثبتة عمليًا' (ص: 149).

في اعتقادي مقولات بشارة في الخطاب المبتور والطروحات المعاقة مقولات تصلح أن تكون برنامجًا لثقافة سياسية ومعرفية للجيل الجديد. مرة أخرى قراءة، بحثًا ونقدًا. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018