يوم العمال العالمي: من يوفر الظروف الآمنة للعمال العرب؟

يوم العمال العالمي: من يوفر الظروف الآمنة للعمال العرب؟
(توضيحية)

لا تختلف ظروف العمال الفلسطينيين عن بعضها كثيرًا، فرغم اختلاف "تعريفاتهم" الدولية والمحلية، فإن ظروف العمال المقهورين من فلسطينيي الداخل الذين يعانون جرّاء سياسات ممنهجة تستهدف حقوقهم وقوت يومهم، إلى جانب عدم توفير الأمان والسلامة لهم في أماكن العمل المختلفة، هي نفس الظروف للعمال المظلومين في كل مكان.

وفي هذا اليوم الذي يصادف الأول من أيار/ مايو، يوم العمال العالمي، تبرز حاجة العمال العرب إلى خوض نضالات جديدة لتحصيل حقوقهم العمالية، التي يفتقرون إليها، بعد أن قدموا الكثير من المصابين والضحايا في حوادث العمل المختلفة.

واستعرض الناشط في جمعية "عنوان العامل"، المحامي رامي شومر، في حديثه لـ"عرب 48"، الصعوبات والمشاكل الكثيرة في سوق العمل بما يتعلق بفرع البناء الذي يعمل فيه العرب الفلسطينيون سكان أراضي الـ48. 

*ما هي المشاكل الملحة في هذا الفرع تحديدًا؟

شومر:  هناك عدّة مشاكل أساسية في فرع البناء، لكنها تبدأ من موضوع العمل غير المسجل (الأسود)، أو التسجيل الجزئي للعمال، الأمر الذي يُعتبر انتهاكًا لأول حق للعامل، الذي عن طريقه يضمن حقوقه أمام الدولة ومؤسساتها. فغالبية عمال المجتمع العربي (في الداخل) يعانون من هذا الأمر بشكل مباشر، فعلى سبيل المثال، يتراوح متوسط الأجور في هذا الفرع بين 8 آلاف و11 ألف شيكل للفرد الواحد، لكن في غالبية الأحيان، لا يُسجل أكثر من 3 آلاف شيكل، وهذا يؤدي إلى سلسلة انتهاكات بحقوق العامل على عدة مستويات.

إن جميع المؤسسات الحكومية بما فيه مؤسسة التأمين يتعامل مع هذه المعطيات كونها رسمية وبالتالي، وبسبب خطورة العمل في البناء، فهناك إصابات يومية للعمال، وعدم تسجيل المبالغ الحقيقية لمدخول العامل الشهري، يحرمه بالضرورة من المخصصات الكافية لممارسة حياته بشكل طبيعي قبل الإصابة، بالإضافة إلى أن العمل في هذا المجال لا يمتد إلى سنوات طويلة، والمبلغ الذي تمنحه السلطات للتقاعد يتعلق المدخول الفردي، غير الحقيقي والمتدني في هذه الحالة.

تقع مسؤولية تسجيل مدخول العامل على المُشغّل، وانعدام الرقابة على فرع البناء يمنح حرية للمُشغّل بعدم تسجيل أجر العمال الرسمي، فهذا يساعده على التهرب من الضرائب. وفي غالبية الحالات التي توجهت إلينا تبين أنه في حالة طلب العامل من مشغّله تسجيل الأجر الحقيقي الذي يتلقاه، تكون النتيجة عادة إما بإسكاته والتحايل عليه، وإما طرده إن أصرّ على حقّه.

*كيف ترتبط انتهاكات العمّال بالشركات الكبرى؟

شومر: إن طريقة التشغيل في فرع العمل، تبيّن وكأن شركات البناء الكبرى ليس لها علاقة بما يجري على أرض الواقع في ورشة البناء، فإنها مكلفة في دفع مبلغ معيّن من المال للمقاولين الذين يجلبون طاقم العمل كاملًا، دون أن تتدخّل هي في ذلك، ويكمن انتهاكها للعامل بإخلاء مسؤوليتها تجاهه، عن طريق علمها المسبق لأسعار السوق المتدنية، تقديمها مناقصات يتسابق عليها المقاولون، وفي أحيان كثيرة يضطر هؤلاء إلى أخذ المشاريع بمبالغ زهيدة وبالتالي فإن الاستثمار في العامل وصحته وسلامته وأجره يكون متدنيًا، وهذا يرتبط بالضرورة بالإصابات الكثيرة غير المحتملة والتي في حالات كثيرة أدت إلى موت العامل.

*أين يكمن إهمال السلطات المتعمّد؟

شومر: إن مسؤولية السلطات المتمثلة بوزارة العمل تبدأ من توفير مراقبة لورشات العمل حتى ممارسة إجراءات عادلة بحق العامل، حيث أن الوزارة تحتوي  على 20 مراقبًا لورشات العمل على طول امتداد الورشات في البلاد، وبما أن المعطيات الرسمية تُشير إلى أن هناك 13 ألف ورشة بناء مصرّح عنها سنويًا، فهذا يعني بحسابات بسيطة أن الورشة قد تتم زيارتها من قبل مراقب مرّة خلال ثلاث سنوات، أي أنه عدد كبير جدًا من الورشات التي تنتهي بمدّة زمنية أقل من هذه، هناك احتمال كبير بأن لا يتم فحص ملاءمتها لشروط العمل.

وزارة العمل وضعت شروطًا لسلامة العمال، ولا يقوم حتى بمراقبة ما مدى تطبيقها، وغالبية العمال الذين توجهوا إلينا، أكدوا لنا أنّ مراقب وزارة العمل لا يزور ورشة البناء إلّا في حالة وقوع إصابات، وليس كل إصابة، إما الإصابات بالغة الخطورة أو موت العامل.

في السنوات الخمس الأخيرة، وبرغم كل الإصابات الطفيفة والبالغة والتي أدت إلى مصرع عمال، لم تتم محاسبة الجُناة إلّا في حالة واحدة ووحيدة، قامت السلطات فيها بفرض غرامة مالية بقدر 5 آلاف شيكل على الجاني، في ملف لورشة غير نظامية تفتقر لأدنى شروط الأمن والأمان، راح ضحيّتها أحد العمال، أي بكلمات أخرى، تقول لنا السلطات إنه في أقصى حالات عدم انضباط الورشة لشروط السلامة، تساوي حياة العامل مبلغ 5 آلاف شيكل.

*ما هي الخطوات التي يجب القيام بها لتوفير شروط جيّدة للعمال؟

شومر: أدنى ما يمكن للسلطات توفيره هو عقاب رادع، فلا يمكن أن نتوقع من المقاول الذي يهتم لجيبه فقط، أن يقوم بتوفير شروط الأمن والأمان للعامل دون رقيب أو حسيب، فإن هذا الإهمال لحقوق العامل قد ينتهي بمجرد إحساس مسؤول العمل أو المقاول بالمسؤولية الجنائية التي قد تطاله إذا ما تم تطبيق القانون كما يجب، فالتعرض إلى تهمة جنائية أو دفع تعويضات ستُخيف هؤلاء بالتأكيد. فبحسب القانون، المسؤول الأساسي عن سلامة العامل هو مدير العمل، الذي يتم توظيفه عن طريق المقاول، وبالعادة ما يكون مقرّب منه حيث يتجاهل جميع شروط السلامة المكلفة للمقاول، وهذا أيضًا ظلم في بعض الأحيان، ومدير العمل لا حول له ولا قوة أمام المقاول.

*ماذا تفعلون كجمعية لحماية العامل والحد من هذه الظاهرة المقلقة؟

شومر: نحن في عنوان العامل نقوم بتوفير مساعدة قانونية مجانية للعامل الراغب بالتوجه إلينا بشكوى حول ظروف عمله أو ظروف الورشة غير الآمنة، بالإضافة إلى عملنا الدائم في حملات توعوية من أجل أن يعلم العمال حقوقهم، لنساعدهم على الحد من إمكانيات انتهاكهم من قبل أرباب العمل، فنسبة كبيرة من العمال لا تعي حقوقها، وما هو مدى تأثير الإهمال على حياتهم، وكثيرون هم المقاولون الذين يخفون هذه الحقائق مع سبق الإصرار والترصد.، ونحاول دائمًا العمل أمام الجهات المعنية لمحاولة تشديد قوانين سلامة العامل وتغيير القوانين الأخرى لصالح العمال.

*ماذا تنصح العمال في فرع البناء؟

شومر: إن فرع البناء يعاني من هذا الوضع المتردي منذ عشرات السنوات، وطرحت السلطات اقتراحا ادعت فيه أنها باشرت العمل به في مطلع العام الجاري 2018، وهو إقامة وحدة مشتركة بين الشرطة ووزارة العمل لمراقبة ورشات العمل ومحاسبة الجناة، لكن هذا لا يكفي، ويمكن أن يعتبر خطوة أولية في حال طُبّق، وأنا أنصح العامل بأن يهتم بسلامته والمحافظة على حياته، فهي أهم ما يملك. وأؤكد أن العمل في سبيل لقمة العيش لا يعني ألّا يقوم بالانتباه لربّ العمل، بالإضافة إلى أنه يجب أن يمتنع عن العمل في ظروف غير آمنة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018