"الإجراءات الحكومية ضعيفة ولا تحد من حوادث العمل في ورشات البناء"

"الإجراءات الحكومية ضعيفة ولا تحد من حوادث العمل في ورشات البناء"
ورشة بناء مغلقة (وزارة العمل)

تشهد البلاد ارتفاعًا كبيرًا في حوادث العمل، أضحت وتيرتها يوميّة، مخلفة مئات المصابين وحاصدة عشرات الأرواح، وتكاد تتطابق ظروف الحوادث: إهمال المقاولين لإجراءات الأمان، ورقابة حكومية شبه معدومة مع إجراءات ضعيفة، حالت دون السيطرة على "الظاهرة"، ولا يلمس العمّال تأثيرها الفعلي على أرض الواقع.

وتشكل حوادث البناء النسبة الأعلى في حوادث العمل، وتتضمن سقوطًا من علو في ورشات البناء المختلفة، بالإضافة إلى سقوط أجسام ثقيلة على العمال خلال تأدية عملهم، فيما تشير النسب إلى أن غالبية الضحايا من العمال الأجانب والعمال العرب الفلسطينيين.

وشهد أول من أمس، الأحد، آخر الحوادث المميتة، إثر مصرع 4 عمّال في انهيار رافعة في ورشة بناء بمدينة يفنة، وسط البلاد، أحالت الشرطة على إثرها 13 من المسؤولين ذوي الصلة بورشة البناء للتحقيق، بعضهم تحت التحذير فيما اكتفت في سماع إفادة البعض الآخر.

ويوم الخميس الماضي، لقي عاملا بناء، مصرعيهما إثر سقوطهما من علو في حادثين منفصلين وقعا في ورشتي بناء وسط البلاد، وأحالت السلطات 6 من المسؤولين ذوي الصلة بورشة البناء للتحقيق، بعضهم تحت التحذير، فيما أحالت 3 من بينهم للحبس المنزلي.

وعلى الرغم من تعهد السلطات بمعاقبة المسؤولين عن حوادث العمل، بإغلاق ورش البناء لمدة شهر على أقل تقدير، أصدرت وزارة العمل أمرًا يقضي بإغلاق ورشتي البناء التي وقع بها حادثا الخميس (في بني براك وبيتح تيكفا)، لمدة 48 ساعة فقط.

وفي مؤشر خطير على وتيرة الارتفاع المطّرد من حيث أعداد القتلى والإصابات في ورشات العمل وخاصة في فرع البناء، تؤكد المعطيات أنه منذ بداية العام 2018 الماضي، لقي 58 عاملا مصارعهم في حوادث مختلفة بفرع البناء.

ومنذ بداية العام 2019 الجاري، لقي 20 عاملا مصارعهم وأصيب 62 آخرون في إصابات تتراوح بين متوسطة وخطيرة. وحسب المعطيات فإن 31% من الضحايا، من العمال الأجانب، علما بأن نسبتهم لا تتجاوز الـ9% من مجمل العمال في فرع البناء.

ومقارنةً بالسنوات السابقة، فإن العام الجاري شهد سقوط أعلى نسبة ضحايا في حوادث العمل في ورشات البناء، حيث قتل في حوادث ورشات البناء 20 عاملا في الفترة بين كانون الثاني/ يناير وحتى أيار/ مايو 2019، علما بأن الفترة ذاتها في العام 2016 شهدت مقتل 15 عاملا، و13 عاملا في العام 2017، وهو نفس عدد الضحايا الذين سقطوا في الفترة ذاتها (منذ كانون الثاني حتى أيار) من العام 2018 الماضي. ووفقا للمعطيات، قتل 144 عامل بناء منذ العام 2016 حتى اليوم.

وعلى الرغم من المعركة التي خاضها الاتحاد العام لنقابات العمال الإسرائيلية (الهستدروت) مع السلطات، نهاية العام الماضي، والتي "تُوّجت" بتوقيع اتفاق يقضي بزيادة إجراءات الأمن والسلامة في ورشات البناء، بعد أن هددت "الهستدروت" بالإعلان عن إضراب مفتوح، احتجاجا على الحوادث المميتة، إلا أن المعطيات تؤكد أن الوعود التي قدمتها السلطات للنقابة تمضي في اتجاه، فيما تمضي الإجراءات العملية في الاتجاه المعاكس. الحوادث لا تزال تسجل ارتفاعًا مستمرًا.

وتعتبر نقابات مستقلة الهستدروت طرفا أساسيا وشريكا للحكومة والمقاولين في إنشاء الوضع الفوضوي الذي يعيشه فرع البناء، في ظل السقف المنخفض للمطالب التي قدمها خلال المفاوضات مع الحكومة، وسط اتهامات بأن الهستدروت أهمل فرع البناء وحقوق العامل، إرضاءً للمقاولين والمبادرين.

وشمل الاتفاق الذي تم توقيعه، نهاية العام الماضي، إقرار إجراءات تفرض استعمال السقائل من النوع الأوروبي، كأمر إلزامي، وكذلك توسيع رقعة المسؤولية عن موضوع الوقاية ليشمل المقاولين والمبادرين. وإدخال بند إلزامي في مناقصات حكومية حول موضوع الوقاية.

كما وافقت وزارة المالية على فتح 60 وظيفة جديدة في إدارة السلامة التابعة لوزارة العمل، لزيادة الرقابة وإنفاذ سلطة القانون بهذا الشأن. علمًا بأنه حتى اللحظة لم يتم استيعاب سوى 19 مفتشًا في مجال مديرية الأمان في العمل، فيما تشير المعطيات التي أوردتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن 10 مفتشي في مجال سلامة وأمان ورش البناء لا يزالون في طور التوظيف، وتعطل الإجراءات البيروقراطية إجراءات فتح 10 وظائف في هذا الشأن.

ولفت تقرير مراقب الحكومة الذي صدر عام 2016، إلى أنه في ظل العدد القليل في توظيف مفتشي السلامة والأمان، بالمقارنة مع عدد ورشات البناء الكبيرة إلى حد هائل (13 ألف ورشة بناء)، فإن معدل زيارات التفتيش لكل ورشة لا يتجاوز الزيارة الواحدة خلال عامين ونصف العام وحتى 3 أعوام. حتى يتسنى للعدد المحدود من المفتشين من إجراء زيارات تفتيشية لكل ورشات البناء القائمة.

وكان يفترض، بحسب "يديعوت أحرونوت"، أن تساعد التعيينات الجديدة، التي تماطل وزارة العمل في إنجازها، في تحسين آلية فرض وجباية الغرامات من المقاولين المخالفين في معايير السلامة، والتي تشكل رادعا للمقاولين والمسؤولين، وقد تم إدراجه في لوائح الوزارة، في كانون الثاني/ يناير عام 2018، غير أنها لم تثبت نجاعة بسبب العدد المنخفض جدا من الموظفين المسؤولين.

وللمفارقة، فإنه وعلى الرغم من الغرامات المنخفضة التي تفرضها الوزارة (تتراوح بين 6 آلاف وحتى 35 ألف شيكل)، تشير المعطيات الواردة في الموقع الإلكتروني لإدارة السلامة التابع لوزارة العمل، إلى أن الغرامة الأخيرة التي تم فرضها على مقاول بناء مخالف لمعايير السلامة والأمان، كانت في آب/ أغسطس 2018.

وشطب مسجل المقاولين بوزارة الإسكان تراخيص اثنين فقط من المقاولين بسبب انتهاكات السلامة، وتم تجميد القانون المقترح لتوسيع سلطاته وصلاحياته منذ كانون الأول/ ديسمبر عام 2018 بسبب حل الكنيست. علما بأن مسجل المقاولين بدأ في الآونة الأخيرة فقط في ممارسة سلطته بدعوة الشركات المتعاقدة والمقاولين والمبادرين إلى جلسات الاستماع.

ويشير المختصون إلى أن السبل الأولية والأساسية لمكافحة هذه الظاهرة، تتمثل بتطبيق القانون بإغلاق ورشات البناء التي تخالف معايير السلامة الواردة في لوائح الوزارة لفترة لا تقل عن 30 يومًا ورفع مبالغ الغرامة، لردع المقاولين وشركات البناء، علما بأن السلطات اكتفت بإغلاق أكثر من 300 ورشة بناء لفترة لا تزيد عن 48 ساعة.

ويوضح المختصون أن المعطيات تشير إلى أن أكثر من 60% من حوادث البناء يحدث جراء السقوط من علو، وعليه، فإنهم ينصحون بإلزام المقاولون بتثبيت "شبكة" لحماية العمال من الوقوع، وسط التأكيد عن الاعتماد على المعايير الأوروبية للسقائل سيحقق هدف خفض حوادث السقوط في ورشات البناء، بالإضافة إلى زيادة عدد المفتشين العاملين في هذا المجال.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية