هل ينجح مخطط الضم في إعادة لم شمل كل الفلسطينيين؟

هل ينجح مخطط الضم في إعادة لم شمل كل الفلسطينيين؟
من مسيرة ضد الاستيطان في الأغوار الشمالية (أرشيف وفا)

كتبت هذه المقالة في إطار "ورشة المقالة الصحافية" التي نظمها موقع "عرب 48" بالتعاون مع جمعية الثقافة العربية، مؤخرًا، وقدّمها أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت، صالح مشارقة.


وسط نوايا إسرائيل المعلنة لضم أحادي الجانب وفرض سيطرتها على أراض فلسطينية في الضفة، بما في ذلك منطقة غور الأردن وشمالي البحر الميت والمستوطنات فيها، تعلن بذلك نهاية ما يسمى بحل الدولتين أو إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ومع مرور الموعد الذي حدده رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لبدء إجراءات تنفيذ الضم، الأول من تموز/ يوليو الجاري، تتعالى الأصوات في الشارع الفلسطيني من النهر إلى البحر التي تدعو لمواجهة موحدة لمشروع الضم الاستيطاني. فالفلسطيني الذي تشتّت وأُبْعِدَ عن أهله وأرضه، تنضاف إلى حياته حدود جديدة غير تلك التي حفرتها اتفاقية أوسلو، في مرحلة تاريخية جديدة في الصراع يؤكد فيها كل الفلسطينيين ضرورة التوحد خلف مشروع جماعي، سواء في الأرض المحتلة عام 1948 أو عام 1967.

رغم تهجير وتشريد الشعب الفلسطيني في نكبته الأولى عام 1948، إلا أن توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 هيأ لتجزئة كل من الأرض والشعب الفلسطيني. فقد أعطت هذه الاتفاقية شرعية وأعدّت الظروف لتشييد وإقامة المستوطنات في أراضي فلسطين التاريخية بتأييد أميركي مطلق، الأمر الذي وفّر مدخلا لإسرائيل لطرح وتنفيذ مخططات ضم مشابهة ومستمرة للأجزاء المجزأة والمتبقية من الأراضي الفلسطينية، والتي بالكاد تصل لنسبة 22% من مساحة أرض فلسطين التاريخية، من جهة؛ وقامت بتفتيت الشعب الفلسطيني من جهة أخرى، ليصبح فتاتًا يقتاته كل من يشتهي ويرغب، ولتزرع الفتن بين ما صار يسمى ضفة وغزة، في مسلسل طويل من التشتيت والمحي كي ينسى الفلسطينيون وحدتهم ككتلة سياسية وجغرافية واحدة.

سياسة فرّق تسد نجحت لفترة معينة من الزمن في تقسيم الفلسطينيين، لكن الأبرتهايد الإسرائيلي أعطى نتيجة معاكسة، فالكل الفلسطيني الآن يواجه الخطر نفسه، وتأكيد الكفاح الموحد بدأ يعلو عوضًا عن تعدد المسارات. فكل من فلسطينيي الداخل وفلسطينيي القدس وفلسطينيي الضفة الغربية أدركوا أنه من أجل التصدي للعنصرية وإسقاط خطط الضم الاستيطانية عليهم الإلقاء بخلافاتهم الداخلية جانبًا، والتوحد بإطار إستراتيجية تعاونٍ وكفاحٍ وطني بأسرع شكل ممكن.

وحده النسيج الفلسطيني الموحد سيكون القادر على الوقوف في وجه الحكومة الإسرائيلية ليضع حدًا للتوسع الاستيطاني، وليمنع إسرائيل من الاستمرار بضم أو فرض سيطرتها على أراض فلسطينية أخرى.

سيناريو الضم الجديد، على عكس ما سبقه، يعني التفكيك الشامل والأخير لما تبقى من الأراضي الفلسطينية. فضم مناطق "جـ" يعني ضم ثلثي أراضي الضفة، ليمحو بذلك كل إمكانية لتجسيد الفلسطينيين حقهم بتقرير مصيرهم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود عام 1967، وليخلق عوضًا عنها أرخبيلا هشًا وضعيفًا مما تبقى من الأرض المجزأة.

ضبابية مواقف الدول العربية والدول المجاورة من مخطط الضم ودعم بعضها الآخر لـ"صفقة القرن" الأميركية، عززت من أهمية النضال الفلسطيني الجماعي، فموجة الاحتجاجات بدأت تقرع شوارع فلسطين من الجليل للخليل، مطالبة بالحقوق المتساوية وزارعة فكر المقاومة الجماعية والتضامن الوطني في نفوس الشباب والشابات الفلسطينيين والفلسطينيات.

رغم جدية هذه الخطوة لتوحيد الفلسطينيين صفوفهم للمرة الأولى منذ تجزئتهم، إلا أنها محاطة بالعديد من العوائق والتي بإمكانها منع التحام الشعب الفلسطيني، مثل "الامتيازات" التي حظي بها الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل. فإسرائيل لم تصرّح عن نيتها منح هوياتها الزرقاء (الإقامة أو المواطنة) للفلسطينيين الذين يسكنون بمناطق "جـ" ومناطق الأغوار في الضفة، ما يعني أنه إما سيتم طردهم وترحيلهم كبقية الفلسطينيين الذين عاشوا بضواحي القدس سابقا قبل تهجيرهم عام 1967 عند بسط إسرائيل سيادتها في هذه المناطق، وإما أن يعيشوا تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية.

على ضراوة اللحظة الاستعمارية التي تفرضها إسرائيل بالضم، إلا أن أملا كبيرًا ينبني لإعادة توحيد النضال الفلسطيني، كشعب واحد في أعالي الجليل وتلال الخليل وعلى كامل الرقعة الجغرافية التاريخية التي حولتها إسرائيل إلى حالة من التقسيمات الاستعمارية المكانية والتمييز العنصري.

* الكاتبة صحافية وطالبة ماجستير في مسار دراسة إدارة وحل النزاعات الدولية في الجامعة العبرية في القدس.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص