مصير الأزياء الفلسطينية ما زال عاريًا

مصير الأزياء الفلسطينية ما زال عاريًا

كتبت هذه المقالة في إطار "ورشة المقالة الصحافية" التي نظمها موقع "عرب 48" بالتعاون مع جمعية الثقافة العربية، مؤخرًا، وقدّمها أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت، صالح مشارقة.


كان لمجال صناعة وتصميم الأزياء في العقد الأخير حصة كبيرة من المشهد الفني والثقافي الفلسطيني؛ فلمعت أسماء مثل ساهر عوكل وميادة سابا وشمس شلوفة، ولاقت نجاحًا باهرًا في عالم الموضة العربي والعالمي، وتصدرت الصفحات الأولى في مجلات الأزياء والموضة. كان لمصممي أزياء فلسطينيين حصة في مسابقات عالمية كمشاركين وكحكام، وتراقصت أثواب تحمل توقيعهم على منصات أسابيع الموضة في باريس ولندن وميلانو، لكن يسير هذا المجال اليوم عاريًا، مجهول المصير في غياب أطر مناسبة تحتويه، كصحافة أزياء وأسبوع موضة مستقل.

يعتقد علماء الأنثروبولوجيا أننا بدأنا قبل أكثر من 100 ألف سنة بصناعة واستخدام الملابس بسبب غرائزنا البشرية، الحاجة للدفء في الشتاء والحماية من أشعة الشمس في الصيف، لكن حاجتنا للأزياء والملابس اليوم تتعدى هذه الغرائز. في الحقيقة، تُصمم الأزياء جزءًا كبيرًا من واقعنا اليومي، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والشخصي.

بحسب إحصاء نشر في لمجلة الأميركية "فوربس"، يعتبر مجال صناعة وتصميم الأزياء ثاني أكبر تجارة في العالم، بقيمة وصلت إلى 2.5 تريليون دولار عالميًا في عام 2018. كذلك الحال في المجتمع الفلسطيني، تخلق صناعة الأزياء حلقة اقتصادية مستقلة وتساهم في دعم الاقتصاد المحلي، بالإضافة إلى خلق فرص ومجالات عمل جديدة للشباب الفلسطيني، إذ إن رحلة تحول الفكرة من تصميم إلى سلعة في هذا المجال تحتاج إلى العديد من الأيادي من مجالات عديدة.

تاريخيًا، كانت الأزياء وسيلة للتعبير عن الهوية والاستقلال الفكري، فتميزت المجتمعات المختلفة حول العالم بلباس تقليدي يعبر عن هويتها وتاريخها، باستخدام مواد وأقمشة وألوان مميزة.

تميز الشعب الفلسطيني أيضًا بلباس تقليدي شكل عاملا مهمًا في بناء هويته الاجتماعية، كالكوفية التي تحولت من لباس تقليدي إلى رمز وطني وأيقونة عالمية للمقاومة، والثوب الفلسطيني المطرز مع تصاميم التطريز المختلفة التي تعبر عن التنوع الثقافي واختلاف المناطق الجغرافية.

وعلى الصعيد الشخصي، تؤثر الأزياء التي نرتديها على تصرفاتنا والطريقة التي نرى بها أنفسنا، فكل منا يختار لون ونمط ملابس يُشعره بالثقة والوحدانية.

نُشر بحث في مجلة "علم النفس الاجتماعي التجريبي" لجامعة "نورثويستيرن" الأميركية، ويلفت إلى أن الملابس التي نرتديها تؤثر على تصرفاتنا والطريقة التي نرى بها أنفسنا. استخدم في هذا البحث معطف المختبرات الذي يرمز للدقة والتركيز والجدية. جرى تقسيم المشاركين بالاختبار إلى مجموعات وقاموا بامتحان لفحص التركيز والدقة. طُلب من إحدى المجموعات ارتداء المعطف بعد أن شُرح لها أنه معطف طبيب. حصلت هذه المجموعة على أفضل نتائج مقارنة بمجموعة لم ترتد المعطف، أو أخرى ارتدت المعطف لكن شُرح لها أنه معطف رسام، أي أن معطف المختبرات جعل مرتدية يشعر بمسؤولية وتركيز أكثر، الأمر الذي انعكس على نتائج الامتحان.

لقد بات معروفًا أن ارتداء الفلسطيني أزياء من صناعة محلية بات تمردًا على الواقع الذي فرض عليه، وإعلان واضح لاستقلالية فكرية ثقافية. ومثلما جعل معطف المختبرات مرتديه أكثر جدية وتركيز، تجعل الأزياء فلسطينية التصميم والصناعة مرتديها يشعر بثقة وسيطرة، وانتماء لمجتمع وواقع مستقل.

نجح بعض مصممي الأزياء الفلسطينيين بفرض وجودهم في عالم الموضة بعد سنوات من الإقصاء والتهميش، ما أعطى الأمل للجيل الشاب الذي يحلم بالانخراط بهذا المجال. أيقظ هذا النجاح شعور الفخر بالصناعة المحلية، ما زاد اهتمام المجتمع في هذه الأزياء وبالتالي زاد الطلب عليها. لكي نضمن استمرار هذا النجاح وتلبية الطلب المتزايد على هذه الأزياء، علينا وبأسرع وقت تطوير أطر حاضنة، تعمل كداعم ومراقب ووسيط بين المصمم والمجتمع. فمن دون هذه الأطر سيضطر المصممون الفلسطينيون، وخصيصًا الشباب منهم، إلى الاستعانة بأطر غير محلية تضر وتشوه الفكرة والمبدأ في صناعة أزياء فلسطينية مستقلة.

من المهم تنظيم أسبوع موضة مستقل ليشكل منصة يستطيع كل مصمم، مبتدئا كان أو متمرسًا، ليعرض أعماله فيها. فتنظيم عرض أزياء فردي هو أمر مكلف للغاية، لذلك سيكون الأسبوع فرصة متاحة للمصممين لتقديم أعمالهم، والذين يلجأ معظمهم لوسائل التواصل الاجتماعي كمنصة بديلة، وهذا يضر بشكل أساسي بالمصممين الشباب الذين لا يملكون إمكانيات مادية أو قاعدة جماهيرية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فيجعل عملية عرض تصاميمهم وأفكارهم للجمهور صعبة جدًا وبطيئة للغاية.

صحافة الموضة هي أطار آخر لا يقل أهمية، فهي منصة تسويقية بالإضافة إلى كونها إحدى الطرق لتعزيز ثقافة الأزياء في المجتمع، من خلال نقد ومتابعة المجال والعاملين فيه. يلجأ المصممون اليوم للمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي كبديل لصحافة الموضة. قد تنجح هذه الطريقة في التسويق، لكنها تفشل في المتابعة والنقد. ومن الخطر استبدال صحافة الموضة بمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يملك أغلب المؤثرين بهذا المجال الخبرة والمعرفة الكافية للقيام بمعاينة ونقد بناء للأزياء، فغالبًا ما نراهم يعبرون عن آراء شخصية أو مقابل كدعاية مدفوعة، تترسخ هذه الآراء في المجتمع وتتسبب في بناء ثقافة أزياء مبتذلة.

النجاح والإقبال الكبير على مصممي أزياء فلسطينيين ومشاريع مثل يوم الأزياء في الناصرة الذي أقيم لأول مرة في صيف 2019، وفيه جرى عرض عدد من الأعمال لمصممين من عدة مجالات، وأكاديمية الموضة في الناصرة مع حانوتها حيث يستطيع طلاب الأكاديمية عرض أعمالهم للبيع، يشير لوعي مجتمعي لأهمية بناء أطر داعمة في مجال صناعة وتصميم الأزياء.

لا يزال أمام قطاع تصميم وصناعة الأزياء الفلسطيني طريق طويل مليء بالتحديات، لكن واقعنا يبشر اليوم بمستقبل نستمر فيه بالمقاومة، التمرد وتصميم الأزياء، والواقع. ففي النهاية، نحن شعب يحب الحياة، إذا ما استطعنا إليها سبيلا.


فادي فار من مواليد الناصرة، طالب علوم دماغ، بيولوجيا ولسانيات في جامعة تل أبيب؛ ناشط اجتماعي ومدرب مناظرة وخطابة.