نصف قرن على حرب السويس../ عبد الإله بلقزيز

قبل خمسين سنة كانت حربٌ أطلقوا عليها اسماً «محايداً»: حرب السويس، وسمّاها أهل السويس الشرعيون العدوان الثلاثي. وكانت فكرةٌ أتى العدوان ذاك يحاول دفنها أو إصابتها في مقتل. سمّاها المعتدون المساس بالمصالح التجارية والاقتصادية الدولية، وأطلق عليها أصحابها السيادة والكرامة الوطنية. وبين الفكرة، وقد أطلقها عبد الناصر في صيف عام 1956، والحرب ــ وقد شنّها حلف العدوان الثلاثي في خريف العام نفسه ــ أجْرَتْ مصرُ تمريناً سياسياً ونفسياً على فكرة التحدي لمدافعة النفس والذود عن الوطن، وأجرت معها البلاد العربية كافة تمريناً على تحرير الإرادة من أغلال الكبت والخنوع الموروثة من حقبة استعمارية مديدة.

سريعاً، أخرجت الحرب مصر وجمال عبد الناصر من حدود الوطن الصغير الى الوطن الكبير. باتت الناصرية فجأةً فكرة عربية، ثم لم تلبث أن مدت تأثيرها السحري الى المجال الجنوبي (العالمثالثي) لتفرض تعديلاً في خريطة الانقسامات العالمية باستيلاد قطب عالمي جديد اختار الحياد الإيجابي عنواناً له في مقابل القطبين المتنابذين.

وما كان عبد الناصر ليتحوّل من رئيس دولة الى زعيم أمة فرمز أُممي، ولا كانت الناصرية لتبزغ كأيديولوجيا سياسية تحرّرية تأخذ بألباب الثوريين في العالم، لولا أن مصر صمدت في وجه العدوان البريطاني ـ الفرنسي ـ الصهيوني وألحقت به هزيمة سياسية على ما دفعته من ثمنٍ عسكري وإنساني فادح (30 ألف شهيد وجريح).

أشعل الصمود المصري في «حرب السويس» ملحَ الإرادة في دماء العرب. أقام لهم دليلاً على أن في وسعهم أن يحموا أوطانهم المستقلة من احتلال متجدد، وأن ينجحوا في افتكاكِ ما كان لا يزال منها خاضعاً للاستعمار. لم تذهب سدى عبارة عبد الناصر الاستنهاضية «إرفَع رأسكَ يا أخي».

رفع العربي رأسه بعدما كان خفيضاً منذ هزيمة 48 المذلّة، بل منذ احتلال الجزائر (1830) وسقوط بلاد العرب والمسلمين تحت سنابك خيول الغزاة الزاحفين. وما كان صدفة أن سيل النهوض التحرري العربي انطلق هادراً منذ ذلك الحين: الثورة الجزائرية، ثورة 14 تموز العراقية، الثورة على نظام كميل شمعون في لبنان، الوحدة المصرية ـ السورية، الثورة اليمنية، الثورة الفلسطينية...، وانطلقت في امتداده ثقافة التحرر والتقدم.

ولا يذيع المرء سراً حين يقول إن مصر لم تكسب الحرب عسكرياً، لكنها نجحت في أن تمنع التفوّق العسكري لقوى العدوان من أن يترجم نفسه سياسياً. «اختطفت» النتائج السياسية من قلب المعركة، وتلك هي الحرب: ينتصر فيها مَن حقّق أهدافه السياسية، ومصر (الناصرية) حققت أهدافها أو ـ في أقل تقدير ـ منعت العدو من تحقيق ما رامه من وراء شنّ الحرب.

هذا هو الدرس الذي تعلّمته المقاومة الفلسطينية في معركة الكرامة (1968) التي حوّلت كوفيّة الفدائيين الى رمز للحرية والبطولة في العالم كله وثأرت للعرب من هزيمة 67 فحرّرتهم من ثقل الشعور بالدونيّة وزِرَايةِ النفس.

هذا أيضاً كان الدرس الذي أعادت الثورة الفيتنامية تأكيده بعد ما يقلّ قليلاً عن عشرين سنة من سابقه المصري: يستطيع العدو (أميركا في هذه الحالة) أن يدمر أكثر وأن يحصد من الأرواح أكثر بكثير مما تستطيعه الثورة، لكنه يحصل على القليل، القليل مما يريد، وتحصل الثورة (المقاومة) على الأكثر، والأكثر: إسقاط أهداف العدو وإجبار عدوانه على الانكفاء.

ثمة رجلٌ في زماننا يشبه جمال عبد الناصر وهوشي مِنْه اسمه حسن نصر الله. لا يملك الأخير من السلاح والقوة العسكرية ما يملكه العدو (الإسرائيلي) تماماً مثل عبد الناصر وهوشي منه أمام البريطانيين والفرنسيين والأميركيين. لكنه مَلَكَ إرادته وشجاعته ورباطة جأشه وحنكته واقتداره السياسيين مثل زعيميْ الأمتين العربية والفيتنامية، وخاض حرباً وطنية مشرّفة ضد عدو ارتعدت لقوّته فرائص حكام وقادة جيوش فخرج منتصراً.

لم يدمر جيش إسرائيل ولا توغّل في الأراضي الفلسطينية، لكنه دمر أهدافها السياسية ولقّن مقاتلوه البواسل عدوّهم درساً في القتال لن ينسوه. لو فكّر حسن نصر الله وجمال عبد الناصر وهوشي منه في السياسة انطلاقاً من مفهوم ميزان القوى، لكانوا من المُخَلَّفين (أي المتخلفين عن واجب القتال في الاصطلاح الإسلامي). اعتصموا بالمفهوم المناسب: ميزان الإرادات... فانتصروا.

لدينا مثالٌ مقابلٌ سيئ اسمه مصر، ولكن بعدما لم تعد ناصرية. في حرب أكتوبر 73 خرجت مصر منتصرة عسكرياً بفضل تضحيات جيشها وحنكة قيادتها العسكرية الوطنية. لكنها خسرت الحرب سياسياً: منذ مفاوضات الكيلومتر 101 الى كامب ديفيد مروراً باتفاقية سيناء وزيارة القدس المحتلة. لماذا؟ لأنها افتقرت الى قيادة سياسية تاريخية تقتدر على إدارة الحروب ونتائجها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018