غياب صنّاع التحويل في المجتمعات العربية!/ مرزوق الحلبي

يُشكّل البرلمان في الدول العربية شباكا واسعا يُمكننا أن نطلّ من خلاله على جوانيّة الأنظمة في هذه الدول وإن كانت البرلمانات في بعض الأحيان صورية أطوع من خاتم سليمان في أيدي النظام الأوليغارخي أو الرئيس في هذا البلد أو ذاك. فالبرلمان يجسّد نظام الأحزاب، إذا وجد، أو نظام المحاصصة أو العشائر أو تلك "الخلطة" الخاصة بين ما ألفناه من مؤسسات طبيعية في المجتمع العربي، مثل القبيلة والعشيرة والطائفة والعرق، وبين تلك الحديثة كالأحزاب والحركات السياسية الأيدلوجية أو الفكرية. بل رأينا إن السيرورة الأساس في تطوّر النظام الحزبي العربي قامت على تكريس المؤسسات الطبيعية في خدمة الحزب أو العقيدة الحزبية، ومن ثمّ السلطة والحاكم. فإذا نظرنا إلى ما تتمتع به العشائر في النظام الأردني أو السعودي أو إلى ذاك النظام الإداري للعراق في عهد صدام ومنحه الريادة للعشائر القوية في مناطقها أو ما اشتقّه النظام في المغرب العربي في هذا الباب لأدركنا كم كانت الأحزاب الحداثوية عاملا مساعدا على تكريس بنية تقليدية محافظة للمجتمع العربي أعاقت كل مشروع للنهضة أو حتى للتقدم قيد أنملة من مرحلة التخلّف. ولا يغرينا ذاك الخطاب "الثوري" أو "البعثي" أو "التغييري" الذي أنشأته غالبية الأحزاب العربية بعد مرحلة الاستقلال. وترانا، في ضوء ما نراه، نستذكر بنوع من الاستحسان مصر ثلاثينيات القرن الماضي والحياة الحزبية فيها. وهو استحسان يأخذنا بنوع من الهمّ إلى مقارنة جديرة بين النظام الحزبي في ظلّ الملكية العربية ومثيله في نظام الحزب الواحد. لكننا لن نخوض في ذلك هنا.

يبدو لي إن العولمة وما فيها من مفاعيل أسهمت في تعزيز نزعة قديمة في الأنظمة العربية محورها النكوص عن هويات جامعة لصالح التعويل على الهويات الأدنى. أو ما أمكن اعتباره الانكفاء إلى اعتبار مكونات الهوية الجامعة ـ الخصوصيات اللغوية والدينية ـ هويات قائمة بحد ذاتها تشكّل انتماء الفرد وفضاءه. وهو انكفاء جعل الأحزاب العربية قاصرة بنيويا تراوح كسيحة بين خطابها الوعوديّ بالجنة على الأرض وبين ممارسة نقيضه في واقع الحال. قد تكون العولمة انعكست في هذه المساحة في العقدين الأخيرين ـ وقد انعكست بالاتجاه ذاته في مجتمعات حديثة لاذت من دورة العولمة بخصائص محلوية أو عرقية ضمن الدولة الحديثة وليس بديلا لها ـ لكننا لا نستطيع أن نحمّلها وزر ما صنعته أيدينا منذ عقود في هذا الباب. فقد أُفرغت الأحزاب من معانيها عندما ركبت متن المؤسسة الطبيعية دون أي محاولة لفرض التحدي عليها. فإذا ما كانت الأحزاب الحديثة تواطأت مع المؤسسات الطبيعية لفرض هيمنتها وحوّلت المؤسسات الطبيعية إلى سوط أو أدوات تنكيل بمفاهبم الحداثة وروّادها فكيف أمكنها أن تقوم بدور وكيل التغيير الاجتماعي أو التحديث؟ فالدين كنظام لمؤسسة طبيعية راسخة في عمق تاريخ المجتمعات العربية استُثمر إلى أبعد الحدود في أيدي الأنظمة أو معارضي الأنظمة من الحركات الإسلاموية لصدّ أي عملية تنوير تقوم بها نُخب مثقّفة أو مفكرون أفراد. كذلك العشائر ونظامها فقد استثمرا لقمع حريات الأفراد وفرض الانصياع للأنظمة عبر توكيد الطاعة العمياء للعشيرة. أما النظام البطركي الاجتماعي فقد زجّ به وبكل عدّته وأنساقه في إدامة قمع المرأة وتحييدها من العملية الاجتماعية في أبسط صورها.

اللافت في تجربة الأحزاب العربية إنها نشأت في مرحلة تاريخية اجتماعية كانت فيه الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية ـ طبعا بتفاوت بين هذه المجتمعات ـ محدودة عدديا وأثرا. أما مرور الزمن فلم يحمل معه اتساعا لهذه الفئات أو ازديادا في وزنها النوعي. ومن هنا خلوّ الأحزاب العربية من وسط الهرم وحصر الهرم في رأس وقاعدة، مثلما انحصر النظام الاقتصادي في قطبين اثنين، قلة من الأثرياء ـ عائلة مالكة أو طغمة مالية أو عسكر غارق حتى أذنيه بعائدات نفط أو ريع تجاري ـ وسواد أعظم من الفقراء. وعلى هذا النسق بدا النظام الاجتماعي حيث تركّزت كامل السلطة في زعيم أو رئيس أو مجلس مصغّر أو أسرة أو طائفة بينما طّلب إلى البقية الباقية من الشعب الانصياع التام لمركز القوة ولتوجيهات الرئيس أو لمزاجه.

ضيق مساحة الفئات الوسطى العربية بالأصل تحوّل إلى معطى ثابت مع نزعة الأنظمة العربية بعد الاستقلال إلى القمع أو تضييق الهوامش والحيز العام. فمن لم تطله يد الجلاّد أو جزمة العسكر أو أسلاك التيار في المُعتقلات السريّة، كان نصيبه الغربة في الوطن أو النفي خارجه. وقد شهدت كل المجتمعات العربية رحيلا للفئات الوسطى إلى حيث تستطيع. وتكفي زيارة للندن أو باريس أو غيرهما من مراكز مدينية أوروبية أو غيرها لنكتشف حجم إهدار المجتمعات العربية لفرصة النهوض. إذ سنجد إن هذه المواقع تعجّ بأعداد هائلة من أبناء وبنات الفئات الوسطى التي كانت قادرة على تأمين فضاء من الحرية ومتسعا لتحقيق ذاتها في المنافي/الأوطان فغادرت مساقط رؤوسها ليبقى المجتمع العربي يتأرجح في دوامة ثنائية ما/أو يبحث عن حاله .

أمكننا أن نُرجع غياب الفئات الوسطى أو على الأدقّ محدوديتها في المجتمعات العربية إلى قصور البنية الاقتصادية في الدول العربية الكبيرة، والعجز عن إحداث حركة تمدين حقيقية تُفكك البُنى والمؤسسات الطبيعية وتُضعف أنساقها وتنشئ تعددا في المجتمع لاسيما في مستوى مراكز القوة. فظلّت القوة محصورة في ولاء للدولة وولاء للمؤسسة الطبيعية اللتين قد تتطابقا في المشاريع أو قد تتصارعا عليها. وهذا ما ترك الفرصة مواتية لاستفراد القلة القليلة بالسلطة التي لجأت إلى فرض هيمنتها على الشعب بكل ما أوتيت من وسائل. أو للمؤسسات الطبيعية تحشد أعضاءها في مواجهة السلطة ـ مجموعة الحوثي في اليمن أو المجموعات العقائدية الإسلامية في مواقع كثيرة أخرى ـ لتنتهي إما بحرب أو بعناق.

إن محاصرة الفئات الوسطى حصل، أيضا، بفعل تكريس ثقافة المواجهة في النظام السياسي الاجتماعي عربيا. قبل الاستقلال وبعده ظلّت المجتمعات العربية أسيرة لما أمكننا أن نعتبره ثقافة كاملة من المفاهيم والأنساق والعادات والإنشاءات هي ثقافة المواجهة. تم الافتراض دائما إن جهة خارجية تحتّم المواجهة أو المقاومة فأعلنت حالة الطوارئ وقيّدت الحريات (أنظر إلى ما يجري في مصر وسوريا في هذا الباب حتى الآن) وأجّلت الفئات الوسطى وأفكارها وطروحاتها إلى ما بعد انتهاء المواجهة التي لمّا تنته! أما الظاهرة الأخرى التي رافقت هذا التأجيل فكان تقديم العسكر على غيرهم وإدامة دورهم في النظام السياسي العربي. فقد كان حضورهم لافتا إلى حدّ كارثيّ جعل من الديموقراطية الخام حلما لكثير من المجتمعات العربية. غابت الفئة التي كان يُمكن أن تغيّر وحضرت القوى التي ما عرفت إلا بالحرص على تكريس التخلّف أو إدامته.

غياب الفئات الوسطى العربية غيّب الضالعين بدور وكيل التغيير. لأن العلاقة بين الأنظمة أو الأحزاب وبين الشعب ليست علاقة حوارية فيها أخذ وردّ وكرّ وفرّ وتحديات تُفرض تبادليا بين طرفي المعادلة أو موقعيّ الهرم، القائد والشعب، لأن الموصل للحوار غائب أو مغيّب. فالفئات الوسطى تضطلع في العادة بدور التحويل في كل المجالات وكل الاتجاهات، في الموارد والخبرات والأفكار والأعمال والقِيم والمفاهيم والأنساق والنُظم. ومن هنا هذا الفقر في قوى التحويل في المجتمعات العربية وانحسار اللعبة بين قوى سلطة مستبدّة وقوى معارضة شعبية وشعبوية علمانية أو دينية.

من المفارقات إننا نطرح مسألة الحزب في المجتمعات العربية ونناقش وجود/غياب الفئة الوسطى وكيلة التحويل الاجتماعي في زمن ضعفت فيه الأحزاب في المجتمعات ذات النظام الديمقراطي البرلماني. وهو حديث علماء الاجتماع الجدد وعلماء السياسة في مرحلة العولمة. وهم يعزون ذلك إلى ضعف الدولة القومية والدولة الحديثة ودولة المواطنين في المجمل وتحوّلها إلى لاعب أقلّ قوة وتأثيرا مقابل "الاقتصادي" وما يعنيه من كيانات كبيرة سياسية أو مالية، مرئية أو وهمية، في الواقع أو على الشبكات. نتحدّث عن الحزب وعن الفئات الوسطى في زمن أثيري أو في مرحلة الإنسان الكوني! وهكذا حصل عندما باغتنا سؤال القومية وسؤال الدولة الإقليمية وسؤال المجتمع المدني في زمن تجاوزنا بكثير . دائما ما أدركتنا الأسئلة ونحن في عزّ مسعانا للبحث عن الأجوبة للأسئلة التي سبقتها!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018