لغز الحصان والعربة: المحكمة الدولية في الممر المسدود/ نقولا ناصيف

رغم تراجع التشنّج السياسي في الظاهر، تمسّك طرفا النزاع بالأولوية التي رسمها كل منهما عنواناً لتحرّكه، وقد باتا أسيري اللغز المحيّر: أيهما أولاً، الحصان أم العربة؟ حصان الغالبية الحاكمة المحكمة الدولية، وحصان المعارضة حكومة الوحدة الوطنية والثلث زائد واحداً.

لكنّ حدثين تلاحقا في الساعات الأخيرة من شأنهما ــــــ وسواهما ـــــ تحديد إطار مواجهة محتملة بدءاً من اليوم:
أولهما، «صفارة» إنذار أطلقها «حزب الله» في صفوفه ليل الأربعاء الماضي عندما بلغه أن قوى 14 آذار تعتزم خلال ساعات توجيه تظاهرة من بضعة آلاف إلى قصر بعبدا لحمل رئيس الجمهورية على مغادرته، وتالياً إسقاط ما بقي من شرعيته الدستورية. وبحسب معلومات توافرت للحزب، خطط أركان في قوى 14 آذار لخيار التظاهرة هذه على أنها الفصل الأخير في الأزمة الرئاسية المستعصية الحل، وعلى نحو يصيب أكثر من عصفور بحجر واحد:

ــــــ أن طرد الرئيس إميل لحود من قصر بعبدا يُسقط آخر ما بقي من رموز تمديد ولايته. وهو في ظل نبذ دولي ومقاومة الغالبية لوجوده ودوره ورفض شعبي لاستمراره في منصبه يصبح خارج القصر فاقداً كل صلة بالولاية الممددة هذه.
ــــــ يؤدي ذلك إلى اعتبار منصب الرئاسة شاغراً طبقاً للمادة 62 من الدستور التي تنيط صلاحيات الرئاسة وكالة بمجلس الوزراء مجتمعاً.

ـــــــ تفادي الممر الإلزامي لإبرام مشروع المحكمة الدولية الذي يوجب توقيع رئيس الدولة اللبنانية عليه قبل إرساله نهائياً إلى الأمم المتحدة وإبرامه واعتباره نافذاً، وهو ما خلص إليه مجلس الأمن في اجتماعه فجر الأربعاء عندما أقرّ بالإجماع مسودة المحكمة الدولية وإرسالها إلى لبنان كي تحظى بمصادقة مجلس النواب، ومن ثم موافقة رئيس الجمهورية، نظراً إلى كونها معاهدة دولية. وبطرد لحود من قصر بعبدا يمسي توقيعه وإبرامه غير ذي جدوى.

واستناداً إلى المعلومات نفسها الوثيقة الصلة بـ«حزب الله»، استنفر الأخير ما يقارب 10 الآف من مناصريه للتوجّه فوراً إلى قصر بعبدا من طريق حيّ الأميركان في الحدث، ومحاصرته لمنع وصول متظاهري قوى 14 آذار من جهة، ولتفادي احتكاك هؤلاء بلواء الحرس الجمهوري الذي سيفقد في أسوأ الأحوال أمام حشود ضخمة من الغاضبين قدرته على منعها من دخول القصر بالقوة، أضف أنه ليس في وسعه مقاومتهم بقوة النار لأسباب خَبرها الجيش على مرّ السنين من مواجهته مواطنين لبنانيين، وآثار ذلك على وحدته وتماسكه وانضباطه. تبعاً لذلك وضع «حزب الله» نفسه في واجهة الدفاع عن بقاء رئيس الجمهورية في منصبه إلى حين انتهاء ولايته الدستورية، أو حصول اتفاق سياسي على خلافته قبل ذلك.

وقد تكون المفارقة اللافتة أن البارحة، 24 تشرين الثاني، أتم الرئيس السنة الثانية من التمديد ودخل منذ اليوم في العدّ العكسي لنهاية الولاية في 24 تشرين الثاني 2007.
وثانيهما إخفاق التفاهم الذي رافق المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مساء الخميس برئيس مجلس النواب نبيه بري قبل عقده مؤتمره الصحافي. في مكالمتهما طلب السنيورة من بري المساعدة في عودة الوزراء الشيعة إلى الحكومة واستئناف مشاركتهم من ضمنها، وحضّه أيضاً على توجيه دعوة إلى أقطاب الحوار للاجتماع مجدّداً حول طاولته. ردّ رئيس المجلس كان سلبياً بتساؤله عن الأسس التي تحدو الوزراء المستقيلين على العودة عن استقالاتهم، وقال لرئيس الحكومة: «على أي أساس تريدوننا أن نرجع؟ خرجنا لأنكم رفضتم أن نكون وإياكم شركاء. فهل تريدون عودتنا تحت وطأة الدم؟».

وختم المكالمة القصيرة بعبارة: «ليتصرّف كل منا وفق اقتناعه».
لم يُثر السنيورة موضوع مطالبته بري بدعوة مجلس النواب إلى الانعقاد لمناقشة مشروع المحكمة الدولية، ولكنه لمس إصراره على المضي في الاستقالة إلى أن يصار إلى تأليف حكومة وحدة وطنية بثلث زائد واحداًً يُعطى للمعارضة في السلطة التنفيذية تأكيداً لفعل المشاركة بين فريق، وهو الغالبية الحاكمة، يمسك بالأكثرية المطلقة في مجلس النواب بما يتيح له حماية الحكومة في المجلس، وفريق آخر، وهو المعارضة، يمسك بالثلث المعطّل في مجلس الوزراء للحؤول دون استئثار الغالبية بقرار السلطة التنفيذية.

في حصيلة الأمر ثمة مشكلة مقبلة تنتظر حكومة السنيورة بعد إقرارها مشروع المحكمة الدولية في مجلس الوزراء مساء اليوم، بإجماع أعضائها الحاضرين، تكمن في الطريق التي يمكن المشروع، في المرحلة الأولى على الأقل، أن يشقّها إلى مجلس النواب. والأحرى أن المشكلة هذه تصبح مضاعفة في ظل وصف بري الحكومة بأنها غير دستورية تبعاً لإخلالها بالوجه الميثاقي لتكوين السلطة التنفيذية.

أما بعد ذلك كله، فمؤشرات ثلاثة ملازمة لانتقال مشروع المحكمة الدولية من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب:

1ــــــ تجاهل مجلس الوزراء الصلاحية الدستورية لرئيس الجمهورية المنصوص عليها في المادة 56 التي تنيط به إحالة المشروع على مجلس النواب بعد إبداء رأيه فيه. ولأن كلاً من الطرفين، رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، يطعن في شرعية الآخر ودستوريته، فقدت المادة 56 مفاعيله.

2 ــــ أن بري ليس في وارد دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد، سواء لأنه لا نصّ في النظام الداخلي للمجلس يلزمه توجيه الدعوة إلى مناقشة مشروع قانون تحيله عليه الحكومة، ولأنه ليس لنائب رئيس المجلس أن ينوب عن الرئيس في توجيه الدعوة ما لم تكن ثمة أسباب توجب غياب الرئيس حتى ينوب عنه نائبه بمعرفة الرئيس أساساً. وهو ما ترعاه المادة السادسة من هذا النظام. وهي أسس قانونية تبدو مفاعيلها أقل وطأة من أخرى سياسية تتصل بتعمّد تجاوز رئيس المجلس ومعاملته، بتجاهل موقعه الدستوري وإنكار دوره التمثيلي، على أنه صورة مطابقة لرئيس الجمهورية. فكيف إذا ولّد ذلك أسباباً مذهبية تدفع إلى انفجار غير محسوب للجميع في آن واحد.

3 ــــــ أن لبري، بمعزل عن موقفه السياسي من دستورية الحكومة ، أن يرد مشروع قانون أحالته عليه إذا لاحظ افتقاره إلى الأصول الدستورية في آلية إحالته عليه، وخصوصاً إذا لم تنبثق الإحالة من إرادة رئيس الجمهورية الذي تقصر المادة 53 (الفقرة 6) به صلاحية إحالة مشاريع القوانين التي تُرفع إليه من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب. وليست هذه، في واقع الحال، سابقة بعدما ردّ الرئيس حسين الحسيني مشروع قانون أحالته عليه حكومة الرئيس رشيد كرامي في 11 آب 1986 يتعلق بإنشاء مصرف للتسليف الزراعي، وتذرّعت في مرسوم الإحالة بـ«الظروف الاستثنائية» التي حالت دون اجتماع مجلس الوزراء لإقراره، متوسّلة طريقة المرسوم الجوّال. وكان تبرير الردّ الذي قال به رئيس المجلس آنذاك أن الخلافات السياسية هي التي منعت اجتماع مجلس الوزراء لا الظروف الاستثنائية التي تكون خارجة عن إرادة الجهة المنوط بها الأمر.


"الأخبار" اللبنانية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018