المحكمة الدولية تحاكم المعارضة وتحكم لبنان؟/ عصام نعمان*

كشف الرئيس نبيه بري يوم السبت الماضي لأعضاء «لجنة المتابعة للأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية والديموقراطية» واقعة حدثت خلال مؤتمر التشاور الأخير و... المرير. قال إنه كان يتشاور في غرفة جانبية مع معاون السيد حسن نصر الله الحاج حسين خليل، والنواب محمد رعد ومحمد فنيش وعلي حسن خليل عندما دخل عليهم فجأة النائب سعد الحريري وبادرهم قائلاً: «أعطونا المحكمة الدولية وخذوا الثلث المعطل في الحكومة، بل خذوا نصف أعضائها»!

أضاف بري ان مــــــناقشةً سريعة جرت للتوّ بينه وبين النواب الحاضرين من جهة ورئـيس كتلة «المستقبل» النيابية من جهة أخرى، انتهت إلى تعاهد على تأليف لجنة مصغرة من الفريقين مهمتها الاتفاق على أسس نظام المحكمة الدولية العتيدة وصلاحياتها ليصار إلى إقراره في مجلس الوزراء. غير ان الحـــــــريري ما لبث ان غيّر رأيه لاحقاً.

تدخّل قياديٌ من أركان «لجنة المتابعة» وروى لبري والحاضرين تفاصيل واقعة أخرى. قال إن مصدراً موثوقاً لا يرغب في كشف اسمه أخبره ان الحريري برّر لزملائه في الفريق الحاكم موافقته على إعطاء قوى المعارضة الثلث المعطل بقوله إن من يأخذ المحكمة الدولية يحكم البلد! غير ان أركان «قوى 14 آذار» خالفوه الرأي وأقنعوه بالتخلي عما تعهد به. السبب؟ لأن الجهة التي يكون بيدها الثلث المعطل قد تشلّ الحكومة وقد يستقيل وزراؤها فيتسببوا بإكراه الحكومة على الاستقالة حسب أحكام الدستور. ابتسم بري وبدا انه على علم بهذه الواقعة.

اجتمعت «لجنة المتابعة» يوم الاثنين الماضي فقام وفدها الذي قابل الرئيس بري بإحاطة الزملاء من غير أعضاء الوفد بمجريات المقابلة، فكان ان استفسر أحد الحاضرين عن معنى قول النائب الحريري «إن مـن يأخذ المحكمة الدولية يحكم البلد». تدخل أحد أركان حزب نافذ وقال: سأروي لكم حادثة لعلها تجيب بصورة غير مباشرة عن سؤال الزميل. في خلال زيارتها الأخيرة للولايات المتحدة عرّجت وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض على نيويورك وقابلت مندوب أميركا في الأمم المتحدة السفير جون بولتون، وكان ذلك قبل استقالة هذا الأخير بطبيعة الحال. دار الحديث بين الوزيرة والسفير حول العوائق التي تكتنف إقرار نظام المحكمة الدولية في لبنان، ختمه بولتون بما معناه: نظام المحكمة سيجري إقراره عاجلاً أو آجلاً، وسوف نأتي بحسن نصر الله إلى هنا!

أروي هذه الوقائع وأسارع إلى القول إنني أصدقها لسببين: الأول، لأن رواتها جميعاً صادقون وموثوقون. الثاني، لأن المواقف والتصرفات الصادرة عن أركان الفريق الحاكم تؤكد صحتها وتسلط الضوء على الأغراض التي يتوخاها هؤلاء ومن يقف وراءهم في شأن المحكمة الدولية.

لماذا المحكمة الدولية أولوية لدى الفريق الحاكم، ولماذا التمسك بالصيغة الأخيرة لنظامها كما جاءت من الأمانة العامة للأمم المتحدة، ولماذا الإصرار على إقرارها في مجلس النواب قبل التوافق مـع المعارضة على إقامة حكومة وحدة وطنية؟

لأن المحكمة الدولية هي المفتاح العمومي Master Key المعدّ لفتح مختلف أقفال القضايا التي تهمّ الفريق الحاكم ... أو هكذا يظنّ أركانه. إنها، أولاً، مفتاح إبقاء قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله، حيّة في القلوب والأعصاب تشحن النفوس بمشاعر الغضب ضد أي جهة أو فريق أو شخص يعتبره الفريق الحاكم معوّقاً لسياسته أو مهدداً لمصالحه أو منافساً فاعلاً له على السلطة.
وإنها، ثانياً، بصيغتها الراهنة مؤاتية جداً للفريق الحاكم إذ ينطوي نظامها على جملة صلاحيات وإجراءات وآليات تساعده على جرجرة مجاميع من خصومه في المعارضة أو من أنصار خصومه إلى التحقيق والمحاكمة حيث الإذلال وتشويه السمعة والعقوبات ومفاعيلها السياسية المؤذية.
وإنها، ثالثاً، ذريعة نموذجية لتبرير المحكمة كأولوية مطلقة في هذا الظرف العصيب تتقدم على أية حاجة أو مطلب آخر، كمسألة حكومة الوحدة الوطنية.

لا يحتاج واحدنا إلى كبير عناء ليتخيّل المشهد اللبناني بعد مباشرة المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي ــ وهذا اسمها الرسمي ــ سلطاتها وإجراءاتها وجلساتها بحسب نظامها الراهن. فالمدعي العام لديها، وهو قاضٍ أجنبي، يمتلك من السلطات ما يمكّنه من التوسع في التحقيق مع أشخاص إضافيين والاستماع إلى شهود جدد قد لا تكون لجنة التحقيق الدولية قد اشتبهت فيهم أو حققت معهم أو استمعت إليهم.

أليس في وسع «الشاهد الملك» محمد زهير الصديق وغيره من الشهود المصطنعين ان يختلقوا من «الوقائع» و«الشواهد» والأقاويل ما يبرر للمدعي العام جلب هؤلاء للتحقيق وربما إحالتهم على المحكمة لاحقاً؟ حتى لو خلّى المدعي العام سبيل المشتبه فيهم لاحقاً ولم يجد لدى الشهود ما يستوجب توقيفهم، وحتى لو برّأت المحكمة ساحة من أحيلوا عليها ظلماً، من سيعوّض على هؤلاء جميعاً الأضرار المعنوية والمادية والسياسية التي تكون قد لحقت بهم أسابيع وشهوراً وسنوات نتيجة توقيفهم على ذمة التحقيق أو قيد المحاكمة؟

ليتخيل واحدنا قضاة التحقيق الدوليون وقد قرروا، لغاية في نفس يعقوب، ان يتوسعوا في التحقيق بالتركيز على الأفعال والأقوال التي من شأنها «التحريض على القتل» و«تهيئة الأجواء» لارتكاب الجريمة، فاستدعوا إلى التحقيق أو الشهادة مئات الإعلاميين والكتّاب والسياسيين وحتى المسؤولين لاستيضاحهم أو استجوابهم، فماذا تكون النتيجة؟ يظنّ قضاة التحقيق بمن يحلو لهم أن يظنّوا به أو يتهمونه ويحيلونه على المحكمة ليبقى قيد المحاكمة أشهراً وسنوات قبل ان تستبين براءته. فكيف تكون حال البلاد في أثناء فترة التحقيق والمحاكمة؟ يكون الناس مشدودين إلى مجريات المحاكمات، يتتبّعونها بشغف أو بحقد ويتراشقون خلالها الشتائم والاتهامات، ويتلهّون عن فضائح الفريق الحاكم ومفاسد الطبقة السياسية المتحكمة بما يكونوا قد وقعوا عليه أو شُبّه لهم من أفعال منسوبة حقاً أو زوراً لعشرات الموقوفين لدى المحكمة الدولية من مشتبه فيهم أو شهود أو متهمين.

هكذا تتحول المحكمة الدولية منصةً عالية باهرة الأضواء يستعملها المحور الاميركي ــ الصهيوني، مباشرةً أو مداورةً، للتسييس والتشويه والتشهير. لكأنما الولايات المتحدة، وقد أخفق الهجوم العسكري الذي قامت به إسرائيل، بإيعازٍ منها، على المقاومة اللبنانية بل على لبنان، تحاول ان تعوّض فشلها بشن هجومٍ سياسي إعلامي عبر تحقيقات ومحاكمات تحاكي أفلام هوليوود في التشويق والتأثير والتضليل.

وهل يضير شركة الفريق الحاكم المساهمة شيئاً إن ارتضت تغطية هذه المسرحية بكل فصولها المضحكة المبكية؟ ألا يسدل مشهد التحقيقات والمحاكمات الستار، ربما نهائياً، على فضائح وارتكابات وفساد الطبقة السياسية التقليدية المتحكمة التي بدّدت موارد البلاد، وسرقت خيراتها، واستأثرت بمرافقها العامة، وهجّرت شبانها وشاباتها، وجعلتها مدينةً بأكثر من 45 مليار دولار من الديون التي تستلزم أجيالاً للوفاء بها؟ ألا يحكم سعد الحريري وحلفاؤه البلد بهذه الطريقة لغاية انتهاء المحاكمات وإصدار الأحكام؟

نعم، إن اللبنانيين، جميع اللبنانيين، يريدون معرفة الحقيقة. يريدون جواباً ساطعاً عن سؤال العصر: من قتل رفيق الحريري؟ لكنهم يريدون أيضاً وبالإصرار نفسه جواباً قاطعاً عن سؤال تاريخي مزمن: من قتل البلد؟ من قتل البلد بالفساد والسرقات والصفقات وبتلزيمه ساحةً للوصاية الخارجية ولتصفية الحسابات الإقليمية؟

لا، يجب ألاّ تكون محاكمة قتلة الحريري بديلاً من محاكمة قتلة لبنان. لتكن المحاكمتان متزامنتين كي لا تكون الأولى، وهي استحقاق قريب الأجل، باب هروبٍ من الثانية وهي استحقاق مزمن وماثل لن يدعه اللبنانيون يسقط بمرور الزمن.

كي تكون المحاكمتان متزامنتين، لا بدّ من ان تُشرف على توفير أدوات الملاحقة والعدالة فيهما حكومة وطنية جامعة، للقوى الحية فيها حصة وازنة ودور فاعل. ولا بأس في أن تكون باكورة إنتاج هذه الحكومة نظام للمحكمة الدولية الخاصة بقضية الرئيس الحريري يتضمن من القواعد والإجراءات والضوابط ما يكفل إحقاق الحق بلا زيادة أو نقصان، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: تكون للمحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي السلطة والصلاحية والمهمات نفسها المنوطة بالمجلس العدلي.

ثانياً: تُعتمد في التحقيقات والمحاكمات لدى المحكمة الخاصة الإجراءات نفسها المعتمدة لدى المجلس العدلي، أي أحكام قانون أصول المحاكمات اللبناني. وتعتمد المحكمة في إصدار أحكامها قانون العقوبات اللبناني ليس إلاّ، على ان يتضمن نظام المحكمة بنداً يمنع إنزال عقوبة الإعدام بالمحكومين، وبنداً آخر باعتماد الإجراءات المنصوص عليها في القوانين اللبنانية لجهة العفو بعد انتهاء ولاية المحكمة الخاصة وزوالها.

ثالثاً: تختص المحكمة الخاصة بالنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري فقط وذلك تطبيقاً لمنطوق قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1644.

رابعاً: يكون عدد القضاة اللبنانيين لدى المحكمة الخاصة بجميع دوائرها وهيئاتها مساوياً لعدد القضاة الدوليين، ويُستطلع رأي الحكومة اللبنانية في شأن القضاة الدوليين قبل تعيينهم.

خامساً: تتحمل الأمم المتحدة نفقات المحكمة الخاصة. وإذا اشترطت الأمم المتحدة ان يتحمل لبنان قسطاً من النفقات فإن المساهمة المطلوبة تُسدد من اعتمادات وزارة العدل. ولا يجوز قبول أي مساهمة في هذا السبيل من دولة عربية أو أجنبية.
هذه أبرز القواعد والإجراءات والضوابط التي نرى اعتمادها في نظام المحكمة الخاصة، وقد يقترح البعض أنواعاً إضافية لكفالة إحقاق الحق وتحقيق العدالة.

"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018