بين منطقي الدولة والمقاومة../الشيخ محمد شقير*

في زحمة الصراع السياسي المحتدم، يُزج بمجموعة من المفاهيم كي يستخدمها كل طرف في نزاله السياسي مع الطرف الآخر، ومن جملة هذه المفاهيم مفاهيم السيادة والدولة والسلم والحرب وقرارهما وغيرها من المفاهيم.

وقد يحاول البعض إيجاد نوع من التهافت بين منطقي الدولة والمقاومة، ليقول إن منطق المقاومة يتعارض مع منطق الدولة وبالتالي فإن السيادة يجب أن تكون للدولة وليس لأي طرف آخر، وإن قرار السلم والحرب يجب ان يكون بيد الدولة وليس بيد أي طرف آخر، وإن وجود الدولة يتنافى مع وجود دويلات داخلها، وغير ذلك من المقولات التي تفضي الى هذه النتيجة. وإن وجود المقاومة في ظرف كالظرف اللبناني هو وجود غير صحي، وبالتالي لا بد من تقديم علاج لهذه الحالة حتى تبقى السيادة للدولة وحدها، لا ينازعها فيها أحد.

وهنا قد يحتاج المقام الى وقفة هادئة لنرى إن كان يجب أن تنتمي هذه المفاهيم الى أحد المنطقين بناءً على التعارض المدعى بينهما، أم إن هذا التعارض المُدّعى ليس إلا تعارضاً مفتعلاً لا يبتعد عن حلبة المناكفات السياسية التي لا تألو جهداً في توظيف أي من المفاهيم في سجالها السياسي وغاياتها السياسية، حتى لو كان هذا التوظيف توظيفاً خاطئاً ولا ينسجم مع حقائق التاريخ والاجتماع والسياسة.

وسوف نعرض لبعض من تلك المفاهيم لنرى إن كان التوظيف السياسي لها هو توظيف صحيح أم لا؟ وبالتالي هل تبقى هذه المفاهيم حائرة في الانتماء الى أي من المنطقين أم إنها تنتمي اليهما معاً وتنسجم معها بناءً على عدم التعارض او التنافي بينهما:

1 - مفهوم السيادة: السؤال المطروح حالياً هو هل وجود المقاومة في ظرف احتلالي او في ظرف لا تستطيع القوى العسكرية للدولة ان تواجهه فيه وحدها يعدّ وجوداً منافياً للسيادة أم إنه وجود مساعد للدولة على بسط سيادتها؟

العجيب لدى البعض انه لا يريد ان يرى في اسرائيل المعتدي الأخطر على السيادة اللبنانية، إما لأن منسوب عداوته لاسرائيل ضعيف او منعدم، وبالتالي هو لا يرى في أي حركة مقاومة شعبية فعلاً مسترجعاً للسيادة ومعززاً لها، بل هو يرى ان هذه المقاومة نقيض للسيادة، حتى وان قامت هذه المقاومة بما عجزت عنه الدولة من تحرير الارض وطرد المحتل، وهو ما سمح للدولة بأن توصل سيادتها الى بقية ارض الوطن وشعبه، ورغم ذلك فالمقاومة في مفهوم هؤلاء نقيض للسيادة.

وهذا يعني في فهم هؤلاء ان المقاومة حتى وإن اعادت السيادة إلى الدولة وحمت السيادة من الاعتداء عليها وقدمت أغلى ما لديها في سبيل حماية هذه السيادة فالمقاومة نقيض للسيادة!

أي ما يريد ان يقوله هؤلاء إن من يحمي السيادة هو الذي يعتدي عليها، ومن يقدم دمه وداره وكل ما يملك من أجل حماية هذه السيادة هو الذي يفرط بها، وإن الذي أعاد السيادة للدولة هو الذي يُخاف منه عليها.

إن القضية بالنسبة الى البعض تتجاوز مفهوم السيادة الى ما هو أبعد منه، فإما انه لا يرى في اسرائيل التهديد الاكبر للسيادة أو انه لا يستطيع أن يتقبل فكرة المقاومة مهما أثبتت من جدوى وصوابية في استرجاع السيادة وحمايتها.

وإلا فكيف يمكن أن يُفهم ان مقاومة لبنانية حمت لبنان وتحميه من أكبر تهديد لسيادته ينظر اليها البعض على أساس أنها أمر مناف للسيادة الوطنية ونقيض لها.

إن من يقرأ حقائق التاريخ والسياسة بموضوعية وعلمية يدرك أن فعل المقاومة هو فعل مساعد لسيادة الدولة وليس منافياً لها وهو فعل حام للسيادة ولا يتناقض معها، أي إن منطق المقاومة يتكامل مع منطق الدولة ويكمله وهو لا يتنافى معه وإن محاولة افتعال التناقض بين هذين المنطقين من أجل غايات سياسية هي محاولة لا تنسجم مع واقع الأمور وتجربة المقاومة وعلاقتها بالدولة.

2 - قرار السلم والحرب: من المعلوم أن قرار السلم والحرب بيد الدولة لا يستطيع أحد ان ينافسها عليه، فهي الجهة المخولة بأخذ قرار السلم إن شاءت او قرار الحرب، وهذا أمر لا نقاش فيه.

والكلام الذي يطرحه البعض مبني على افتراض وجود طرف واحد. هو الدولة اللبنانية. هو من يأخذ قرار المبادرة للحرب او لا يأخذ، لكن النقاش لا يكمن في هذه النقطة لأن الافتراض الذي يفترضه البعض هو افتراض ناقص وواهم لأن الموجود في الواقع هو دولة (الدولة اللبنانية) تعتدي عليها جهة اخرى هي اسرائيل، وهي التي تأخذ دائماً قرار الحرب والعدوان.

وبمعنى أوضح فإن محور البحث ليس حصرية حق الدولة في قرار السلم والحرب بل محور البحث هو واجب الدولة والمجتمع في الدفاع عندما يأخذ العدو قرار الحرب والعدوان.

لذلك ليست القضية قضية قرار السلم والحرب بل قضية قرار الدفاع وحماية النفس والأهل والأرض، وهنا من واجب الدولة ان تقوم بحماية أرضها وشعبها من العدوان والاحتلال، لكن ماذا لو كانت الدولة عاجزة عن واجب الحماية والدفاع؟ فهنا أليس أمراً وجدانياً وطبيعياً ووطنياً ان يبادر المجتمع المدني الى الدفاع عن نفسه وأرضه وعندما يبادر هذا المجتمع الى واجب الدفاع ضمن اطر المقاومة الشعبية، فهو لم يأخذ قرار الحرب بل هو يقوم بواجب الدفاع عن النفس.

وهنا سوف يكون أمراً مغرضاً عندما يبادر البعض الى اتهام المقاومة بأنها هي من يأخذ قرار الحرب لأن المقاومة ليست إلا رد فعل شعبياً على قرار بالحرب والعدوان اتخذته اسرائيل، وبالتالي ليست هي من يأخذ قرار الحرب بل هي التي تقوم بواجب الدفاع عن الوطن عندما قصّر الكثيرون في الدفاع عنه، فيما لا يعيب البعض على الاحتلال وعلى المقصرين في مقاومته بقدر ما يعيب على المقاومة ودفاعها وليس آخرها توظيف مفاهيم من قبيل قرار السلم والحرب ليوهم الرأي العام بأن المقاومة تصادر دور الدولة وتقف عائقاً في طريقها بناءً على افتعاله للتناقض بين منطقي الدولة والمقاومة، هذا الافتعال الذي لا يعكس حقيقة الواقع من أن المقاومة عندما تبادر الى الدفاع عن الوطن والدولة، إنما تعزز بذلك منطق الدولة وتحميه وتتكامل معه من اجل حماية المواطن وتحقيق مصالح الوطن.

3 - الدولة داخل الدولة: وهي من المفاهيم المغلوطة التي يجري الترويج لها أيضاً من أجل إيهام الرأي العام بالتناقض المزعوم بين منطقيّ الدولة والمقاومة.

من المعلوم أن علاقة دقيقة تربط ما بين الدولة والمجتمع المدني حيث لا يحق للدولة ان تلغي المجتمع المدني وفعاليته، ولا يحق للمجتمع المدني ان يلغي الدولة ودورها.

لكن من المعلوم أيضاً أن الدولة عندما تقصر في جملة من وظائفها وواجباتها فإن المجتمع المدني يحاول من خلال ديناميته الخاصة به أن يعوض النقص الحاصل عن تقصير الدولة، وهنا لا يسلب المجتمع المدني دور الدولة بقدر ما يحاول تلبية حاجات المواطن تربوياً واجتماعياً وتنموياً...

بل مهما حاولت الدولة ان ترتقي في أدائها لواجباتها، فإنها لا تستطيع ان تلغي دور المجتمع المدني ومؤسساته التي تعمل لمواجهة الفقر والجهل والتخلف، والتي تعتني بالتعليم والتنمية سواء كانت هذه التنمية تنمية بشرية او تربوية اوصحية او ثقافية او اجتماعية...

وعلى ما تقدم اذا قصّرت الدولة في قيامها بواجباتها،
وكانت هناك حيوية ودينامية خاصة يتمتع بها المجتمع المدني، وأفسحت له المجال لبناء مؤسساته التي تُعنى بخدمة المواطن وتعليمه وتحقيق التنمية وتوفير مجموعة من الخدمات له، فهل يُعاب عندئذ على المجتمع المدني ومؤسساته القيام بواجبه تجاه المواطن إم إنه يعاب على الدولة تقصيرها في قيامها بواجبها، وهل يلام المجتمع المدني في سعيه الى توفير حاجات المواطن وتحقيق الخدمات له، أم إن الدولة هي من تلام على إهمالها للمواطن وحاجاته وخدماته؟
هنا هل يبقى من الصحيح أن يواجَه المجتمع المدني باتهام أنه مشروع دولة داخل الدولة؟ او أنه يريد أن يلغي الدولة؟

أم إنه يجب النظر في هذه الحالة الى المجتمع المدني ونشاطه على أنه دليل عافية وعلى أنه في حيويته وفعاليته إنما يكمل منطق الدولة ويتكامل معه وأنه لا تنافيَ بين منطق الاجتماع المدني ومنطق الدولة حتى لو تحول هذا الاجتماع المدني الى اجتماع مقاوم ضمن أطر المقاومة الشعبية.

وعلى ما تقدم فإن تلك المفاهيم كما تنسجم مع منطق الدولة فهي تنسجم ايضاً مع منطق المقاومة لانه أساساً ليس هناك تناف أو تناقض او تهافت بين منطق الدولة والمقاومة رغم كل المحاولات التي تريد ان تفتعل التناقض او التهافت بينهما.
بل ان التكامل بين منطقي الدولة والمقاومة هو الذي عزز للدولة سيادتها وهو الذي يمنح الدولة القدرة على الدفاع عن أمنها وأبنائها في وجه قرار بالحرب والعدوان ما زالت اسرائيل تمارسه بحق لبنان وشعبه وأرضه وسيادته.


"الأخبار" اللبنانية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018