حالة إنكار.. فلسطينية../ مـاجد عـزام*

لا أعتقد أن ثمة وصفاً يمكن إطلاقه على القرار الذي اتخذته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السبت الماضي، القاضي بالدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في الأراضي الفلسطينية، أبلغ من هذا المصطلح: حالة إنكار.

فاللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تتعاطى بإنكار شديد مع المتغيرات الفلسطينية، وهي كانت وما زالت جزءاً من الأزمة الفلسطينية لا جزءاً من الحل، واجتماعاتها أضحت موسمية، وحسب ما يشتهي الرئيس محمود عباس الذي ما زال رغم كل ادعاءاته سائراً على النهج السابق نفسه، وهو استغلال منظمة التحرير كأداة في الصراع السياسي الداخلي، وعنصراً فاعلاً في الخلاف الفئوي الضيق، بغض النظر عن المصلحة الوطنية أو تداعيات ذلك على العمل المؤسساتي والتنظيمي السليم والصائب.

لا يمكن انتقاد القرار الأخير ورفضه قبل الإشارة إلى أن اللجنة التنفيذية الحالية لمنظمة التحرير تفتقد إلى النصاب اللازم لإضفاء الغطاء القانوني والدستوري على أي من اجتماعاتها أو قراراتها، حيث أن 9 من أصل 18 عضواً من أعضاء اللجنة التنفيذية قد غيّبهم الموت أو المرض، أو الاعتقال عن حضور الاجتماعات، وإثنين من الأعضاء التسعة الباقين خاضت تنظيماتهم الانتخابات التشريعية الماضية وحازا معاً أقل من واحد في المئة من أصوات الناخبين، أي أنهما لم يتجاوزا نسبة الحسم، وبالتالي لم يمثلا في المجلس التشريعي المنتخب كما أن ثلاثة من التسعة خاضوا الانتخابات التشريعية معاً واجتازوا نسبة الحسم ـ البالغة اثنين ونصف بالمئة ـ بصعوبة بالغة.

وبغضّ النظر عن ذلك، فإن اللجنة التنفيذية للمنظمة، حتى باكتمال نصابها، قد انتهت مدتها القانونية البالغة أربع سنوات فقط وهي حسب الروح الدستورية والقانونية فاقدة لأي قوة أدبية أو سياسية أو معنوية لاتخاذ أية قرارات حاسمة ومصيرية في الساحة الفلسطينية، علماً بأن اللجنة بالكامل قد انتخبت في عام 1996 وفي ظروف جد مشوّشة حيث عقد المجلس الوطني على الطريقة العرفاتية التقليدية وبشكل مستعجل وفوضوي. وصوّت الحاضرون وقوفاً وتصفيقاً، ليس فقط على إلغاء البنود المعادية لإسرائيل في الميثاق الوطني، وإنما أيضاً على انتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة.

هذه المقاربة التاريخية كانت جد مهمة وضرورية للقول إن اللجنة التنفيذية الحالية ـ أو ما بقي منها ـ لا تملك القوة الأدبية أو السلطة القانونية والشرعية لإبداء رأيها في الأزمة المستعصية في المشروع الوطني لأنها ببساطة جزء من هذه الأزمة وليست جزءاً من الحل.

الوثيقة الوحيدة التي صدرت بإجماع فلسطيني في الثماني عشرة سنة الأخيرة ــ أي منذ إعلان الاستقلال الذي صدر في الجزائر ــ تمثلت بإعلان القاهرة الذي صدر في السابع عشر من آذار مارس 2005، والذي تم رسم خريطة طريق للخروج من الأزمة الداخلية المستحكمة، تتحدث عن إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس ديمقراطية وطنية سليمة لكي تقوم بدورها كمرجعية عليا للشعب الفلسطيني، وكمؤسسة يجب أن تشرف، وتضع الخطط للعمل الفلسطيني المشترك، سواء في الداخل أو الخارج. الوثيقة أشارت كذلك إلى تشكيل لجنة لهذا الغرض برئاسة الرئيس محمود عباس وعضوية الأمناء العامين للفصائل وشخصيات وطنية مستقلة أخرى. وحسب الوثيقة، كان يفترض أن يدعو الرئيس أبو مازن إلى اجتماع اللجنة لوضع الخطط العملية والتصورات الكفيلة بإعادة إحياء المنظمة في أقصر مدى زمني ممكن. قرار السبت الماضي يوضح خلفيات تلكؤ أبو مازن في الدعوة حيث يراد إبقاء وضع منظمة التحرير على ما هو عليه للإستقواء بها في النزاع السياسي الداخلي الحالي.

اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بوضعها الراهن لا تعبر عن الواقع السياسي الحزبي الفلسطيني الحالي. فحركتا حماس والجهاد الإسلامي غير ممثلتين في اللجنة، رغم حضورهما الواسع في الشارع الفلسطيني وهما تمثلان حالياً ثقلاً مهماً، حتى أن استطلاعات الرأي تتحدث عن أن نصف الشعب الفلسطيني تقريباً يؤيد ويدعم سياسات هاتين الحركتين ــ في الانتخابات الأخيرة التي قاطعتها الجهاد، نالت 44،4% من أصوات الناخبين ــ وبالتالي فإن أحد أهداف التقاعس وعدم المضي قدماً وبشكل جاد في إعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير يتمثل في عدم القدرة أو الرغبة في إعطاء حماس والجهاد ما يستحقانه من وزن وتمثيل داخل اللجنة التنفيذية ومؤسسات المنظمة الأخرى.

إضافة إلى ما سبق، فإن قرار اللجنة بالدعوة لانتخابات رئاسية تشريعية مبكرة غير دستوري وفق القانون الأساس «الدستور» المؤقت المعمول به في الأراضي الفلسطينية حالياً. فليس من مادة في الدستور تتحدث عن الدعوة إلى هكذا انتخابات، حيث إن المجلس التشريعي المنتخب هو سيد نفسه وهو فقط يستطيع حل نفسه، وبالتالي الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة. أما الرئيس فيستطيع الاستقالة، وعندها يصبح من الملحّ والضروري والدستوري الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة لملء الفراغ الحاصل في المنصب.

أما المجلس التشريعي فقضية أخرى، ولا يستطيع الرئيس ولا اللجنة التنفيذية للمنظمة الدعوة إلى حله أو إسقاطه. والغريب اللافت للنظر أن الإسلاميين ــ وحركة حماس تحديداً ــ يتحدثون عن البنود والمواد التشريعية والدستورية والقانونية المنظّمة للعمل السياسي، بينما يتحدث أعضاء اللجنة التنفيذية والفريق المحيط بالرئيس محمود عباس، والمفترض أنهم علمانيون، عن القاعدة الشرعية القائلة إن في الأصل في الأمور الإباحة، وهي قاعدة تتعلق بالشريعة الإسلامية ومناحي الحياة المختلفة مثل المأكل والمشرب والملبس، ولا تنطبق بالتأكيد على العمل السياسي والحزبي المفترض أن يخضع لقوانين وتشريعات وأسس محددة واضحة لا لبس فيها.

أمر غريب آخر نراه في قرار اللجنة التنفيذية ومعظم التصريحات الصادرة عن الفريق المحيط بالرئيس محمود عباس والخاص بضرورة انصياع الحكومة الفلسطينية الحالية لما يوصف بثوابت وبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم أن هذه الثوابت قد ضاعت في دهاليز أوسلو وأخواتها، فإن تكرار المطالبة بها دليل آخر على حالة الإنكار التي تعيشها اللجنة التنفيذية لأن الحكومة نالت ثقة الشارع الفلسطيني على عنوان آخر حمل عنوان الإصلاح والتغيير.

وعندما برزت ضرورة للتوافق على برنامج وطني عام، تم فعل ذلك عبر وثيقة الوفاق الوطني ــ وثيقة الأسرى ــ التي تمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به الأطراف الفاعلة على الساحة الحزبية الفلسطينية وعلى أسس مختلفة سياسية وتنظيمية وفكرية وهو يشكل الأساس ونقطة التحرك، سواء للسلطة الفلسطينية أو حتى لمنظمة التحرير بهيئاتها ومؤسساتها المختلفة.

غير أن حالة الإنكار في أبهى صورها وأوضحها تتضح في الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة وخاصة بالسلطة الفلسطينية وتقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة وتجاهل الوضع الدستوري والقانوني السابق الذكر لأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. ولم يمتلك هؤلاء الشجاعة الأدبية والمعنوية للدعوة إلى انتخابات عامة في الداخل والخارج لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني أو البرلمان الجامع، ومن ثم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة للمنظمة لأن هذا الأمر يمثل المدخل الصحيح والملائم والضروري والنموذجي نحو حل الأزمة الفلسطينية، إذ يشكل الخلاف بين رئاسة السلطة والحكومة أحد أعراضها فقط.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018